رئيس التحرير: عادل صبري 11:02 صباحاً | الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 م | 02 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

يوميات سيناوى .. تحت خط النار

بعد بدء العملية الشاملة

يوميات سيناوى .. تحت خط النار

آيات قطامش 25 فبراير 2018 09:09

 أكثر من 12 يوماً مرت تغيرت فيها الكثير من الطقوس اليومية للمواطن السيناوى مع إعلان بدء العملية الشاملة للقوات المسلحة فى سيناء لتطهيرها من الإرهاب .

                

ترصد (مصر العربية)  يوميات مواطنو سيناء ممن يعيشون تحت خط النار عبر قصص يرويها قاطنوها في هذا التقرير 

                       

 

فى صباح الجمعة 9 فبراير.. استقيظ سكان سيناء فى الساعات الأولى على بيان للقوات المسلحة، ليس ككل ما سبقه من بيانات يبدو أن الأمر تلك المرة خطير جدا، التفت أسر حول شاشات التلفاز تتابعه باكتراث، والبعض الآخر شاهده عبر مواقع التواصل الاجتماعى.

 

 

مشاعر مُختلطة انتابتهم ما بين تخوفات مما ستلقيه تلك الأحداث  عليهم من ظلال، مع إعلان رفع حالة التأهب القصوى، وغلق الطرق والمعديات مروراً بتوقف الدراسة لأجل غير مسمى، وفرحة عل تلك المرة تخلصهم من الإرهاب فى سيناء.

 

أستاذ جامعى.. آثر السلامة

 

وليد فهمى.. مُقيم في العريش، يتردد على القاهرة يومين كل أسبوع نظراً لطبيعة عمله كأستاذ في جامعة القاهرة، قرر أن يلتزم بيته فى العريش منذ بدء العملية الشاملة، ليكون إلى جوار زوجته وأسرته، فضلاً عن أن العبور من العريش للقاهرة لم يعد بالأمر اليسير كذى قبل -حسبما روي لنا-،نظراً للدواعى الأمنية التى تعيشها منطقتهم الآن،  والذى  يتطلب معه استخراج عدة تصاريح وتنسيقات أمنية، حتى يتثنى المرور داخل وخارج سيناء.

 

ولكنه في الوقت نفسه أكد أن هذا ليس السبب الرئيسي الذى جعله يفضل عدم التوجه لعمله تلك الفترة للقاهرة، إنما حالة الحرب التى يعيشوها تجعله يخشى ترك زوجته بمفردها تحسباً لأى تطورات قد تحدث.

 

(الخروج من البيت للضرورة القصوى).. بات هو الوضع السائد هنا؛ فليس (فهمى) وحده الذى آثر السلامة، فحركة المواصلات الداخلية شبه متوقفة، وقرار الخروج يكون لأمر هام إما لاستزادة البيت بمأونة من الطعام والشراب .. أو لسبب طارئ.

 

هنا بمنزل بسيط تعيش هي ورفيق عمرها وحدهما، فى عزبة الغطوس بالقنطرة شرق يحصلون على قوت يومهما اليوم بيومه، بعدما بات زوجها على المعاش فمصدر رزقهما يأتى من رعى الأغنام..

 

"احنا فى مأساة فوق ما تتخيليها".. بتلك العبارة بدأت فتحية، البالغة من العمر 55 عاماً حديثها، قائلة: اترك زوجى واذهب بالمعدية إلى البر الثانى لشراء كمية من البنزين للتروسيكل الذى نحضر به الطعام للغنم.

 

 إلا أن تلك المحاولة بائت بالفشل،فبعدما بات تداول الوقود ممنوعاً هنا حيث تقطن الحاجة فتحية،  قائلة: "قسماً بالله العظيم مش عايزين يسمحوا لى اعدى ازازة فيها لتر بنزين، وبيطلبوا منى ارجعها"، وتضيف:  من يجرؤعلى نقل جيركن يحوى 4 لتر من البنزين يتم سحبه منه على الفور وسكبه على الأرض".

 

(السوق السوداء وغلاء الأسعار).. بعد منع بيع الوقود بشكل رسمي، أخذ البعض ممن لديهم مخزون ببعيه فى سرية تامة بأضعاف أضعاف ثمنة مستغلين حاجة المواطنين هناك له، وهو ما جعل تسعيرة التوك توك تزيد عليهم، فتشير فتحية أن المسافة التى تقطعها الآن من بيتها إلى المعدية بالتوك توك تكلفها 8 جنيهات، فى الوقت الذى كانت لا تدفع أكثر من 3 جنيهاً ، فضلاً عن أن أفران الخبز باتت لا تتمكن من خبز الحصة كاملة من الدقيق، نظراً لنفاذ الوقود المتستخدم لعمل  تلك   الأفران .

"احنا انهارده لنا أكتر من 2 1 يوم واحنا مأسورين كأننا عايشين فى إسرائيل، لا ميه تسقى الأراضى ولا بنزين للمعدات اللى بنتحرك بها نجيب بها شوية برسيم لغنمنا وبهايمنا وملناش مصدر رزق".. هذا ما جاء على لسانها وهى تحاول نقل المشهد هناك.

 

واستكملت:"احنا مع الجيش والشرطة، بس يدونا الأمان اننا نعدى بالحاجة عندى شوية غنم هم دول حسنتنا، وكل ما نروح نجيب لهم برسيم يقولوا لنا ممنوع .. قسماً بالله العظيم يا بنتى من أول شهر اتنين، ما جبتلهم برسيم واى حد من الجيران عنده ممكن يدينا لحد ما تفرج".

 

                                                                                 

 

لم يخل من ذاكرة السيناوية هناك، وأصحاب المحال مشهد الطوابير المُمتدة، وتكالب المواطنين على السلع بمجرد الانتهاء من بيان القوات المسلحة الأول عقب الإعلان عن بدء العملية الشاملة، فكل واحد منهم حاول تخزين أكبر كمية ممكنة من السلع التموينية ببيته فى ظل المجهول الذى تحمله لهم الأيام التالية.

 

وبينما استغل عدداً من التجار للأزمة ورفعوا الأسعار، البعض الآخر أعلى شعار أنهم فى أزمة وأسعارهم ثابتة.

 

بينما قررت أسر التزام بيتها .. هناك من قرر الرحيل، خوفاً من القصف وفضلوا الاستقرار بأطفالهم بمنأى عن المناطق ذات الأحداث المتوترة، أخبرنا أحدهم ممن فضل عدم ذكر اسمه ويقطن بالقنطرة، أنه يشاهد يومياً ما لا يقل عن 30 سيارة تقل عائلات ترحل من هنا، عبر المعديات.

 

وهو ما أكدته الحاجة فتحية مشيرة إلى أقارب لها ايضاً كانوا من بين من رحلوا بعد بدأ العملية الشاملة، قائلة "خايفين من البهدلة" ، فباتت كثير من البيوت خاوية على عروشها، وتوقفت بها الحياة وخيم السكون جنبات المنزل.

 

مع دقات الحادية عشر ليلاً؛ يلتف الأقارب حول الهاتف الخلوى، للاطمئنان على الأهل والأحباب، فمنذ انقطاع الاتصالات بات التواصل شبه مستحيلاً أو متقطعاً ، إلا أن شبكات الهاتف تتلاقى فى تلك الساعة كثيراً من الأحيان، والبعض الآخر اتفقوا فيما بينهم على ترك رسائل عبر صفحاتهم سريعة بمجرد اتصال الشبكة تحمل عبارات مثل :  ( إحنا بخير .. كله تمام.. فى مشكلة كذا .. ) ، لتكون آلية تواصل أخرى تتيح للطرف الآخر معرفة الأخبار.

 

أهل الخير

ما إن توقفت المعديات وتقطعت السبل بالبعض، ووجود عالقين على الطرق، لم يتردد أحمد سالم، البالغ من العمر 26، أن يدخل ليدون عبر صفحته، أن بيته سيكون تحت أمر وخدمة العالقين، طالباً منهم الاتصال على هاتفه فقط وهو سينسق لهم كل شئ.

 

فكان بيته ملجأ لأسرة تحركت من العريش للتوجه إلى القاهرة، لعلاج إحدى أفرادها، إلا إنهم وجدوا أنفسهم عالقين فى القنطرة شرق، حيث صدر قرراً بوقف المعديات وغلق الطرق، ليجدوا بيت سالم مفتوحاً لهم قضوا فيه ليلتهم بدلاً من العراء، لحين فتحت المعديات.

ويروى سالم حالهم مع بدء العملية الشاملة ويومه، قائلاً: لم اتمكن من التوجه لعملى حيث توقفت وسائل المواصلات، ولم أعد أجد ما يقلنى لمقر عملى، لافتاً إلى أنه يعمل مهندساً بالمساحة، خاصة أن الطريق لم يعد آمناً بسبب المواجهات، ورغم أن هذا الوضع خارج عن إرادته إلا إنه لا يعلم إن كانت ستكون فترة انقطاعه هذه عن العمل ستكون بمقابل أم لا.

 

ومن ناحية أخرى؛ لفت إلى أنه حين يفكر فى التنقل للبر الغربى عبر المعدية ينتظر فى طابور لا يرى أوله، نظراً لبطئ الاجراءات حسبما يرى وتفتيش كل فرد بشكل يدوى .

 

وعلق على أخبار التليفزيون المصرى التى تفيد عدم غلق محطات الوقود، قائلاً: هذا الكلام عار تماماً من الصحة . 

 

وبالنسبة لمؤنة البيت؛ لفت إلى أنهم كبدو يعتمدوا على تخزين شكائر سواء دقيق لعمل الخبز أو غير ذلك إلا أن هذا المخزون سيوشك على النفاذ خلال أسبوع.

 

الصورة وعكسها

بات مشهدين متضادين يسيطر على المدينة إما شوارع خالية تماماً، أو تقع عينك على ازدحام وتكدس لمواطنو سيناوين، ولا يصعب عليك معرفة ما يتزاحمون عليه فإما تجد كراتين تتقافز من شخص لآخر توزعها عربة خاصة بالجيش، تحوى سمنة و2 كيلو دقيق وعدس ومربة وشاى وسكر وأرز".. ولكن الكمية لا تكفى السكان، حسبما اخبرنا سالم والحاجة فتحية.

 

تارة أخرى  يكون الزحام على سيارات الأنابيب التى تباع  بـ 30 جنيهاً فى حين ثمنها فى السوق السوداء تجاوز الـ 60 جنيهاً بعدما بات الحصول عليه من المستحيلات، وشحت فى السوق، حسبما يروى السكان هناك.

                                                                                                                

 

تهديد مفاجئ بالإزالة

60 ألف نسمة أضحت منازلهم مهددة بالازالة بين عشية وضحاها.. هكذا تابع سالم حديثه لافتاً إلى أن هيئة السكة الحديد تُصر تلك الأيام تحديداً على إصدار أمر ادارى بإزالة منازل فى القنطرة شرق يعود عمرها لحرب 73، فى إشارة إلى أن تلك الأرض تابعة لها.

 

ولفت إلى  أن له بيتاً يقع فى حيز هذه المنطقة، وأنه  بات مهدداً بالاخلاء والازالة رغم امتلاكه سندات ملكية، وايصالات غاز وكهرباء، متسائلاً: لماذا بعد كل هذا العمر تفكر الدولة فى نزع تلك المنازل منهم؟!.

 

فى مشهد آخر،  أطلق العديد رسائل استغاثة نفاذ الطعام عن  عدداً كبيراً من عمال مصنع الأسمنت،وهو ما أكده أيضاً سالم لافتاً إلى أن الاتصالات منقطعة بهم، فضلاً عن أنهم لا يستطيعوا الخروج من المصنع لصعوبة التنقل خارجه فى تلك الأوضاع التى تمر بها سيناء.

"يومنا هنا بقى زى السجن.. ومع ده نتمنى سيناء ترجع زى الأول " .. بتلك الجملة اختتم سالم حديثه واصفاً ما يمرون به تلك الأيام، التى لا يتخللها سوى صوت طائرات الجيش.

 

طلبة المدارس والجامعات 

طلاب الجامعات والمدارس هناك ليس وضعهم كباق محافظات الجمهورية، فهنا هم يعلمون أنهم يعيشون فيما يشبه حالة حرب، فيعتمدوا على استذكار دروسهم أنفسهم بأنفسهم لحين انفراج الأزمة، تحت أصوات الطائرات التى تمر بين الحين والآخر.

 

ورغم كل ما يعانيه الأهالى هناك، إلا إنهم أكدوا أنهم يتمنوا فى نهاية المطاف القضاء على الإرهاب مع مراعاتهم إنسانياً ووضع حاجتهم الأساسية فى الاعتبار، فى حين أشار أحدهم - رفض ذكر اسمه- أنه يتوقع ما يحدث فى سيناء الآن ليس لمواجهة الارهاب، وإنما لتطفيش الأهالى ضمن صفقة القرن، لتفريغ نصف سيناء.

 

ولفت إلى أن بعض ما يعرض من خلال بيانات الجيش ليس لمواد متفجرة، وإنما لمواد خاصة بالزراعة، قائلاً: أنا عندى أرض وعارف، وتابع : السيدة التى هدم منزلها فى الشيخ زويد ونشرت فيديو  تتحدث عما آل بها وببيتها،  القى القبض عليها وهى الآن أمام المحاكم العسكرية.

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان