رئيس التحرير: عادل صبري 02:03 مساءً | الجمعة 14 ديسمبر 2018 م | 05 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

من واقع الصحافة المصرية.. رموز بـ«صاحبة الجلالة» في سجون السلطة

من واقع الصحافة المصرية.. رموز بـ«صاحبة الجلالة» في سجون السلطة

الحياة السياسية

احسان عبد القدوس وجمال عبد الناصر

من واقع الصحافة المصرية.. رموز بـ«صاحبة الجلالة» في سجون السلطة

أحلام حسنين 21 أبريل 2018 14:54

مضى نحو أسبوعين ويقضى الكاتب الصحفي "عادل صبري"-رئيس تحرير موقع مصر العربية- أياما من عمره خلف القضبان، يدفع حريته ثمنا لمهنيته، آثر الولاء لمعشوقته "الصحافة" وأبى أن يسير مع التيار الذي يريد انتهاكها، فكان مصيره السجن، أو هكذا قال عنه رفقاؤه من الكتاب الصحفيين.

 

"له إرادة المقاتل الذي لا ينكسر، وعزيمة الذي لا يلين، طاقة صحفية وإنسانية تتدفق في أنهار شتى، لا تغريه المناصب الصحفية أبداً فأفضل منصب عنده هو أن يكون محرراً ميدانياً يجري وراء الخبر والصورة"، هكذا قال الكاتب الصحفي أنور الهواري، عن "عادل صبري"، في مقال له بعد  حبس الأخير على ذمة التحقيقات.

 

عادل صبري: التهمة مهنية صحفي

 

ويضيف الهواري : "أكتب هذه الكلمات، صبيحة ليلة ظلماء، باتها عادل صبري بغياً وعدواناً، في أحد أقسام الشرطة ليمثل أمام النيابة هذا الصباح، لا لشيء إلا لأنه صحفي حقيقي، مؤمن من أعماق قلبه أن الصحافة رسالة عظيمة ومهنة نبيلة، تستمد شرفها من الإيمان بالانسان حراً مكرماً دون تضليل ودون استغلال".

 

واعتقل عادل صبري أولا بتهمة مزاولة نشاط بدون ترخيص من الحي، ثم تطورت التهم لتكون: "الانضمام لجماعة إرهابية الغرض منها الدعوة إلى مناهضة نظام الحكم في الدولة، والترويج باستخدام الكتابة والرسوم للمذاهب التي ترمي إلى تغيير مبادئ الدستور والنظم الأساسية عبر موقع صحيفة «مصر العربية»، وإذاعة بيانات وأخبار كاذبة عمدًا عبر الصحيفة الإلكترونية التي يترأس مجلس إدارتها، والتحريض على التظاهر بقصد الإخلال بالأمن والنظام العام".

 

وكانت نيابة الدقي قررت، الثلاثاء الماضي، تجديد حبس "عادل صبري"  للمرة الثانية على ذمة التحقيقات، وذلك بتهم غير التي أعلنت عنها وزارة الداخلية المصرية بشأن عدم حصول الموقع على تصريح إداري من الحي التابع له.

 

وتأتي هذه الاتهامات بعد تقديم الموقع جميع المستندات التي تثبت عمله وفق إطار قانوني، وبتراخيص صادرة عن وزارة الاستثمار وفقا للقانون المصري، وبالتالي تقويض جميع الاتهامات التي جرى ترديدها سابقا حول تهمة العمل بدون ترخيص.

 

رموز  صفحية في سجون السلطة

 

حبس "عادل صبري" اعتبره صحفيون وأعضاء بمجلس نقابة الصحفيين جزءا مما تتعرض له الصحافة في الفترة الأخيرة من "انتهاكات"، بحد وصفهم"، وذهب البعض إلى أن الصحافة تعاني أسوأ مراحلها التي لطالما عانت من حبس رموزها لخلافاتهم مع الأنظمة المتعاقبة.

 

ورغم أن الصحافة تحمل لقب "صاحبة الجلالة" إلا أن تلك الجلالة قد تضع أصحابها خلف القضبان، إذا ما بحثوا عنها إجلالا لحق القارئ في المعرفة، فيكون الثمن حريته، فكم من رمز من أعلام الصحافة المصرية، قضى بضع سنوات من عمره في غياهب السجون حين اختلفت آراؤه عن السلطة الحاكمة. تزخر صفحات تاريخ الصحافة ببعض رموزها الذين تركوا أثرا يدرسه كل شغوف بذي المهنة، تكشف له عما كان يدور في هذه الحقب من تاريخ الوطن، وكيف كانت تتعامل السلطة مع أبناء "صاحبة الجلالة"، فتودي بكل من لم يسبح في تيارها خلف السجون.

 

الولد الشقي

 

"كنت فاهم إنك هتقف جنبي، لكنك وقفت جنب الجماعة التانيين" جملة قالها الرئيس الراحل أنور السادات للكاتب الصحفي الراحل "محمود السعدني" الذي رد عليه متسائلا: "أنا ياريس"، فأجابه السادات : "أيوه يا ولد، ثم يكمل السادات كلامه قائلا: "أنا ببنى مصر يا وله.. أنا عاوزك جنبى يا ولد، تعالى ابنى معايا يا ولد".

 

كان هذا جزءا من حوار ساخن دار فى أواخر السبعينيات من القرن الماضى بين الرئيس الراحل أنور السادات وبين «السعدنى» فى قصر «دسمان» بالكويت فى جلسة صلح تمت بينهما بعد سنوات من العداء والاتهام والمطاردة والسجن.

 

كان السعدني من أبز الصحفيين الذين تعرضوا للحبس أثناء حكم السادات بسبب "نكتة" قضى على إثرها عامين في السجن وسنوات في الغربة هربا من سلطة السادات، ورغم أنه كان من أشد المؤيدين لحكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والذي كان يبدي إعجابه به أيضا حتى قال عنه "السعدني سفيرنا إلى المصاطب"، إلا أنه لم يسلم أيضا من سجونه بسبب "غلطة". ففي عهد السادات تم إلقاء إلقاء القبض على السعدني مع "مراكز القوى" واتُهم بمحاولة قلب نظام الحكم، فقط لأنه كان محسوباً على عهد عبدالناصر و ربما يكون له علاقة بـ"مراكز القوى" الذين هم أصدقاء عبدالناصر و زملائة في الصف الأول في "تنظيم الضباط الأحرار".

 

سجن السعدني أكثر من مرة، الأولى جاءت أثناء زيارة صحافية إلى سورية قبل الوحدة بين البلدين، وطلب أحد أعضاء الحزب الشيوعي السوري من السعدني أن يقوم بتوصيل رسالة مغلقة إلى الرئيس جمال عبدالناصر، وبالفعل قام بتسليمها لأنور السادات، ولم يكن يعلم ما تتضمنه، والتي كانت عبارة عن تهديد لعبدالناصر، لذا تم إلقاء القبض، وسجن قرابة العامين، ثم أفرج عنه بعدها. وعقب وفاة عبدالناصر حدث صراع على السلطة بين الرئيس أنور السادات، وعدد من المسؤولين المحسوبين على التيار الناصري، وانتهى الصراع باستقالة هؤلاء المسؤولين واعتقال السادات لهم وتقديمهم للمحاكمة بتهمة محاولة الانقلاب.

 

 

 كان اسم محمود السعدني - الذي كان منضما إلى التنظيم الطليعي - من ضمن أسماء المشاركين في ذلك الانقلاب، وتمت محاكمته أمام «محكمة الثورة، ودين وسجن، وبعد قرابة العامين في السجن أفرج عنه، ولكن صدر قرار جمهوري بفصله من أسبوعية «صباح الخير»، ومنعه من الكتابة، وبعد فترة قصيرة من المعاناة قرر السعدني مغادرة مصر والعمل في الخارج.


مصفى أمين 


"وأنا أستطيع وأنا جالس في زنزانتي أن أعرف حالة الدولة في الخارج، الظلم الذي أراه هنا، الاستبداد، السرقة، الرشوة، استغلال النفوذ، المحسوبية، الرغبة في إذلال الناس، تحكم القوي في الضعيف، الطلاء الخارجي الذي يخفي الخراب الداخلي، النهب والتهليب، كل هذا صورة مصغرة لما يحدث خارج السجن".

 

كانت هذه كلمات دونها الكاتب الصحفي مصطفى أمين، في كتاب سنة ثالثة سجن، فهو أيضا واحد من رموز الصحافة الذين تجرعوا مرارة الحبس في سجون السلطة، في عهد عبد الناصر إثر خلاف وقع بينهما.  

 

 

واستطاع مصطفى أمين أن يهرب مئات الرسائل وهو سجين، دون فيها ما عاين من ظلم وقهر في سجون عبد الناصر، حتى أفرج عنه بعفو صحي أصدره السادات، تمكّن بعده من جمع رسالاته تلك وتنظيمها وطباعتها في ثلاثة كتب هي «سنة أولى سجن» و«سنة ثانية سجن» و«سنة ثالثة سجن».

 

وعاش مصطفى أمين خلف القضبان 9 سنوات، لم تنل منه بل أزادت قوته وإبداعا فظل يكتب ويدون ويبعث رسائل عن الحب والحرية والوطن.

 

وكان من أول الأحكام التي صدرت بخصوص مصطفى أمين، حكم عام 1939، بالسجن لمدة ستة أشهر مع إيقاف التنفيذ بتهمة العيب في ذات الأمير محمد علي، وألغي الحكم عام 1942 في عهد وزارة مصطفى النحاس باشا.

 

وفي عام 1952، بدأ توتر العلاقات بين الشقيقين مصطفى وعلي أمين مع السلطة ، فاعتقلا في 23 يوليو في هذا العام، إلا أن السلطة لم تجد أي اتهامًا لتوجيهه إليهما، فتم الإفراج عنهما بعد 3 أيام فقط، وكأن شيئًا لم يكن.

 

وكثرت الأحاديث حول حقيقة سجن الراحل مصطفى أمين، إلا أن أشهر ما ورد هو أن السر في سوء علاقته بالراحل جمال عبد الناصر، حيث كلفه باستمرار الاتصال بالولايات المتحدة، وكانت القيادة تمده بما ينبغي أن يقوله لمندوبي أمريكا، وأن ينقل إلى جمال عبد الناصر ما يقوله الأمريكيون.

 

 وعندما ساءت العلاقات بين مصطفى أمين وعبد الناصر وبعض القيادات الأخرى، قبضوا عليه بتهمة المعلومات التي كانوا قد أعطوها له ليسلمها إلى المندوبين الأمريكيين،  وصدر عليه الحكم بالسجن 9 سنوات.
 
 وفي عام 1972 قامت ابنتاه رتيبة وصفية بزيارة إلى السيدة جيهان السادات مع السيدة أم كلثوم أملاً في التوسط من أجل الإفراج عن والداهما، ولكن لم يفلح الأمر في البداية، إلا أن السادات أصدر قرار العفو عنه بعد هذه الزيارة بثلاث سنوات وبعد نصر أكتوبر.
 
 

 

إحسان عبد القدوس


من بين الرموز الصحفية التي ذاقت ظلمة سجون السلطة الكاتب الصحفي إحسان عبد القدوس، فرغم أن عبد الناصر كان يتابع مقالات "إحسان" الوطنية وحملاته على الفساد والاستعمار، واهتمامه باستشارته في الكثير من قرارات مجلس قيادة الثورة، إلا أنه لم يسلم أيضا من سجونه.
 
وأمر عبد الناصر باعتقال إحسان عبد القدوس، وذلك بعد أن صدرت جريدة روزاليوسف وهي تنتقد بعض تصرفات مجلس قيادة الثورة، مما أغضب عبد الناصر، وظل الكاتب الكبير في السجن لبضعة أشهر.
                                                                                                 
وتروي "روزاليوسف" في تقرير لها، أنه ذات صباح رن التليفون في مكتب مأمور السجن وما أن سمع صوت محدثه حتى هب واقفاً، كان المتحدث هو جمال عبدالناصر، طلب الحديث إلى نزيل الزنزانة رقم 91 بالسجن الحربي.. إحسان عبدالقدوس.

ويضيف التقرير أن الكاتب الكبير اندهش وهو يستمع إلى صوت الرئيس، الذي أخبره أنه أصدر قراراً بالإفراج عنه، وأنه ينتظره خلال ربع الساعة ليتناول الإفطار معه، وكانت سيارة الرئيس تنتظره أمام بوابة السجن.

 

وصل إحسان إلى منزل عبدالناصر في منشية البكري، وجلسا على مائدة الإفطار، وظل الرئيس صامتاً حتى ينتهي الإفطار، وبينما يحتسي الشاي يسأل عبد الناصر:"يا إحسان..ولاّ لسه؟"، حسب تقرير "روزاليوسف".

 

يضحك عبدالناصر ويعود للحديث :"السجن خير مرب وأعظم معلم"، لكنه يستطرد أمام هدوء إحسان ورقته واعداً ضيفه بإزالة كل الآثار التي سببها له السجن.

 

واستمرت دعوات عبدالناصر لإحسان عدة أشهر حتي يخبره الرئيس في اللقاء الثلاثين بينهما قائلاً:" اعتقد يا إحسان أنني قد عالجتك نفسيا من صدمة السجن".

 

وبعد عام واحد من سجن إحسان عبدالقدوس الأول، يفاجأ الكاتب الكبير بزوار الفجر يلقون القبض عليه مرة أخرى، ويعيدونه إلى السجن الحربي من جديد، التهمة تلك المرة كانت أبشع وأظلم "محاولة قلب نظام الحكم بالقوة".

 

وقبل أن يكتمل الأسبوع الثالث على سجن الكاتب الكبير، يصدر قرار جمهوري من الرئيس عبدالناصر بالإفراج عن إحسان فوراً، ويستقبله في نفس اليوم، لكنه هذه المرة يعتذر لإحسان.

 

يخبره الرئيس أنه كان يطالع كشوف المعتقلين ففوجئ باسم إحسان بينها، ولم يكن قد علم بخبر القبض عليه، لأن المجموعة التي اعتقلته لا تتبع أجهزة عبدالناصر، وإنما تتبع المشير عبدالحكيم عامر.

 

وكانت تجربة السجن بالنسبة لإحسان مغامرة سياسية وإنسانية وأدبية، حكى عنها في مقالين مهمين، نشرتهم روزاليوسف بعد ذلك.

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان