رئيس التحرير: عادل صبري 11:30 مساءً | السبت 20 أكتوبر 2018 م | 09 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

مسؤول سابق بـ"العمل الدولية": اتحاد عمال مصر حليف للأنظمة.. والنقابات في خطر

مسؤول سابق بـالعمل الدولية: اتحاد عمال مصر حليف للأنظمة.. والنقابات في خطر

الحياة السياسية

محمد طرابلسي مسؤول الأنشة السابق بمكتب منظمة العمل الدولية في مصر و شمال إفريقيا

الحكومة تعمل على خنق النقابات المستقلة

مسؤول سابق بـ"العمل الدولية": اتحاد عمال مصر حليف للأنظمة.. والنقابات في خطر

حوار: سارة نور 10 يونيو 2016 10:12

من المغالطات ربط الصعوبات الاقتصادية بالتعددية النقابية

 إخراج مصر من "القائمة السوادء"سابقًا كانت خطوة تشجيعية من المنظمة

دعوة الاتحاد العام للكونفيدرالية العمالية تذويب للنقابات المستقلة

الإجراءات الأخيرة للحكومة هدفها خنق النقابات المستقلة 

المنطقة العربية تتصدر بلدان العالم في انتهاك الحريات النقابية

عدم ثقة العالم في توفير المنطقة العربية لبيئة عمل مناسبة جعلها الأقل جذبا للاستثمارات

النقابات لا تسعى للسلطة لكنها تشارك في النضال الديمقراطي لمجتمعاتها

 لابد أن تدخل مصر عصر الحريات النقابية لأنه السبيل الوحيد لتحقيق السلام الاجتماعي

لا يوجد مبرر لتخلي النقابات عن استقلالها في ظل سياسات المجحفة للأنظمة العربية  

فرق شاسع بين اتحاد العمال في مصر وتونس فالأول ولد في كنف السلطة والآخر نشأ على فكرة الاستقلال

 

ثماني سنوات قضاها محمد الطرابلسي في القاهرة كمسؤول للأنشطة العمالية في مكتب منظمة العمل الدولي في مصر وشمال أفريقيا، عايش فيها الحركة النقابية والعمالية عن قرب قبل أن يغادرها في أبريل الماضي عائدًا إلى تونس.

 

وبصفته قياديا كبيرا في صفوف الحركة العمالية التونسية، استطاع تحليل الوضع النقابي في مصر ووضع يده على المشكلات العمالية الحقيقية، مؤكدًا أن الوضع النقابي في مصر ليس عاديًا، ولذلك فلا يمكن تقييمه طبقا للمعايير الدولية والأدوات العادية المتعارف عليها.

 

وأكد أن فقدان النقابات لحريتها واستقلاليتها من شأنه تعميق عدم التوازن في المجتمع وانحلال نسيجه الاجتماعي وتفقير القوى العاملة فيه بما يؤدي الى الاحتقان والتوتر والتأزم.

 

وحول أوجه التشابه بين اتحدا العمال في مصر وتونس، قال الطرابلسي إن الاتحاد العام لعمال مصر أنشئ بإرادة الدولة وبرغبة من أعلى هرم السلطة سنة 1956 فهناك ارتباط عضوي بالسلطة، على العكس في تونس ففكرة الاستقلالية هي التي شكلت السمة الرئيسية لهوية الاتحاد التونسي.

 

و إلى نص  الحوار..

 

تشارك مصر في مؤتمر منظمة العمل الدولية المنعقد حاليا  في جنيف وسط توقعات بعودة القاهرة للقائمة السوداء، فهل يمكن أن تعود مصر مجددا لهذه القائمة؟ و لماذا ؟

غرض منظمة العمل الدولية ليس التشهير وفرض العقوبات بل المساعدة على توفير مناخ يسمح بالاستثمار والعمل اللائق، ولقد وضعت مصر لسنوات على ما يسمى بالقائمة السوداء غير أن وزراء العمل المتعاقبين وعدوا خلال لقاءاتهم مع مسؤولي المنظمة بإصدار قانون النقابات وقانون العمل المرتقبين بالتشاور مع كل الأطراف المعنية واحترام معايير العمل الدولية وذلك بعد انتخاب مجلس النواب.

 

ومن المنطقي أن تؤخذ هذه الوعود الرسمية مأخذ الجد وألا يتم اتخاذ أية خطوة تتناقض مع هذا الهدف من أي طرف كان، لذلك تم إخراج مصر من قائمة الملاحظات أو ما تسمى إعلاميا بالقائمة السوداء لعدم الإحراج وللتشجيع على التقدم عمليا في مجال تعديل تشريعات العمل بما يتوافق والالتزامات الدولية لمصر.

 

وبالطبع فسيكون للحركة النقابية الدولية وللمنظمة موقف آخر في صورة بقاء الأمور على ما هي عليه، وبالرغم من تناقض الإجراءات الأخيرة مع هذه الوعود كالكتاب الدوري لرئاسة مجلس الوزراء ومنشوري وزارتي الداخلية والقوى العاملة والتي تصب كلها في خانة خنق النقابات المستقلة إلا أن عالم العمل والحركة النقابية الدولية تنتظر فحوى قانوني العمل والنقابات المرتقبين ومدى التزام الحكومة بالحياد وبضمان الحريات النقابية لإخراج مصر نهائيا من بوتقة الدول المنتهكة للحريات النقابية وللحقوق الأساسية في العمل.

 

ما الإجراءات التي يمكن أن تتخذها منظمة حتى إصدار هذه القوانين؟

ستواصل المنظمة الوقوف إلى جانب النقابات المستقلة وحقها في الوجود، وستظل تدعم الحريات النقابية وتساعد كل الأطراف الاجتماعية بمصر على التحاور والتشاور لتحقيق شروط العمل اللائق والكريم للجميع ولتسريع وتيرة التنمية المستدامة وهو ما أكده المدير العام للمنظمة جاي رايدر في رسالته الأخيرة لرئاسة الجمهورية.

 

الاتحاد العام لنقابات عمال مصر يطرح حل الكونفدرالية العمالية لينضم إليها جميع الاتحادات والنقابات المستقلة، فما رأيك في هذا الطرح؟

اتحاد العمال من حقه أن يطرح ما يريد كما أنه من حق الآخرين القبول أو الرفض، ولكني أريد أن أطرح سؤالا للاتحاد الرسمي: تنوون إقامة اتحاد كونفيدرالي مع من؟ و على من طرحتم مشروع الكونفيدرالية؟ فالكونفيدرالية هو اتحاد نقابي بين اتحادين أو أكثر، وموقف الاتحاد العام لا يزال ناكرا لوجود الاتحادات المستقلة وهو يحرض ضدها ويقيم الدعاوي القضائية لحلها واعتبارها عدوًا يجب التخلص منه، وهو ما لا ينسجم مع هذه الدعوة.

المنطق يفرض أولا الاعتراف بحق النقابات المستقلة في الوجود وحق العمال المصريين في التنظيم واختيار ممثليهم بكل حرية ثم طرح أي مشروع اتحادي عليهم ليختاروا بكل حرية إقامة كونفيدرالية أو وحدة اندماجية وبأية قواعد ومبادئ أو الإبقاء على التعددية.

أما أن تقصيني وتنكر وجودي وتحاربني ثم بعد ذلك تدعوني للتوحد معك فإن تلك الدعوة ستفسر على أنها جزء من سياسة الإلغاء والإقصاء والتذويب للنقابات المستقلة. الوحدة تقام بين كيانات قائمة، مستقلة ولها القدرة على الاختيار بين الرفض أو القبول أو تقديم صيغ بديلة بكل حرية ودون ضغوط.

 

ترفض بعض القيادات النقابية التعددية بدعوى أنها تفتت المشهد النقابي وتدمر الاقتصاد الوطني، ما رأيك؟

التعددية النقابية ليست قدرًا محتومًا بل هي خيار متاح أمام العمال، وكنقابي أمضيت الجزء الأكبر من حياتي في النضال العمالي، أنحاز بقوة إلى خيار الوحدة النقابية لضمان بعض التوازن مع رأس المال وأصحاب العمل.. لكن الوحدة تتطلب توفير شروط تحقيقها من خلال جعلها خيارا جاذبا ومن المغالطة ربط الصعوبات الاقتصادية بتعدد النقابات ففي اسبانيا وفرنسا وإيطاليا والسويد والدنمارك واليابان والولايات المتحدة والبرازيل وغيرها أكثر من اتحاد واحد وهي مع ذلك دول صناعية وتكنولوجية متقدمة.

 

كيف تكون الوحدة النقابية خيارا جاذبا للعمال وقياداتهم؟

من خلال استقلالية النقابات وديمقراطيتها الداخلية وشفافية إدارتها ومقاومة الفساد والانتهازية في صلبها ونزاهة وإخلاص قياداتها لقضايا العمال هي الطريق للوحدة النقابية، وهي السبيل لجعلها خيار جاذبا وممكنا.

وحتى لو توفرت هذه الشروط وارتأى البعض إنشاء نقابات أخرى فإن هذه النقابات سوف تظل محدودة العدد والتأثير ولن تعمر طويلا. أما أن نفرض الوحدة بالقانون والقيادات بالقوة أو دون احترام للديمقراطية ومبدأ التداول فإننا سنجد أنفسنا أمام وحدة قسرية وشكلية لن تصمد أمام المتغيرات والأحداث لتصبح عبئا ثقيلا ومكلفا للعمال وللدولة وحتى لأصحاب العمل، لكن في مصر ليست المشكلة في نظري تعددية نقابية بل عكس ذلك تماما.

 

إن لم تكن التعددية النقابية هي سبب الصراع الدائر بين الحكومة والنقابات العمالية، إذن أين تكمن الإشكالية الحقيقية؟ 

المشكلة الأساسية تتمثل في القصور النقابي وضعف تواجده في مواقع العمل. فهذا الإتحاد العام الذي ناهز عمره الستين عاما والذي يحظى بكل الدعم والمساندة من الجهة الحكومية ومن قبل أصحاب العمل تشير بياناته الصادرة عنه الى أنه لا يضم سوى أربعة ملايين عضو من بين حوالي 27 مليون عامل في مصر، أي أقل من 15 % من العمال هم داخل التنظيم النقابي بمعنى أن 85 بالمائة من عمال مصر يوجدون خارج المظلة النقابية وليس لهم من يمثلهم و يدافع عنهم.

علما بأن 90 بالمائة من الملايين الأربعة المشتركين باتحاد عمال مصر هم من الموظفين و العاملين بالقطاع العام بما يعني  أن عمال القطاع الخاص وبالقطاع غير المنظم الذين هم أشد العمال حاجة للتنظم النقابي ولتحسين ظروف عملهم وعيشهم ما زالوا خارج دائرة الحق النقابي.

القضية الأساسية بالنسبة لكل نقابي حقيقي وصادق تتمثل في كيفية الوصول للـ 23 مليون عامل يعانون يوميا من الظلم ومن انتهاك الحقوق وخرق القانون ومعرضون لاصابات العمل و الأمراض المهنية دون سند نقابي يحميهم من أي تجاوز.

 

أكثر من 1000 نقابة مستقلة إلا انها لم تستطع إثبات نفسها في معركة وجودها الحالية واكتفت بردود أفعال هزيلة، فكيف تفسّر هذا؟

الوضع النقابي في مصر ليس عاديًا، ولذلك فلا يمكن تقييمه طبقا للمعايير الدولية والأدوات العادية المتعارف عليها. فالنقابات المستقلة ظاهرة حديثة بمصر ولا زالت في مرحلة تراكم التجربة والدروس، وهي تمارس اليوم نشاطها في ظروف غير عادية، فهي محرومة من كل الحقوق وتتعرض لحملات إعلامية وأمنية ولمضايقات متعددة من ملاحقة وطرد وعدم اعتراف رسمي ورفض لها من قبل منظمة أصحاب العمل..

بالمقابل الاتحاد العام أو ما يطلق عليه "النقابة الرسمية" تتمتع بكل شئ: الدعم المالي والسياسي للحكومة، الانتماء الإجباري لعديد القطاعات، احتكار التمثيل العمالي بالمؤسسات الخ... هل هذا بوضع طبيعي يسمح لنا بقياس تمثيل كل طرف وقدرته على الحشد والتعبئة؟ و مع ذلك ما من إضراب أو احتجاج عمالي بمصر إلا ووجهت خلاله أصابع الاتهام والإدانة للنقابات المستقلة.. بما يشير ضمنا إلى شعبية النقابات المستقلة وقدراتها وقوة التأثير التي تتمتع بها. وعلى هذا الاساس يكون من الحكمة الاعتراف بها والتحاور معها و التعامل معها رسميا كطرف اجتماعي مسؤول له حقوق وواجبات.

 

تحدثت عن  إجراءات لتقييد وخنق للنقابات المستقلة  في مصر، فماذا على  هذه النقابات فعله لتحافظ على وجودها؟                                            

النقابات لا تهدف إلى السلطة أو تحقيق أهداف ومنافع ذاتية، النقابات تعمل على حماية حقوق العمال وتحسين ظروف العمل ومناخ الإنتاج وذلك مهما كانت الأنظمة والحكومات. والعمل النقابي عمل ملتصق بحياة الناس ومشاكلهم اليومية ولذلك يكتسي طابعا براغماتيا بعيدا عن المزايدات والتجاذبات السياسية والعقائدية، ولقد أظهر النقابيون المصريون حرصا كبيرا على الدفاع عن حقهم في التنظم بحرية وتشبثا عميقا باستقلالية قرارهم النقابي وقدرات عالية على الصمود والنضال من أجل تحقيق ذلك وحتى يمتد جسر التواصل بين التجارب العريقة للطبقة العاملة المصرية و التجربة الحالية للنقابات المستقلة.

وأنا على يقين من أن مصر ستدخل حتما عصر احترام الحريات النقابية ومأسسة الحوار اجتماعي لأنه السبيل الوحيد لتحقيق السلام الاجتماعي الضروري لأية تقدم حقيقي على درب العدالة الاجتماعية وتحفيز الاستثمار وتطوير الإنتاج وتعزيز فرص النمو ومقاومة الفقر.

عندما تنتصر الحريات ويقام الحوار الاجتماعي بين أطراف مستقلة ومسؤولة من أجل استقرار البلد وضمان توازنه ونموه فإن مصر هي التي تكسب إحدى معاركها على طريق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

 

ما الضرر الواقع على المجتمع جراء تبعية النقابات العمالية للدولة أو لرأس المال؟ 

 فقدان النقابات لحريتها واستقلاليتها من شأنه تعميق عدم التوازن في المجتمع وانحلال نسيجه الاجتماعي وتفقير القوى العاملة فيه بما يؤدي الى الاحتقان والتوتر والتأزم. عند هذا الحد تصبح استقلالية النقابات وقوتها عامل سلم واستقرار وتوازن وضرورة للتنمية وللديمقراطية ولتجنيب المنشأة الاقتصادية سببا رئيسيا من أسباب النزاع والمواجهة.

وللأسف الشديد لا زالت منطقتنا العربية تتصدر طليعة بلدان العالم في انتهاك الحقوق والحريات النقابية والمساواة في العمل وهضم حقوق العمالة المهاجرة وغياب الحوار الاجتماعي وعدم الالتزام بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية ذات العلاقة واضطهاد النقابيين النزهاء الذين يرفضون السمسرة بمصالح العمال, ولا غرابة اذا أن نكون أقل التجمعات العالمية جذبا للاستثمار الخارجي باستثناء الاستثمار في النفط لأن العالم لا يثق فينا وفي مؤسساتنا وفي قدرتنا على توفير المناخ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والحقوقي أيضا الضامن والجاذب للرأسمال والتكنولوجيا العالمية.

 

هناك دعوات متزايدة في مصر حول وجوب فصل العمل السياسي عن النقابي، تعليقك؟

على عكس التنظيمات السياسية لا تسعى النقابات إلى الحكم أو حتى المشاركة فيه أو أن تكون جزءًا من السلطة هذا ليس دورها، بل عليها أيضا الحذر من أية هيمنة حزبية عليها ومن أي توظيف سياسي للنقابات من أجل مصالح حكومية أو حزبية، النقابة مستقلة أو لا تكون. ولكن هذا لا يعني أن النقابات لا تهتم بالشأن العام ولا تبدي رأيها  في الخيارات والبرامج الاقتصادية والاجتماعية التي لها تأثير مباشر أو غير مباشر على العاملين وأسرهم.

كما أنه لا يخفى على أحد العلاقة الجدلية بين الحريات النقابية والحوار الاجتماعي والوضع الديمقراطي وواقع الحريات في أي بلد، فحرية الممارسة النقابية من تنظم ومفاوضة واحتجاج وكذلك النجاح في عقد الاتفاقيات الجماعية مع أصحاب العمل هي مقياس أساسي لواقع الحريات العامة والفردية في هذا البلد أو ذاك.

 

وعلى هذا الأساس فإنه من حق النقابات مساندة النضال الديمقراطي لمجتمعهم والمشاركة فيه ومن حقها أيضا المطالبة بإشراكها وإبداء رأيها في نمط التنمية والبرامج التي تضعها الدول وهذا لا يمكن اعتباره احترافا للعمل السياسي يمقاصده ومفاهيمه الحزبية بل هو من صميم العمل النقابي ومن صميم حق العمال في صناعة مصيرهم ومصير أوطانهم كغيرهم من قوى المجتمع.

 

بصفتك كنت مسؤولا عن الأنشطة العمالية في مكتب المنظمة في مصر، هل كان هناك تضييقا  على عملكم؟

للحقيقة أمضيت حوالي ثماني سنوات بمصر كانت من أجمل سنوات العمر لم ألق فيها سوى التقدير والاحترام من كل الجهات، وشخصيا لم أتعرض لمضايقات تستحق الذكر في عملي غير أن عملي مرتبط بمستوى التعامل الرسمي مع النقابيين وبخاصة مع النقابات المستقلة، وقد مرت هذه العلاقة بفترات من التعاون ولو نسبيا وفترات أخرى من التوتر وما يتخللها من صعوبات وفي هذه الحالة ينعكس ذلك سلبا على برامج التدريب و التثقيف العمالي.

وقد استطعنا عموما تجاوز العديد من الصعوبات والعراقيل لأن منظمة العمل الدولية هي هيكل من هياكل الأمم المتحدة و الدولة المصرية عضو كامل الحقوق بالمنظمة منذ سنة 1936 و بحكم الطابع الثلاثي لمنظمة العمل الدولية فإن عضوية الدولة ينجر عنها وجوبا عضوية الطرفين الآخرين للإنتاج بها و هما منظمات العمال و منظمات أصحاب العمل كما أن برامج المنظمة يستفيد منها الآطراف الثلاثة و لعل الحكومات هي الطرف الأكثر استفادة من هذه البرامج.

 

تاريخ مصر النقابي والعمالي تعود جذوره لـ 1889 ورغم ذلك المراقبون للشأن العمالي يرون أن المشهد النقابي المصري لا زال وليدا، فكيف تفسر حالة الانقطاع في الإرث العمالي لدى الأجيال النقابية؟

ثورة 1952 التي ساندها العمال لم تستوعب أهمية إشاعة الحريات ومأسستها حتى تحقق الثورة كافة أهدافها فعملت -ضمن خيار الدولة الشمولية- على إخضاع الحركة النقابية وتوظيفها لخدمة برامجها الاقتصادية والاجتماعية بحجة أن للأمن وللنمو الإقتصادي الأولوية على الحريات والديمقراطية فكان قرار الحكومة المصرية سنة 1956 يإنشاء الاتحاد العام لعمال مصر مندرجا ضمن هذا السياق التاريخي والسياسي.

 

وطبعا لا تتفرد مصر بهذا الوضع النقابي بل كان السمة الطاغية في غالبية البلاد العربية حيث سعت الدولة إلى الهيمنة على النقابات لتجعل منها أداة للترويج لبرامجها لدى الطبقة العاملة ولكبح تطلعاتها المشروعة في عمل لائق وعيش كريم لتصبح هذه الممارسات مظهرا من مظاهر انتهاك الحريات وتدهور الوضع الديمقراطي بالوطن العربي عموما وغياب حوار اجتماعي حقيقي بين أطراف اجتماعية ممثلة وحرة في قرارها.

 

وفي هذا السياق التاريخي والسياسي، تحاشى النقابيون بوعي أو بتلقائية أو لعدم القدرة، التصادم مع الدولة على جبهة الحريات النقابية؛ لأنها كانت تولي البعد الاجتماعي عناية كبيرة بما له من تأثير إيجابي على العمال وأسرهم.

أما اليوم وبعد التراجع الكبير لدور الدولة في مجال الخدمات الأساسية وتخليها التدريجي عن القطاع العام وحتى لبعض الخدمات والمرافق العمومية واعتمادها لسياسات ليبرالية لإدماج الاقتصاد المحلي بمنظومة العولمة وفق الشروط القاسية والمجحفة للسوق العالمية وللدوائر المالية الدولية، لم يعد هناك من "مقابل" لتبرير تخلي النقابات عن استقلاليتها وحرية قرارها.

 

أخيرًا ما أوجه التشابه والاختلاف بين التجربتين المصرية والتونسية من حيث تعامل الدولة والقيادات العمالية وامتداد التنظيمات ومشاركتها في المجتمع؟

المساران مختلفان, فلقد أنشأ الاتحاد العام لعمال مصر بإرادة الدولة وبرغبة من أعلى هرم السلطة سنة 1956 في ظرف سياسي معين مرت به مصر تغير الظرف ولم يتغير الاتحاد حيث تحولت ظروف نشأته المرتبطة بقرار للسلطة الحاكمة إلى ثقافة أساسها الارتباط العضوي بالسلطة- أية سلطة - وتنفيذ سياساتها والاستفادة من دعمها وذلك مهما كانت طبيعة الحكم ومهما كان محتوى برامجه الاقتصادية والاجتماعية والتربوية.

فعلى سبيل المثال القيادة الحالية لاتحاد عمال مصر تم انتخابها سنة 2006 بدعم من حكومة مبارك آنذاك ثم ساندت المجلس العسكري لتؤيد بعد ذلك حكم الإخوان وهي تقف الآن مع السلطة المنبثقة عن الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأخيرة لقد أصبح هذا السلوك هوية للاتحاد العام، ولا غرابة أن يتعارض هذا التوجه مع قناعات نقابية مغايرة بين العمال المصريين فيعملون على إنشاء نقابات مستقلة تعبر عن هذه القناعات وتطرح مواقف وممارسات وثقافة بديلة وهذا من حقها والخيار يبقى للمعنيين الأوائل بالأمر أي العمال المصريين.

 

 أما في تونس فظروف النشأة مختلفة حيث تأسس الاتحاد العام التونسي للشغل قبل قيام الدولة التونسية وذلك سنة 1946 أي قبل استقلال البلاد. نشأ هذا الاتحاد على فكرة محورية هي الاستقلال: استقلال التنظيم النقابي الوطني عن التنظيمات الفرنسية التي كانت قائمة بتونس والمشاركة الفاعلة في الكفاح الوطني من أجل استقلال تونس وبناء الدولة الوطنية المستقلة.

فكرة الاستقلالية هي التي شكلت السمة الرئيسية لهوية الاتحاد التونسي حيث قامت قوات الاحتلال الفرنسي بتصفية العديد من قياداته المنخرطة في معركة الاستقلالية النقابية والاستقلال الوطني وفي مقدمتهم الشهيد المؤسس فرحات حشاد. ثم دخل الاتحاد في العديد من المعارك الدموية ضد السلطة بعد الاستقلال رفضا لمحاولات هذه السلطة الهيمنة عليه ومصادرة حرية قراره في الستينات والسبعينات والثمانينات.

هذا الاتحاد لعب دوما دور السلطة المضادة ومجمعا لكل القوى الديمقراطية التي لم يكن أمامها أية فرصة للتعبير أو النشاط زمن الحكم الشمولي لبورقيبة ولبن علي سوى تحت المظلة النقابية وفي أروقة الاتحاد وداخل هياكله. هذا الإرث هو الذي مكن الاتحاد العام التونسي للشغل من لعب الدور المحوري في الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بنظام بن علي ثم بعد ذلك في تنظيم وإدارة الحوار الوطني مع مكونات أخرى من المجتمع المدني من اجل الانتقال الديمقراطي السلمي.

                                                    

 

إقرأ أيضا: 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان