رئيس التحرير: عادل صبري 10:03 مساءً | الاثنين 10 ديسمبر 2018 م | 01 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

24 سنة خدمة| عم عبده حارس «النبلاء».. «أمي بدرجة مرشد»

24 سنة خدمة| عم عبده حارس «النبلاء».. «أمي بدرجة مرشد»

أحلام حسنين 02 مارس 2017 10:37

بابتسامة أبرزت أسنانه المضيئة من بشرته السمراء، استقبل جمعًا من الزائرين المصريين، نهض من مقعده داخل مقبرة في حضن الجبل، نفض التراب عن جلبابه وعدل هندامه وعمامته، وراح يتجول بهم بين "مقابر النبلاء"، ليقص عليهم قصص هؤلاء الملوك والأمراء وإن كان ذلك سيعرضه للجزاء.

 

 

قبل 24 عاما تسلم "عبده حسين"، حراسة "مقابر النبلاء"، هكذا باتت مهمته منذ تعيينه بهيئة الآثار، ولما رأى مصريين يأتون من شتى المحافظات ليشاهدوا آثار أجدادهم الفراعنة، ويصعب عليهم فهم تلك النقوش المحفورة على المقابر، زاد على نفسه مهمة أخرى بأن يكون لهم مرشدًا، تشجيعًا لهم لمعرفة تاريخ بلادهم.

 

 

من مقبرة لأخرى يصطحب عم عبده الزائرين، يشرح لهم النقوش المحفورة على الجدران وقصة كل ملك أو أمير كان يرقد جثمانه هنا قبل نقله للمتاحف، ينصت إليه الجميع في شغف لقصص بطولات هؤلاء، وكلما سأله أي أحد عن معلومة زاده منها، فتظن أنه عاش عمره بين دراسة تاريخ الفراعنة، وفي الحقيقة بالكاد يكتب اسمه.

 

 

على سفح الجبل بالجانب الغربي لنيل أسوان تقبع مقابر النبلاء، التي تضم 50 مقبرة لرفات حكام وأمراء أسوان، خلال عصري الدولة القديمة والوسطى، 5 منهم فقط مفتوحة للزائرين، ويخضع البقية لبحث وترميم البعثات الأجنبية، مر عليهم "عبده" فألقى التحية وبادلوه السلام، فهو من يبيت ليلته بين صناديق الرفات الذي يعثرون عليه ليحرسه.

 

حين تسمع لقصص عم عبده عن الملوك والأمراء بلباقة ولغة عربية فصحى يمزجها ببعض الكلمات البسيطة التي يهمس بها إلى الأطفال المرافقين لذويهم فيسردها وكأنها "حكاية"، وتنظر إلى بساطة هيئته يختلط عليك أمره، فيوضح بابتسامة عزباء تكسبه قلوب الزائرين"أنا غفير هنا..صحيح جاهل بس سمعت الكلام ده من الكبار وخزنته في دماغي".

 

عند دخول المقبرة تجد حجرة مظلمة يسكنها في كل ركن عمود ويتوسط عمودين حجر كبير يستند على ثلاثة ألواح أخرى عليه صور ونقوش منحوتة بدت غريبة، لفتت انتباه إحدى الزائرات فسألت عم عبده، فأخبرها أنه "مدبح" يقدم عليه القرابين، وراح يسرد حكاية الأمير "ميخو" وابنه "سابني" صاحب المقبرة.

 

على الجانب الأيمن من باب المقبرة تظهر صورة "ميخو"، من الأسرة السادسة،  فُقد في رحلة استكشافية إلى إفريقيا الاستوائية، أما "سابني" فأمر بنقش قصة مخاطرته لإنقاذ جثة أبيه ليحنطها على المقبرة، إيمانًا منه بقصة البعث والخلود، وبعدما انتهى من الشرح مال عم عبده إلى أحد الأطفال يطلب منه أن يعيد عليه ما سمعه ليتأكد من فهمه لما رواه .

 

 

انتهت الجولة وقبل أن يرحل الزائرون طلبوا التقاط صور للذكرى مع عم عبده "الرجل الطيب" أو هكذا وصفوه، فضحك ورسم ابتسامة ذابت فيها التجاعيد التي خطها الزمن على وجهه، وبعدما انصرفوا عاد إلى مقعده في حضن الجبل الذي بات أنيسه فيه يأكل ويشرب ويقضي نهاره ويبيت ليلته، ويفضي إليه بهمومه .

 


 

 

جلس عم عبده على بطانية رثة افترشها لتقيه برودة الجو ليلا، متكئًا على ركبتيه واضعًا يده فوق جبينه،  اختفت البسمة التي لم تغب عن وجه طوال الجولة، لتعلم أن ما يبديه من ضحك ومزاح مع الزوار يخفي وراءه مشقة تجعله يتمنى أن يمضي العام الحالي والقادم سريعًا ليحال إلى المعاش.  

 

 

24 عاما من سنوات عمره الـ 58، قضاها عم عبده غفيرا بمقابر النبلاء، يخرج من منزله بمدينة كوم امبو الساعة 3 فجرًا ليصل إلى مقر حراسته الساعة 7 صباحا ويزيد مشقته ارتفاعها على مسافة عالية من الجبل، وفيها يقضي يومين ثم يعود في اليوم الثالث إلى منزله مرة أخرى، وهكذا استمرت حياته طيلة هذه الأعوام.

 

"مش عاوزة أقعد في الشغلانة دي متعبة"، ويضيف وهو يشير بأصابعه إلى بطانية ملقاة على الأرض عليها بوتجاز قديم متهالك بـ"عين واحدة"، وأدوات للشراب وطهي الطعام:"واكلين شاربين هنا، وبنام وسط الجثث والعضم اللي البعثة بطلعه، بس مبنخافش لازم نحافظ على آثار بلدنا".  

 

 

المشقة التي هدت عظام عم عبده وأكلت صحته وتركت آثارها على قسمات وجهه، تتبدل في لحظة إلى نشاط شاب عشريني حين يستشعر بوجود لصوص يعبثون حول مقابر "أغا خان"، فرغم أنها لا تخضع لحراسته، إلا أنه يحمل سلاحه ويهرول إليها لمساعدة حارسها في القبض عليهم.

 

"احنا سلعوة بالليل..محدش يقدر يقرب هنا أبدا، ان واحد نام التاني يصحى، لازم نفضل صاحين عشان محدش يجي ناحية الآثار"، ويستطرد عم محمد، أنه منذ شهرين ألقوا القبض على 4 لصوص كانوا ينبشون في مقابر الفاطميين وسلموهم للشرطة، مضيفًا: "شلت الجثث وكانت متحنطة وحطتها في المخازن ونمت وسطيهم".

 

 

هكذا تبدلت نبرات عم عبده من كلمات مثقلة بالهموم إلى حماسة وهو يتحدث عن حمايته للآثار:"أنا فخور ببلدي وبالمصريين اللي بيجيو يشوفوا الاثار"، ولهذا قرر أن يكون مرشدًا لهم بدون مقابل وإن كان الوقت الذي يقضيه في جولاته معهم عرضه للجزاء عدة مرات لاستغلال البعض غيابه و"الشخبطة" على الأثر ولكنها خدمة يقضيها "عشان ربنا".

 

ويضيف عم عبده "بشرح للناس عشان تعرف تاريخ أجدادنا، لقيت ناس كبيرة بتشرح فأنا سجلته في دماغي وبشرحه للمصريين اللي بيجو أول مرة"، فنظر نظرة إلى رفيقه في الحراسة على الجانب الآخر وقال ضاحكًا "أنا جاهل والله العظيم بكتب اسمي يدوب لكن عارف كل حاجة".

 

ويشير عم عبده إلى رفيقه الذي يراه لايزال حديثًا في المهنة مقارنة به ولكنه يكافح، ويروي أنّه أمسك بـ 6 أفراد كانوا يحفرون في مقابر "أغا خان"، وسلمهم للشرطة، حتى إن الوزير منحه شهادة تقدير على ذلك، وهو ما أثر في نفس عم عبد قائلا:"احنا كمان حارسين المفروض يدونا شهادة تقدير".

 

ولكن ما يغضب الحراس هنا في مقابر النبلاء أن اللصوص الذين يلقون القبض عليهم تفرج عنهم الحكومة لاحقًا، ويقول عم عبده: "نقبض عليهم بالليل وبعدين يخرجوا لأنهم مسنودين من الحكومة، بيصعب علينا يسبوهم كان المفروض يتعدموا ".

 

                                                    

 

                                              أحد العاملين في مقابر النبلاء

 

 

حين تسأله عما يتمناه قبل خروجه على المعاش يقول في بساطة "ياريت والله يدونا شهادة تقدير بعد السنين دي أو يرخصوا السكر، نفسي أكون مستريح".

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان