رئيس التحرير: عادل صبري 11:53 صباحاً | الاثنين 19 نوفمبر 2018 م | 10 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

مواطنون «بدون» في مصر.. أول مخاطر «إسقاط الجنسية» 

مواطنون «بدون» في مصر.. أول مخاطر «إسقاط الجنسية» 

الحياة السياسية

الباسبور المصري

مواطنون «بدون» في مصر.. أول مخاطر «إسقاط الجنسية» 

أحلام حسنين  24 سبتمبر 2017 10:29

لاتزال حالة من الجدل تدور حول تعديلات قانون الجنسية المصرية، الذي وافق عليه مجلس الوزراء، ما بين مؤيدين لها باعتبارها عقاب رادع للإرهابيين، وآخرين رافضين لهذه التعديلات حيث يرونها مخالفة للدستور وتستهدف مطاردة المعارضين للنظام.

 

ووافق مجلس الوزراء المصري، الأربعاء الماضي، على مشروع قانون ينص على تعديل قانون الجنسية المصرية، بما يتيح سحبها ممن يثبت انضمامه إلى تنظيمات أو جماعات "تهدف إلى المساس بالنظام العام للدولة."

 

وأفاد مجلس الوزراء في بيان: "يتضمن التعديل إضافة حالة جديدة لسحب الجنسية المصرية تتعلق بكل من صدر حكم قضائي يثبت انضمامه إلى أي جماعة أو جمعية أو جهة أو منظمة أو عصابة أو أي كيان، أياً كانت طبيعته أو شكله القانوني أو الفعلي، سواءً كان مقرها داخل البلاد أو خارجها، وتهدف إلى المساس بالنظام العام للدولة، أو تقويض النظام الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي لها بالقوة، أو بأية وسيلة من الوسائل غير المشروعة."

 

وذهب متخصصون إلى أن هذه التعديلات ستخلق ظاهرة "بدون" المنتشرة في دول الخليج، محذرين من مخاطرها على المجتمع من حيث فقدان الانتماء للوطن وازدياد أعداد المتطرفين.

 

الـ "بدون" من هم


والـ "بدون" هم الأشخاص الذين لا يملكون جنسية ويعيشون بلا هوية، ولا تعترف بهم الدولة التي يقيمون على أرضها، وليس لهم أية حقوق في التعليم أو الصحة أو الزواج أو أية دفاتر رسمية.

وتنتشر الـ "بدون" في الدول العربية وتأتي في المرتبة الأولى سوريا حيث يوجد فيها نحو 160 ألف شخص، وتليها العراق بنسبة 120 ألف شخص، ثم الكويت بنسبة 93 ألف، وتأتي السعودية في المرحلة الرابعة بنسبة 70 ألف شخص، حسبما ذكر تحقيق استقصائي بعنوان "بدون سيناء وشلاتين" أعده برنامج السلطة الخامسة المذاع على قناة "دويتش فيلة".

 

"بدون" مصر

 

وبالنسبة لمصر فبحسب التحقيق الاستقصائي فإن هناك أكثر من ألفي شخص من قبيلة العزازمة يعيشون في سيناء على الحدود مع إسرائيل "بدون"، وكذلك يوجد 3 قبائل آخرين "بدون" يعيشون في "شلاتين"، أي أنهم لا يملكون جنسية وليس لهم أية حقوق في الدولة.

 

وترجع قصة "العزازمة" إلى بنكسة 1967، فبعد أن احتلت إسرائيل سيناء قسمت العرب في فلسطين وسيناء إلى قسمين، قسم فرضت عليهم الجنسية الإسرائيلية، وهم العرب الذين كانت مساكنهم في حدود الكيان الإسرائيلي قبل عام 1967، وآخر وهم العرب الذين كانت مساكنهم خارج الكيان لم تعطهم جنسيتها، منهم الـ"عزازمة"، الذين ظلوا في سيناء، وبقي أبناء القبيلة لا يحملون جنسيات حتى الأن.

 

وتلاحق القبيلة اتهامات بالخيانة والعمالة لصالح إسرائيل، إلا أنهم دائما يصرحون بولائهم لمصر، حتى أن عناصر إرهابية استهدفت شيخ القبيلة سالم سويلم عقابا على مساعدته للدولة في مطاردة الإرهابيين، ورغم وعد المسؤولين بالحكومة لأهل القبيلة بحل مشاكلة الجنسية، إلا أنها لم تمنحهم إياها حتى الآن.

 

وتحدث الكاتب الصحفي حمدي رزق، خلال مقاله له بجريدة المصري اليوم بعنوان "مصر لم تعرف أبدا البدون"، عن خطورة تعديلات قانون الجنسية المقدمة من مجلس الوزراء وتأثيرها على أسر "بدون".

 

وقال رزق إن هذه التعديلات تتصادم مع الدستور تماماً، وتطلق يد الحكومة في إسقاط وسحب الجنسية بناء على أحكام قضائية في جرائم أخرى، وهي عقوبة إضافية لم يقل بها القاضي ولم ينظرها، وتمتد آثارها المروعة إلى الأسرة، أولاد "البدون"، واصفا ذلك بقوله "وفى هذا بلاء عظيم".

 

معاناة "بدون الخليج"

 

ويعاني "البدون" في المجتمعات التي يتواجدن فيها من مشاكل عديدة نظرا لحرمانهم من الحق في التعليم والصحة وأية أوراق رسمية، لذلك تعكف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين على محاولات لإعطاء الجنسية للبدون وتشجيع الدول على التوقيع على الاتفاقيات الخاصة بخفض أعدادهم، وتونس فقط هي من وقعت على هذه الاتفاقية.

وأمس الأول الخميس أضرم شاب من البدون في الكويت، النار في جسده، في محاولة انتحار فشلت بعد أن نجح رجال الأمن في إطفاء النيران وإسعافه للمستشفى، لمروره بحالة اكتئاب شديدة نتيجة الظروف القاسية التي يواجهها "البدون"، بحسب ما تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

وكذلك تعاني فئة البدون في السعودية من عدم القدرة على العلاج في المستشفيات الخاصة والحكومية، وعدم قبول أبنائهم في المدارس الحكومية، وحرمانهم من التنقل بين المدن بدون هوية، وأغلب البدون هناك لا يمكنهم ركوب طائرة، ولا يمكنهم فتح حساب بنكي أو امتلاك منزل أو شركة، ويضطر البدون إلى تسجيل ممتلكاتهم بأسماء أصدقائهم أو شركاء سعوديين.

وكشف تقرير للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، أن كل 10 دقائق يولد طفل جديد في العالم من فئة عديمي الجنسية، وقالت المفوضية: إن "ما لا يقل عن 70 ألف طفل عديم الجنسية يولدون سنوياً في 20 بلداً، أنه يوجد 10 ملايين شخص على الأقل في العالم لا يملكون الجنسية".

 

وفي تقريرها حول التأثيرات السلبية لانعدام الجنسية على الأطفال، ذكرت المفوضية أن الأطفال كافة تقريباً يشعرون بالتمييز وخيبة الأمل واليأس، وأنهم بلا قيمة، غرباء، متروكين مثل كلب ضال، يعيشون تحت ظل شخص آخر".

 

وبين التقرير أن الأشخاص عديمي الجنسية يواجهون عقبات لا يمكن تجاوزها في مجالات التعليم والصحة وفرص العمل في الدول التي يقيمون فيها، وأن انعدام الجنسية تسبب في دمار نفسي للأطفال والشباب والعائلات.

 

مخاطر "إسقاط الجنسية"

 

وفي هذا الصدد أكد ناجح إبراهيم، خبير شؤون الجماعات الإسلامية والقيادي السابق بالجماعة الإسلامية، أن تعديلات قانون الجنسية شديدة الضرر بالمجتمع، وسيكون لها تأثير كبير في خلق فئات "بدون" في مصر، وما لها من أضرار تمس انعدام الهوية وفقدان الانتماء للوطن.

 

وأوضح إبراهيم لـ "مصر العربية" أنه حال تطبيق هذه التعديلات ستجعل الكثير من الشباب الذي كان ينتمي إلى جماعات إسلامية مثل تنظيم جماعة الإخوان المسلمين أو غيرها ثم خرج عنها يفقد الأمل في أن يحتضنه الوطن ويقبل به.

 

ورأى أن هذه التعديلات غير عقلانية، لأنه جماعة مثل الإخوان بها نحو ما يقرب من النصف مليون شخص، حين يتم سحب الجنسية ممن انضموا إليها في الشباب ثم تركوها سيخلق لديهم شعور بفقدان الانتماء للوطن، لأنه سيلحق بهم وبأسرهم الضرر، وهو ما يدفعهم للانضمام للجماعات الإرهابية.

 

ونوه إبراهيم إلى أنه قد يتم استغلال النفوذ والرشاوى سواء في السحب أو منع سحب الجنسية، ويأذي أشخاص كثيرة لم ترتكب أعمال إرهابية ولم تضر الوطن في شيء.

 

واعتبر أن هذه التعديلات باب جديد للإضرار بالحريات العامة، حيث يمكن استخدمها بشكل سيئ بتطويعها سياسيا ومحاسبة الناس على أساس الولاء السياسي وليس القانوني، لافتا إلى أنه لم يحدث هذا في أي عهد مضى، مختتما حديثه قائلا "لا تستحدثوا قوانين غير موجودة في العالم أجمع".

 

واتفق معه أحمد دراج، أستاذ العلوم السياسية، والذي رأى أن إسقاط الجنسية عن أشخاص من أبوين مصريين سيكون أكثر شمولا وخطرا على المجتمع من حالات "البدون" الموجودة في الخليج، وسيكون له انعكاسات وتأثيرات سلبية على الانتماء للوطن وازدياد أعداد الإرهابيين.

 

وأشار دراج إلى أنه يوجد في مصر نوعين من الجنسية، الأولى بالمولد والدم والأخرى مكتسبة عن طريق الزواج أو الاستثمار، وهذا النوع الثاني النظم الشمولية تمنح لنفسها حق سحب الجنسية منهم، لكن سحبها من صاحب الجنسية الأصلية مستحيلة.

 

وتنص المادة 6 من الدستور "الجنسية حق لمن يولد لأب مصري أو لأم مصرية، والاعتراف القانوني به ومنحه أوراقاً رسمية تثبت بياناته الشخصية، حق يكفله القانون وينظمه، ويحدد القانون شروط اكتساب الجنسية".

 

وأردف دراج أن الجنسية من الحقوق الشخصية اللصيقة بالمواطن، وذلك بنص المادة (92) من الدستور: الحقوق والحريات اللصيقة بشخص المواطن لا تقبل تعطيلاً ولا انتقاصاً، ولا يجوز لأى قانون ينظم ممارسة الحقوق والحريات أن يقيدها بما يمس أصلها وجوهرها.

 

وحذر من أن كل شخص يشعر أن ليس لديه أي حق في بلده لا تعليم ولا صحة ولا زواج فهذا خطر على المجتمع، معتبرا أن الهدف من هذه التعديلات هو محاربة المعارضين السياسيين وأصحاب الرأي وليس الإرهابيين، لأن الإرهابي لا يهمه الجنسية في شيء.

 

بينما رأى سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، أن هذه التعديلات لها جانبين أحدهما إيجابي وهو تقييد الإرهابيين وردعهم، وأخر سلبي يؤثر على أسر من تسقط عنهم الجنسية.

وأوضح أن الإرهابي لا يفرق معه الجنسية، أما أسرته فإذا كانت متطرفة من الأساس فلن تتأثر بإسقاط جنسيته، إما إذا كانت لا تؤمن بأفكاره المتطرفة فيكون هناك نوعا من الحصار عليها، وستعاني كثيرا من نظرة المجتمع لها على أنهم خائنين وإرهابيين لطالما سقطت عن أحد أفرادها الجنسية المصرية.

 

وأضاف صادق أن قرار إسقاط الجنسية يعد إخلال بالشرف، والمجتمع المصري لديه ثقافة العار، بمعنى أنه إذا ارتكب أحد الأفراد جريمة فيلحق العار بعائلته بأجمعها، ومن ثم يبتعد عنها الناس ويرفضون حتى الزواج من أبنائهم وبناتهم.

 

وتابع:" هذه النقطة قد تكون ورقة ضغط على الإرهابيين، بمعنى أنهم سيخشون على إلحاق العار والضرر بأسرهم، وبالتالي يتراجعون عن أفعالهم، أو تزيدهم إصرارا على ارتكاب أعمال إرهابية ضد الدولة ".

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان