رئيس التحرير: عادل صبري 01:02 صباحاً | الاثنين 22 أكتوبر 2018 م | 11 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 33° صافية صافية

الاستثمارات الأجنبية المباشرة ضجيج للاقتصاد بلا طحين للفقراء

الاستثمارات الأجنبية المباشرة ضجيج للاقتصاد بلا طحين للفقراء

اقتصاد

مصنع بتروكيماويات

خبراء: لا تتوجه قطاعيًا وجغرافيًا والمحلي أفضل..

الاستثمارات الأجنبية المباشرة ضجيج للاقتصاد بلا طحين للفقراء

كريم عبدالله ومحمد موافى وطارق حامد 07 يناير 2015 19:32

رغم الترويج الإعلامي بأن الاقتصاد كان على رأس أجندة الزيارات الخارجية للرئيس عبد الفتاح السيسى، خاصة زيارتى الصين والكويت ومن قبلهما إيطاليا، والحديث عن جذب استثمارات أجنبية مباشرة تقدر بمليارات الدولارات، إلا أن الضجيج الإعلامي أكبر بكثير من النتائج على الأرض.

 

فكل ما تم الإعلان عنه بوضوح مجرد توقيع اتفاقيات إطارية عامة بالأحرف الأولى أو أحاديث إعلامية تتناولها الفضائيات، ولم يتحدث أحد عن مشروعات محددة، خاصة تلك التي تولد فرص عمل كثيفة وتحدث القيمة المضافة على الاقتصاد ويشعر بها رجل الشارع العادى البسيط الذي يعانى بشدة.

 

كما أنه ومن واقع الدراسات والتجارب السابقة، لا يمكن للاستثمارات الأجنبية المباشرة أن تحقق الأهداف الكلية المنشودة، مثل توفير فرص العمل والنهوض بالصناعات الأساسية وتحسين مستوى المعيشة وتراجع معدلات التضخم.

 

فالاستثمارات المباشرة يمكن أن تحسن الأرقام الاقتصادية وتزيد من النقد الأجنبى في البلاد، لكنها لا يمكن على الإطلاق أن تحد من معدلات الفقر أو تنعكس على الوضع الاقصادى للمواطنين.

 

نموذج حكم مبارك

 

والدليل ما حدث في السنوات العشر الأخيرة من حكم الرئيس المخلوع حسنى مبارك، عندما نجحت المجموعة الاقتصادية بقيادة وزير المالية يوسف بطرس غالي ووزير الاستثمار محمود محيى الدين ووزير الصناعة رشيد محمد رشيد ووزير الإسكان أحمد المغربى في تحقيق معدلات نمو على الورق بلغت 7% تقريبًا.

 

فوفقًا للتقرير المصري للاستثمار الذي أصدره مجلس أمناء الهيئة العامة للاستثمار عام 2008، شهد الاقتصاد المصري نموًا ملحوظًا في قدرته على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة منذ بداية إصلاح مناخ الاستثمار عام 2004.

 

النمو يرتفع والفقر يزيد

 

وذهب التقرير إلى أن زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر حقق طفرة غير مسبوقة خاصة عام 2006/2007، حيث بلغت نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي نحو 9% وبلغ 11.1 مليار دولار، وعلى الرغم من ذلك يذهب التقرير إلى أن تقديرات الفقر سجلت ارتفاعًا خلال العقد الماضي ويعزو ذلك لمصادر النمو؛ حيث تحقق النمو في القطاعات الأقل تشغيلًا، ومن ثم لم ينتج عنه زيادة كافية في فرص العمل المتاحة.

 

فالاستثمار الأجنبي لن يساهم بشكل جاد في القضاء على البطالة، إلا إذا تم توجيه هذا الاستثمار إلى قطاعات كثيفة العمالة.

 

قطاعات قليلة العمالة

 

ويحظى قطاع البترول في مصر بأعلى نسبة استثمار أجنبي، إلا أنه من القطاعات التي لا تحتاج لأيد عاملة كثيرة، وبالتالي فإن كثافة التشغيل فيه محدودة.

 

وبالمقابل يعتبر قطاع الصناعة والتعدين هو القطاع الرائد من حيث كثافة العمالة.

 

وأكد التقرير أن الخريطة الاستثمارية الجغرافية والقطاعية لا تبرز منها رؤية كاملة حول الوضع أو الاحتياجات أو الانعكاسات على الشعب تشغيلًا وعائدًا أو الانعكاسات على السياسة الخارجية المصرية عربيًا وأفريقيًا وعالميًا.

 

أداة لتثبيت الحكم ورشوة للخارج

 

وهنا تبرز الحاجة لتغيير النظرة للاستثمارات الأجنبية المباشرة كى تحقق أهدافها المرجوة، وألا تكون مجرد أداة تستخدمها الأنظمة السياسية لتثبيت حكمها وتوطيد العلاقات مع الخارج، أو يكون الاعتماد الرئيسى في تحقيق النمو على الاستثمارات الداخلية الوطنية التي تقيم المصانع وتحدث القيمة المضافة.

 

اقتصاد ريعى لا يحقق تنمية

 

ويقول الخبير الاقتصادي الدكتور صلاح جودة، إن المنظومة كلها تحتاج تغييرًا، فالقوانين بها العديد من الأحكام التي تعتبر مشجعة للاستثمار الأجنبي ولا تميز بين المستثمر المحلي والأجنبي، إلا أنه يعيب هذه القوانين أنها تبدو معنية بجذب الاستثمار الأجنبي من دون أن تكون معنية بطبيعة النشاط الذي سيمارسه، وما إذا كان نشاطًا سيساهم في تحقيق تنمية حقيقية أم لا.

 

فالقوانين قائمة على فلسفة أن جذب الاستثمار الأجنبي هو هدف وغاية في ذاته ولا أدل على ذلك من أن القوانين – كما لا تميز بين المستثمر صاحب النشاط الإنتاجي ذو العمالة الكثيفة (مثل التصنيع) أو المستثمر صاحب النشاط الاستهلاكي (مثل مطاعم المأكولات والمشروبات)، أو ما يسمى الاقتصاد الريعى.

 

وأشار جودة إلى أن المستثمر الأجنبى يأتى إلى مصر لكى يعمل بها ويستفيد من كل المزايا والتسهيلات، ثم يقوم بتحويل صافى أرباحه لبلده، بل إنه لا يجلب معه أي تمويل ويحصل على التمويل من الداخل وهناك من يستفيد في الداخل من هذه السياسة القائمة على استثمار "تيك أواى" من عملاء ووسطاء ووكلاء.

 

فرضيات خاطئة

 

وأضاف أن القوانين قائمة على فرضيات اقتصادية، مفادها أن جذب الاستثمار الأجنبي في حد ذاته كفيل بتحقيق تنمية حقيقية والمساهمة في القضاء على البطالة والفقر، والحقيقة أن هذه الفرضيات ثبت عدم صحتها، فقد ارتفعت معدلات الاستثمار الأجنبي في السنوات الأخيرة من عمر نظام مبارك ولم يترتب على ذلك تحسن في الأحوال المعيشية لقطاعات كبيرة من المواطنين.

 

رؤية أخرى

 

وقال أحمد الوكيل رئيس اتحاد الغرف التجارية، إن فكرة المصريين وخبراء الاقتصاد عن المستثمر الأجنبى، يجب أن تتغير في الوقت الراهن لتواكب أيديولوجية بناء مصر الحديثة، لافتًا إلى أن الاستثمارات الأجنبية لا يجب أن يكون الهدف منها الربح فقط، ولكنها تهدف لتحقيق المصلحة المشتركة بين الطرفين.

 

وأوضح أن القوانين الاقتصادية في مصر يجب أن تعدل لتواكب بناء مصر الحديثة ولكى تكون بيئة جاذبة للاستثمار والمستثمرين، ولابد للتشريعات أن تحقق الغاية من الاستثمارات، سواء فيما يخص توفير فرص العمل أو الاستثمار في قطاعات ومناطق جغرافية محددة.

 

وأكد الوكيل أهمية جولات الرئيس عبد الفتاح السيسي للخارج، حيث إنها تهدف في الأساس إلى جذب أكبر كمية ومعدل من الاستثمارات الأجنبية للسوق المصرية، لإصلاح ما أفسده الآخرون، وأن الجولات فرص لإرسال رسالة إلى العالم باستقرار الأوضاع المصرية.


توجيه الاستثمارات      

 

بينما رأى محمد السويدى رئيس اتحاد الصناعات المصرية، أن المستثمر المصري أفضل بكثير من المستثمرين الأجانب، لأنه يركز استثماراته على قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تساعد على تحقيق نمو حقيقى وفعال للمواطنين المصريين.

 

وأضاف أن المستثمرين الأجانب يأتون إلى مصر للاستثمار في قطاعات ومشروعات من شأنها التأثر بأى لغط يحدث في العالم الغربى أو أي اضطرابات داخلية، مشيرًا إلى أن الدولة يجب أن تسن قوانين جديدة من شأنها توجيه المستثمر الأجنبى للاستثمار بالمشاريع كثيفة العمالة وهى المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وكذلك توجيه الاستثمارات إلى المناطق المحتاجة حتى تحدث التنمية الحقيقية.

 

وأكد أن جولات الرئيس عبد الفتاح السيسي ستنعكس بالإيجاب على معدلات الاستثمار خلال الفترة المقبلة، نتيجة جهوده الملموسة في طمأنة المستثمرين العرب والأجانب باستقرار الأمنى لمصر والاقتصاد أيضًا، مؤكدًا أن المصداقية هي أفضل الحلول لجذب الاستثمارات.

 

الاستقرار التشريعى

 

وقال الدكتور فخري الفقي المساعد السابق لمدير صندوق النقد الدولي، إن الاستثمار الأجنبي يحتاج إلى شروط، أبرزها الاستقرار التشريعي وشهادات الثقة الدولية والتي يمنحها صندوق النقد الدولي.

 

وأضاف أن الاستثمار الأجنبي يجب أن تتضمن مكوناته قطاعات تنموية تحقق فرص تشغيل وتواجه جزءًا من البطالة.

 

التجرد من الأهداف السياسية

 

وقال أحد وزراء الاستثمار السابقين، إن مصر حققت معدل نمو 7%؛ عام 2007/2008 بسبب وصول حجم الاستثمار الأجنبي إلى 13 مليار دولار، إلا أن المواطن محدود الدخل لم يشعر بأي تحسن.

 

وأرجع الوزير السابق - طلب عدم ذكر اسمه - عدم استفادة المواطن بمعدل النمو إلى غياب الاستثمارات الحقيقية.

 

وأوضح أن التوجه لجذب استثمارات خارجية يجب أن يتجرد من الأهداف السياسية حتى لا تكون هناك مخاوف لدى المستثمرين الأجانب.

 

المستثمر المحلى أفضل

 

ونصح الوزير بفتح مجالات الاستثمار أمام المستثمرين والصناع المصريين والاعتماد عليهم بشكل أساسى كنواة للتوسع الاستثمارى، حيث إن المستثمر المحلى يسهل توجيهه قطاعيًا وجغرافيًا، كما حدث في تسعينيات القرن الماضى عندما طلبت الحكومة من محمد فريد خميس رئيس الاتحاد العام للمستثمرين نقل مشروعه العملاق لإنتاج البتروكيماويات من الإسكندرية إلى المنطقة الاقتصادية شمال غرب خليج السويس، وتم بالفعل النقل طواعية لأهداف خاصة بالتنمية.

 

استياء الكبار

 

يذكر أن هناك حالة من الاستياء لدى بعض كبار رجال الأعمال من تجاهلهم في الزيارات الأخيرة لرئيس الجمهورية، وعبر بعضهم عن استيائه علانية، بينما فضل آخرون الصمت.

 

فقد خلت الزيارات للكويت ومن قبلها الصين من اصطحاب محمد فريد خميس ومحمد السويدى وأحمد الوكيل وحسين صبور وغيرهم من كبار قيادات المال والأعمال في مصر.

 

 مراجعة المنظومة

 

ويجمع الخبراء على أهمية مراجعة منظومة الاستثمار الأجنبي المباشر لتكون أكثر تنوعًا وأكثر تشغيلًا وأكثر ميلًا للابتكار، خاصةً ذات الطبيعة المحلية والوصول لشكل متوازن في العلاقة مع الاستثمار الأجنبي، بحيث يحقق المصلحة الوطنية المصرية وفي نفس الوقت يحقق مكاسب للمستثمر لجذب الاستثمارات الجادة

 

نظرة تاريخية

 

وتشير الدراسات إلى أن الخبرة التاريخية المصرية مع الاستثمار الأجنبي ساهمت في خلق وعي مصري ينظر للاستثمار الأجنبي بقدر من الريبة والتشكك، حيث ارتبط نمو الاستثمار الأجنبي في مصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بفكرة تبعية مصر للغرب والانتقاص من السيادة المصرية.

 

وحصل الاستثمار الأجنبي في مصر على ما عرف تاريخيًّا باسم الامتيازات الأجنبية والتي كرست لمعاملة تفضيلية للأجانب عبرت بحق عن انتقاص من السيادة المصرية، ومن أمثلتها إنشاء المحاكم القنصلية والمحاكم المختلطة التي كانت تسمح للأجانب بتطبيق قوانينهم الخاصة، ومن خلال قضاة أجانب على تعاملاتهم في مصر.

 

وانتهى الأمر بالاحتلال البريطاني لمصر الذي اتخذ حماية المصالح الأجنبية في مصر كإحدى الذرائع لتبرير وجوده.

 

لذلك بدا طبيعيًّا في هذا السياق التاريخي أن يتخذ النظام السياسي الذي قام مع اقتراب نهاية الاحتلال البريطاني لمصر (نظام ثورة يوليو في فترة حكم عبد الناصر) موقفًا سلبيًّا من الاستثمار الأجنبي، وأن يضع على رأس أولوياته إنشاء نظام اقتصادي وطني مستقل بعيدًا عن النفوذ الأجنبي.

 

وفي إطار هذا صدرت قوانين التأميم التي نقلت ملكية العديد من المشروعات المملوكة لأجانب إلى الدولة المصرية.

 

ثم جاء نظام السادات ليتخذ في منتصف السبعينيات منحى مختلفًا عرف باسم الانفتاح الاقتصادي، والذي تجلى في إصدار العديد من القوانين على رأسها قانون نظام استثمار المال العربي والأجنبي رقم 43 لسنة 1974 والذي سمح بعودة الاستثمار الأجنبي إلى مصر.

 

وسار نظام مبارك إلى حد بعيد عن نهج سلفه السادات مع انفتاح أكبر على الاستثمار الأجنبي وصل إلى ذروته ببرنامج الخصخصة في تسعينيات القرن الماضي، والذي بموجبه تم بيع حصة الدولة في العديد من الشركات المملوكة لها إلى مستثمرين أجانب.

 

واندلعت ثورة الخامس والعشرين من يناير2011 لتطيح بنظام مبارك وتضع على رأس مطالبها تحقيق العدالة الاجتماعية.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان