رئيس التحرير: عادل صبري 09:07 صباحاً | الأحد 22 أبريل 2018 م | 06 شعبان 1439 هـ | الـقـاهـره 37° غائم جزئياً غائم جزئياً

جمعيات «خيرية» تستغل الفقيرات: "الصوت بـ50 جنيه"

جمعيات «خيرية» تستغل الفقيرات: الصوت بـ50 جنيه

الحياة السياسية

الانتخابات الرئاسية 2018

هددتهن بقطع المعونة الشهرية

جمعيات «خيرية» تستغل الفقيرات: "الصوت بـ50 جنيه"

حشد الناخبات بـ«ميكروباصات» إلى اللجان «عشان الصورة تطلع حلوة»

مصر العربية 28 مارس 2018 23:19

في ساحة مجمع مدارس حي دار السلام كان الزحام شديدا في اليوم الثالث للانتخابات الرئاسية.

 

 نساء ينزلن من ميكروباصات أمام اللجان، ما إن تفرغ حمولتها من البشر، حتى تمتلئ مجددًا بحمولة من اللاتي أدلين بأصواتهن.

 

المشهد يبدو مثيرًا للفضول، ما هذا النشاط الغريب في وقت تبدو فيه مقاطعة الانتخابات كاسحة؟

 

الحكاية وما فيها، أن جمعية خيرية تحشدهن، فإذا صوتن يحصلن على مقابل مادي، وهكذا يُساق الفقراء من أجل التقاط اللقطة.

 

 

قبل «حشدهن» في الميكروباص كن يطفن بين المندوبين، يذهبن إلى هذا فيطلب منهن ختم "الكارت الانتخابي"، خلاف البطاقة الانتخابية الرسمية، من إحدى النساء، ثم يرسلهن إلى آخر ليأخذهن في"ميكروباص" إلى مقر جمعية خيرية بحدائق المعادي، لتختم بدورها "الكارت"، ومن دون الختمين "مافيش فلوس"!

 

 

داخل الساحة يوجد سرادق تكتظ فيه النساء تتسابق أيديهن إلى فتاة تجلس أمام منضدة، ومعها ختم مكتوب عليه "الانتخابات الرئاسية 2018" تختم به الكروت، بعد أن تتأكد من تصويتهن برؤية الحبر الفسفوري على أصابعهن، وهو إشارة السماح بحصولهن على المبلغ النقدي.

 

ومن لا يملك هذا الكارت محرم عليه أخذ المبلغ، كما أن الحصول عليه كان مسبقا قبل انطلاق العملية الانتخابية من الأساس، عن طريق "التربيط" مع الجمعية الخيرية ومندوبيها، بمنح هذه الكروت للحالات المستفيدة منها، وإبلاغهم بضرورة التصويت وصبغ الكارت بالحبر الفسفوري وإلا ستنقطع عنهم "الإعانة الشهرية".

 

 

ما جرى داخل الجمعية الخيرية الكائنة بحدائق المعادي التي تجبر الفقراء على التصويت، تأكدنا منه حين صعدنا مع بعض النساء إلى الميكروباص التابع للجمعية، حيث حصلنا على كارت انتخابي من إحدى النساء التي تعاطفت معنا، بعد أن أقنعناها أننا بحاجة إلى المال.

 

المرأة الفقيرة نظرت لنا بعطف، إن الفقراء يحسون ببعضهم البعض، هم «ستر وغطا على بعض» في هذا الوطن.

 

أخبرناها أننا بحاجة إلى"كارت" فاستخرجته لنا من حقيبتها في الخفاء، هي إحدى المستفيدات من الجمعية الخيرية، ولا ينبغي لها أن تمنح الكارت لأحد، فقط المسؤول عن ذلك هو مندوب الجمعية، ولم يكف أنها منحتنا الكارت، بل صبغت سبابة إحدانا بالحبر الفسفوري بعدما رطبت أصابعها بريقها، ودلتنا على فتاة نختم منها الكارت.

 

 

نظام "الكارت"أصبح ظاهرة جديدة هذه المرة، ففي انتخابات مجلس النواب السابقة أو حتى في توثيق توكيلات للمرشحين للرئاسة، كان  سائدا أن يقدم الناخب بطاقته للمندوب فيمنحه المبلغ النقدي، على مرأى ومسمع الجميع، ولكن هذه المرة المبالغ النقدية لا توزع أمام اللجان، ولكن في المنطقة السكنية التي تم الحشد منها.

 

 

دقائق معدودة تنتظرها أمام اللجان الانتخابية تكفي لتعلم أن هناك رشوى تقدم للناخبين، حين ترى الكثير يقبض بيديه على"كارت"مدون عليه اسم الناخب ولجنته وكود خاص به، وعلى ظهره ختم "الانتخابات الرئاسية 2018".

 

يقف مندوب يملي التعليمات، والمحتاجات يصغين باهتمام، أي هفوة قد تحرمهن من المنحة، صحيح أن المبلغ ليس كبيرًا، لكنها «نواة تسند الزير».

 

 ولكن أين توزع المبالغ النقدية؟

 

 

في ركن هادئ بعيدا عن الزحام كان يجلس أحد مندوبي الجمعية الخيرية، دلتنا عليه إحدى النساء، أظهرنا له الكارت ليمنحنا المبلغ النقدي، فأشار إلى جمع من النساء طالبنا بالذهاب معهن للحصول على "ختم الجمعية"، وبينما نسير إلى حيث يأخذنا سائق "الميكروباص" همست إحداهن في أذن الأخرى "مش هنمشي من هناك غير لما يدونا الفلوس".

 

"ومن مندوب إلى لجنة الانتخاب للتصويت إلى فتاة تختم الكارت إلى مندوب آخر يعطي إشارة الذهاب ثم إلى الميكروباص".. رحلة شاقة مرت بها النساء التابعات للجمعية الخيرية، فقط من أجل الحصول على 50 جنيها، عبرت عنها إحداهن "ذل ودوخة بس أحسن من مافيش".

 

وبمجرد الوصول إلى الميكروباص الذي يقف على مقربة من مقار اللجان الانتخابية، تسابقت النساء لحجز مقاعدهن، وجلست إلى جوارنا سيداتان شارفا على عقدهما الخامس، كانت إحداهن تتحدث في الهاتف تروي كيف كان يومها الشاق لمحدثتها،؟والثانية يبدو عليها أنها تتوجس من شيء ما.

 

السيدة التي كانت تتحدث في الهاتف تقول لمن تحدثها: جينا مرتين المجمع، من الساعة 8.30 الصبح وأنا في الجامع روحنا الجمعية جبنا الكارت وروحنا انتخبنا وراجعين الجمعية تاني عشان ناخد الفلوس".

 

أما السيدة الأخرى فأفصحت عما يُخيفها، فسباباتها التي غرستها في الحبر الفسفوري اختلطت بحبر القلم الجاف فتغير لونه، وهي تخشى ألا يصدق مندوب الجمعية أنها انتخبت فيحرمها من الخمسين جنيهًا، بل ربما يحرمها من الإعانة الشهرية أيضًا.

 

 

حاولنا بث الطمأنينة في نفسها بأنه لطالما طبعت الحبر على الكارت فلن تُحرم من إعانتها، فاستطردت تحدثنا عن خوفها من أن يقطع صاحب الجمعية الإعانة كما فعل الشهر الماضي على سبيل "التأديب".

 

"الشهر اللي فات شال مننا نص القبض قالنا عشان تروحوا تنتخبوا، واتصلوا بينا قالولنا لازم تنزلوا تنتخبوا"، حين قالت السيدة هذه الجملة كانت الأخرى قد انتهت من حديثها بالهاتف، فسألتها من أين تقبض ومن اتصل بها، فأخبرتها أنه تقبض من مسجد المغفرة والمتصل هو "خ.إ"، فبادرتها الأخرى "وأنا بقبض منه ومن الحج..أبو .ع".

 

"ولكن ماذا سيحدث إذا لم تصوتن؟".. كان سؤالنا لهن، فجاوبن بصوت واحد "مش هيقبضونا تاني"، ثم استطردت إحداهن "أُمال إيه جبرنا ننزل، احنا رايحين عشان تجلنا حسنة من باب الله بدل ما تتقطع، كلنا طبقة واحدة وبناكل من سلطانية واحدة مش هخبي عليكم احنا محتاجين، وهما قالولنا اللي مش هيروح هتقطع عنه الشهرية".

 

التقطت طرف الحديث السيدة الأخرى"دا كمان شال عننا موسم المدارس، بيقولنا أحمدوا ربنا انتوا مش حاسين بالبلد، أهو بنوسع عليكم بفرخة ولا حتة لحمة وشوية زيت ورز أحسن من مافيش".

وبعد أن شكت كل منهن حالها للأخرى شرعن يواسين بعضهن، فقالت إحداهن: "لو قطعوا عنا حاجة ربنا مبيقطعش رزقه هيرزقنا من ناحية تانية".

 

قطع حديثهن وصول السيارة إلى مقر الجمعية الخيرية بحدائق المعادي، وهناك كان ينتظر مندوب يدعى "أ.أ"، أخذ منهن"الكروت"وتأكد أنها مصبوغة بالحبر الفسفوري، ليضع عليها ختم الجمعية بعد ذلك، وطالبهم بالمغادرة والعودة في المساء للحصول على المبلغ النقدي.

 

انصرفنا جميعا ولكن وقفت سيدة تدعى"أم عماد" لتأخذ كارت فارغا من أحد المندوبين، أخفت عنه أنها انتخبت، علمنا بعد ذلك أنها ستتحايل عليهم بطريقة ما لتحصل على المبلغ النقدي مرتين.

 

تقول "أم عماد" إنها ستضع ماء ساخن على أصابعها للتخلص من آثار الحبر الفسفوري، ثم تذهب مرة أخرى إلى اللجان وتصبغ أصابعها من أي من النساء اللاتي أدلين بأصواتهن، ولايزال الحبر رطبًا، وذلك عن طريق وضع "الصباع" المصبوغ بالحبر في فمها ثم خلطه بأصابعها هي.

 

وبعد أن تصبغ أصابعها تطبع الحبر على "الكارت" وتملأ بياناتها، ثم تعطيه لمندوب آخر يتبع أي جهة أخرى، وتظفر بالمبلغ من كلاهما، وتقول أم عماد وهي تضحك: "ربنا يكتر المغفلين".

 

وبينما تواصل "أم عماد" الحديث عن خطتها لخداع المندوبين، صادفنا زحام أمام إحدى مكاتب التموين، ولما اقتربنا وجدنا نساء يتزاحمنحول رجل يوزع نقود.

 

فضول "أم عماد" قادها لتسأل من يوزع النقود ولماذا؟

 

أجابتها إحداهن "بتاع التموين عشان الانتخابات، اللي تنتخب تديله الكارت هيديها الفلوس"، في تلك اللحظة شعرت أم عماد بالخيبة، فهؤلاء النسوة يتقاضين النقود في التو واللحظة، أما هي فعليها الانتظار للمساء.

تمتت بغضب: حاجة تقرف.. حتى الملاليم بناخدها بالتقسيط بعد المذلة.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان