رئيس التحرير: عادل صبري 04:37 مساءً | الأربعاء 21 نوفمبر 2018 م | 12 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

النساء يتوسلن الشفاعة على عتبات أم المساكين

النساء يتوسلن الشفاعة على عتبات أم المساكين

الحياة السياسية

جانب من داخل ضريح السيدة زينب

مشاهد من مولد السيدة زينب..

النساء يتوسلن الشفاعة على عتبات أم المساكين

سارة نور 26 أبريل 2017 00:00

على أعتابها اصطف الواقفون، يتزاحمون حاملين أشواقهم إلى صاحبة المقام، غير أن بابها هذه المرة أوصد في وجوه من جاؤوا من أدنى البلاد وأقصاها، يلتفتون قلقين حائرين بحثا عن باب آخر.

 

دقائق معدودات مرت عليهم كدهر.. انفتح الباب، كوجه أم رؤوم تبتسم في ترحيب، فتهللت أسارير النسوة الواقفات بعضهن أطلقن الزغاريد، وهتفت أخريات:"مدد يا ستنا مدد ..مدد يا ماما مدد"، اندفعن جميعا نحو الباب كل منهن تحاول أن تؤمن لنفسها موطىء قدم في الزحام.

 

 

حملت الأمهات الصغار فوق أكتافهن، بينما قررت الشابات أن يتركن أنفسهن للأشواق تحملهن إلى رحاب أم المساكين بنت بنت رسول الله، السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب في يوم مولدها.

 

 

في ساحة صغيرة تسبق المقام بأمتار قليلة، تتجمع النسوة في جماعات صغيرة تربطهن الجغرافيا أو العائلة، كل منها تتخذ مجلسا من أركان الساحة الأربعة، يأكلن ويتسامرن بينما تأخذ أخريات حظهن من النوم تعويضا لساعات الليل التي انقضت في الوصول إلى رحاب أم العواجز.

 

 

يتوسط هذه الساحة مقام لأحد الصالحين، تصلي إحدى النساء ركعتين أمامه، بينما تتوكأ امرأة خمسينية في جلباب بسيط على أعمدة المقام تبكي في خشوع راجية الشفاعة، في الوقت الذي تحاول فيه بقية النسوة الوصول إلى مقام عقيلة بني هاشم.

 

 

الوصول صعب والانتظار أصعب، لا خيارات هنا، تصيح إحداهن:"اسعوا اسعوا" قبل أن تقرر دفع النساء اللاتي أمامها بعنف، فتهتز جموعهن مضطرات إلى السير سريعا وإلا تساقطن الواحدة تلو الأخرى.

 

 

في حرم المقام الذي تزين بأقمشة التل البيضاء تتخللها ورود ملونة بالأخضر والأحمر كأنه عروس في ليلة زفافها، يقف النسوة مبتهلات يرجون الطاهرة الشفاعة لهم لدى ربها، تمسك إحداهن بالجدار الخشبي القريب من المقام، ترخي رأسها على ذراعها متمتمة في خشوع، بينما يتعالى أنين المتعبات.

 

في الوقت ذاته تخرج امرأة خمسينية من جيب جلبابها الريفي صورة صغيرة جدا لقريب لها، متوسلة النسوة بينما تملأ الدموع عينيها الغائرتين للسماح لها بالوقوف قريبا من المقام حتى تستطيع لمس أعمدته النحاسية، لترجو أم اليتامى أن ترعى الفتى.

 

 

مدد يا ماما مدد، مدد يا ستنا، تردد سيدة ثلاثينية ثم تصمت قليلا، مغمضة عينيها بينما تسري رجفة في أوصالها تنتهي سريعا فتفتح عينيها على صراخ يقطع جلال المشهد الروحاني بسبب صراع النسوة على لمس أعمدة المقام لتحل البركة عليهن ،فتصيح إحداهن "اللي زارت تمشي و توسع لغيرها".

 

 

وبينما تبكي طفلة صغيرة مذعورة بعد أن أحمر وجهها الصغير وكادت أن تختنق من الزحام تهدئها أمها، غير أن طفلة أخرى تجلس على كتف أمها تخشى الوقوع أرضا فتدخل في نوبة بكاء لا تهدأ حتى تخرج من حرم المقام الذي لا يزيد عن متر عرضا ونحو ثلاثة أمتار طول.

 

 

يرحب الرجال بالنساء الذين لا يفصل بينهم سوى حاجز خشبي مصنوع من الأرابيسك، بإلقاء الحلوى فتتلقفها الواقفات، وتسألن في لهفة إحدى القائمات على الخدمة ترتدي خمارا أخضر وعباءة سوداء، أن تمنحهن شربة ماء من وعاء كبير تحمله، تعتقدن أن مياهه مباركة.

 

 

تمد المرأة ذات الخمار الأخضر أكوابا صغيرة من هذه المياه إلى بعض النساء وتعد الأخريات بمزيد من المياه المباركة وهي تخرج من حرم المقام بعد أن نفد وعائها، غير أنها ترمق النساء الجالسات في أخر حرم المقام بنظرة غضب لمكوثهن طويلا، بينما لا تستطيع الزائرات الوقوف من الزحام.

 

 

على يسار حرم المقام من الخارج، تدق بعض النسوة على الدفوف مبتهجات بمولد السيدة زينب في الليلة الكبيرة، بينما تتمايل امرأة ستينية في ثوبها الريفي البسيط يمينا و يسارا على أنغام الطبول، تسكت العازفات فتحثهن على الدق مجددا "ذكروا ذكروا".

 

 

يقطع رقصها الصوفي سؤال فتاة صغيرة عن أسباب زغاريد النساء الواقفات في حرم المقام، تجيبها بلهجة صعيدية"فرحانين يا بتي"، بينما تترقبها فتاة عشرينية تقف على الجانب الآخر في صمت لتنتهز فرصة توقفها عن الرقص لتسألها الدعاء لها.

 

 

تنتبه العجوز التي جاءت من سوهاج إلى الشابة القاهرية، تنظر إليها مليا ثم تدعو لها بصوت مسموع :"روحي يا بتي لا اللي وراكي يلزك ولا اللي قدامك يشنجلك ويعليكي على من يعاديكي"، تتجمع الدموع في عيني الفتاة فتحتضن المرأة بشدة.

 

 

تخرج الشابة القاهرية مع النسوة تاركات حرم أم العزائم على غير رغبتهن إلى أخريات حملن أوزارهن وأوجاعهن يرجون شفاعة وراحة لا يجدنها في معترك الحياة اليومية.

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان