رئيس التحرير: عادل صبري 01:37 صباحاً | الأربعاء 12 ديسمبر 2018 م | 03 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

عطية الصيرفي.. سيرة عامل مشاغب

عطية الصيرفي.. سيرة عامل مشاغب

الحياة السياسية

المناضل العمالي الراحل عطية الصيرفي - أرشيفية

في ذكراه الخامسة..

عطية الصيرفي.. سيرة عامل مشاغب

سارة نور 10 يونيو 2016 20:09

"كان الوجود الفعال للطبقة العاملة هو العمود الفقري للوطنية المصرية تقوم على الديمقراطية والتعددية لذلك كانت مدرستي التي تعلمت فيها وعلمتني الحياة"، ربما كانت كلمات المناضل العمالي الراحل عطية الصيرفي التي ألهمت أجيالا من القيادات العمالية، هي أفضل ما يتحدث عنه في ذكرى رحيله الخامسة بعد مسيرة نضالية امتدت لأكثر من 60 عامًا.

 

لم يمر على تعينه ثلاثة عشر يومًا فقط في شركة اتحاد الأتوبيس "الفخراني" بوسط الدلتا حتى وقف للمرة الأولى في حياته أمام مدير مكتب العمل الذي بدا غاضبًا موجهًا إليه حديثه: لماذا شكوت الشركة؟ ليبادر العامل قائلا: "شكوت مثل زملائي دون أن أعرف شيئا عن الشكوى.

يوجه إليه مدير الشركة سؤالا بدا بديهيا في تلك اللحظة ،قائلا : متى تعينت ؟ ليرد العامل عطية الصيرفي - الذي أًصبح فيما بعد رائدا للحركة النقابية - : منذ ثلاثة عشر يوما ، فقال المدير في غيظ " سوف أفصلك " فقال له الأرزاق على الله يا سعادة البك ".

العرضحالجي

 

من هنا بدأت الحياة النقابية الحافلة للعامل المهمش عطية الصيرفي -كما كان يحب أن يطلق على نفسه – حيث يقول في الجزء الأول من سيرته الذاتية إن زملائه استقبلوه بعد هذه الواقعة استقبالا حارا ، ليحرر بعدها أول شكوى جماعية باسم العمال للحصول على إجازات على نفقتهم و ملابس للعمل، وكان وقتها أصغر العمال سنا ، فلم يكن بلغ حينها العشرين.

 

ارتبط  عم عطية  ارتباطا وثيقا  بالحركة النقابية  حتى أن الجزء الأول من سيرته الذاتية التي كتبها بنفسه لم يكن سوى تأريخ للحركة النقابية و تطورها ، التي أصر فيها على أن تعدد النقابات و استقلاليتها كانت أمرا بديهيا منذ ظهورها في القرن العشرين، فكل النقابات وقتها خرجت من رحم معاناة العمال و لم تكن إحداها مفروضة من الدولة .

 

عسكرة النقابات

 

لذلك لم يغفر الصيرفي للرئيس الراحل جمال عبد الناصر ما أسماه بعسكرة الحركة العمالية و النقابية ، ما أدى إلى تحويل الطبقة العاملة المصرية المنتجة و الثورية إلى مجرد قطيع و أشباه العبيد في ظل ثقافة الخوف و العسكرة ، بحسب ما أورده في سيرته الذاتية التي نشرت تحت عنوان " سيرة عامل مشاغب ".

 

 

“أعرفه منذ 40 سنة كان شغله الشاغل دائما أن يدافع عن حقوق العمال بأي وسيلة، فعرفوه بأنه منقذهم كان دائم المقاومة لم يتوان لحظة في الدفاع عن المظلومين و دفع الثمن غاليا " بهذه الكلمات يوضح القيادي العمالي صابر بركات لمصر العربية أبرز السمات التي ميزت أستاذه الصيرفي.

 

الصراحة المزعجة

 

يقول بركات إن أستاذه الذي حظى بصحبته فترة طويلة كان شديد البساطة بدرجة ملفتة للكثيرين لكنه أيضا كان صريحا بنفس الدرجة لا يهادن أحدا و لم يعرف الحسابات السياسية بدرجة أزعجت زملائه و جعلته يدخل في صراعات معهم ، لكنه كان صاحب شعبية مرعبة للأنظمة -على حد تعبيره-  حيث دخل الانتخابات المحلية و البرلمانية مرات عديدة عن مدينة ميت غمر . فكان يتم تزوير بعضها لضمان عدم فوزه .

 

دخل الصيرفي دائرة ما نسميه اليوم بإشكالية ارتباط العمل النقابي بالسياسي ، فكان عضوا بارزا في الحركة الشيوعية قبل ثورة 1952 و قياديا في حزب التجمع في السبعينات، لكن لم يؤثر هذا على جماهيريته في الأوساط العمالية حيث يؤكد بركات أن من الصعب أن يكون هناك عامل واعي لا يُدرك أن أصل الاضطهاد العمالي سببها الظروف السياسية.

من مرحلة الستينات التي أغلق فيها المجال العام  فلم  يمتلك  الصيرفي  سوى الشكوى إلى مرحلة السادات الذي فتح المجال العام شكليا  ، إذ أصبح الصيرفي قياديا بارزا في حزب التجمع  و وجد أن الوقت أَضحى مناسبا لطرح إعادة التعددية النقابية في المؤتمر العمالي الذي عقده ا لحزب في مايو 1979.

 

 

"المجانين أهم”

 

بحسب صابر فأن طرح الصيرفي لم يرق لزملائه على المنصة فسبوه و طردوه خارج المؤتمر وقتها كان صابر حاضرا و معه كمال عباس أخذوا في الدفاع عن استاذهم ولكن ثلاثتهم خرجوا بزفة شعارها " المجانين أهم "و من المفارقة أن كمال أبوعيطة كان أول من زفهم للخارج.

يقول صابر أن هذه من ضمن المواقف الطريفة التي لازال يُذكًر بها كمال أبو عيطة أول من أنشأ نقابة مستقلة في 2009 ، مشيرا إلى أن الصيرفي أصبح في عهد مبارك أكثر وضوحا في دعواه للحركة العمالية فبدأ يتحدث عن سيطرة الدولة على الحياة النقابية فكتب " نقابتنا في خدمة السلطان ".

أفكار الصيرفي حول استقلال النقابات و تعددها لم تلق رواجا لدى القيادات النقابية و العمالية حينها إلا لدى أربعة  أشخاص  فقط  و هم  المناضل العمالي الراحل طه سعد عثمان و كمال عباس المنسق العام لدار الخدمات النقابية حاليا و القيادي العمالي صابر بركات.

العامل المثقف

 وعلى الرغم من إن عم عطية  لم يحصل على شهادات علمية إلا  أنه استطاع أن يؤلف 20 كتابا كانوا حصيلة مسيرته النضالية  أرخ فيهم  للطبقة العاملة المصرية بما لها وما عليها،  لعل من أبرزهم " ملامح من تاريخنا النقابي و العمالي" و"عسكرية الحياة العمالية والنقابية" و"نقابتنا في خدمة السلطان".

 

 

يرجع القيادي العمالي رصانة لغة عم عطية إلى قضاء سنواته الأولى في كنف الأزهر و اجتهاده في تعليم نفسه و تثقيفها ، حيث كان يقضي ساعات طويلة في القراءة ، فتجده كان ينحت الألفاظ نحتا حتى تقف أمامه مبهورا و لذلك كان يعرف كيف يجعل شكاوي العمال موجعة و مؤثرة ،  على حد تعبيره .

 

الثمن

 

يقول بركات أن أستاذه ُأُعتقل في جميع العصور بسبب مواقفه ولم يحوز منصبا حكوميا ولم يخرج معاش على درجة مدير، حتى أنه لم يحصل على ما يستحقه من الحياة ذاتها فعاش فقيرا جدا،  وكان يستطيع  أن يعيش من كتبه لكن دور النشر لم تكن تريد وقتها الاصطدام مع الدولة فكان زملائه المؤمنين بأفكاره يطبعونها مشاركة بينهم.

 

 

 

صابر بركات القيادي العمالي المخضرم يرى أن أعظم درس تعلمه من أستاذه عرضحالجي العمال عطية الصيرفي أن تكون مواقفك دائما مستقيمة وتدافع عن حقوق العمال ولا تحيد عنها مهما كان الثمن .

 

 

رحل عم عطية الصيرفي مطلع يونيو 2011 عن عمر يناهز 85 عاما لم يحظ فيهم بعيش آمن لكنه ترك إرثا حافلا للأجيال النقابية المتعاقبة التي تخوض حاليا معركة الاستقلال النقابي التي مهد لها الصيرفي قبل 37 عاما، غير أن لا أحد يستطيع أن يحدد تماسك وصلابة موقف هذه القيادات في معركتها المرتقبة مع الدولة حول قانون المنظمات النقابية الذي يُعرض الأسبوع المقبل على مجلس النواب.


اقرأ أيضا: 


 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان