رئيس التحرير: عادل صبري 01:57 صباحاً | الخميس 15 نوفمبر 2018 م | 06 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

مصر بين ارتفاع الأسعار وأخطار الديون

مصر بين ارتفاع الأسعار وأخطار الديون

نقلا عن دار الحياة 01 أغسطس 2014 11:43

في أول قرار غير شعبي وفق مصطلحات صندوق النقد الدولي خفضت الحكومة المصرية دعمها للوقود بمقدار 44 بليون جنيه (6.15 بليون دولار)، لتبقيه عند حد 100 بليون في السنة المالية 2014 - 2015 التي بدأت في 1 يوليو، ويهدف هذا الخفض الذي صاحبه قرار بزيادة أسعار الكهرباء إلى تقليص العجز في الموازنة الجديدة والبالغ 240 بليون جنيه، ليبلغ فقط 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، في مقابل 12 في المئة للعجز المتوقع في موازنة السنة المالية 2013 - 2014.

وتحقق خفض هذه النسبة بناء إلى تعليمات الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي دق ناقوس الخطر المالي، مبررًا تقليص دعم الوقود، ومحذرًا من أن «تأخر زيادة الأسعار سيغرق البلاد في ديون قدرها أكثر من 3 تريليونات جنيه»، ومشيرًا إلى أن جهود ضبط أسعار السلع بعد رفع أسعار الوقود «ليست كافية في شكل كامل لافتقار مصر إلى آلية ضبط الأسواق»، لكنه وعد بأن تعمل تلك الآلية بفاعلية خلال ستة أشهر.

وبانتظار أن تحقق هذه الآلية فاعليتها، سيعاني الشعب المصري النتائج السلبية لقرار خفض الدعم، علمًا بأن الدولة تخصص أكثر من 30 في المئة من موازنتها لدعم أسعار الوقود والمواد الغذائية، ويعيش نحو 40 في المئة من السكان، أي 34 مليون شخص من إجمالي 86 مليون شخص في فقر، وبات على المسؤولين في الحكم الاهتمام بالوضع الاقتصادي الصعب لمعالجة سلسلة مشاكل اجتماعية، والتحدي الكبير يكمن في إيجاد الحلول لمشكلة الغذاء غير الكافي التي يعانيها ثلث المصريين.

لكن يبدو أن التضحية في هذا المجال هي أسهل من إخطار ارتفاع أرقام الديون إلى مستويات تاريخية وفي شكل قد يهدد السيادة، خصوصًا أن مصر عانت إخطارا مشابهة منذ عهد الخديويين، لذلك كان لابد للسيسي من أن يدق «ناقوس خطر الغرق في الديون".

بعد انتهاء عصر البذخ الذي قاده الخديوي إسماعيل (1830 - 1895) كانت الخزانة المصرية مثقلة بالديون، لكن بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945) حققت مصر قفزة اقتصادية ضخمة، إذ نجحت في تسديد كامل ديونها الخارجية، وبدلًا من اللجوء إلى الخارج، بدأت سياسة الاقتراض المحلي في محاولة للاستفادة من المدخرات بالعملات الأجنبية التي استطاعت مصر مراكمتها خلال الحرب مع وجود الجيش البريطاني وبلغت نحو 450 مليون جنيه استرليني.

ثم عــادت مصـــر إلى الاقتراض من الخارج بعد ثورة 23 يوليو 1952، وبالتحديد بعد العدوان الثلاثي، وذلك في إطار تحقـــيق مشاريع سياسية وعسكرية واقتصادية طموحة، فاتجهت نحو دول الكتلة الشرقية، خصوصًا الاتحاد السوفياتي، وكان الهـــدف بناء جيش قوي وحديث بدلًا من الجيش الملكي الذي كان بعــــيدًا بسنوات عن العصر. وكشف تقرير التنمية العالمي الصادر عن البنك الدولي في 1990، أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ترك لمصر بعد وفاته في 1970 ديونًا خارجية لم تتعد 1.7 بليون دولار.

أما في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، فارتفع حجم الدين إلى 2.5 بليون دولار بسبب حرب 1973، وكانت الديون العسكرية أكبر من ذلك، ولم تسدد مصر معظمها حتى أسقطها الاتحاد السوفياتي، وتبقى المفارقة أن السادات قرر التوجه نحو واشنطن معلنًا أن «99 في المئة من أوراق اللعبة في يد الولايات المتحدة». ووسط مقاطعة عربية بعد توقيع معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية، تضاعفت الديون الخارجية لمصر أكثر من ثمانية أضعاف، ليصل الرقم الإجمالي عام 1980 إلى نحو 21 بليون دولار.

لكن الخطورة الكبرى لتراكم الدين، برزت في عهد الرئيس السابق حسني مبارك، وتشير الإحصاءات إلى أن عام 1988 شهد تضاعف حجم الديون المصرية بنسبة 250 في المئة إلى نحو 49.9 بليون دولار، ولم تتراجع الديون إلا بعد الخضوع لشروط صندوق النقد والبنك الدوليين والدول الدائنة، خصوصًا في ما يتعلق ببيع القطاع العام أو تخصيصه واتباع سياسة اقتصادية ليبرالية، وفتح الاقتصاد المصري أمام الاستثمارات الأجنبية من دون أي ضوابط، فضلًا عن ديون أُسقِطت عندما انضمت مصر إلى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد العراق عام 1990، في أعقاب الاحتلال العراقي للكويت.

ثم سجلت أرقام الديون قفزات كبيرة حتى بلغت في يناير 2011، أي مباشرة قبل الثورة على مبارك، نحو تريليون و172 بليون جنيه، أو أكثر من 91 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي البالغ نحو تريليون و373 بليون جنيه، منها 962.2 بليون جنيه دين داخلي. ومع إعادة جدولة الديون الخارجية في يوليو 2009 بالتعاون بين كل من نادي باريس وصندوق النقد والبنك الدوليين، بلغ الدين الخارجي لمصر في عهد مبارك 34.9 بليون دولار، وجرت الجدولة في فترات متباعدة حتى 2050، وبفوائد عالية جدًا، وبأقساط نصف سنوية، ما يعني استنزاف نحو 25 في المئة من المصادر الاقتصادية للبلاد.

لكن يبقى السؤال المطروح هل تستطيع مصر تجاوز كل سلبيات تفاقم الدين وتحقيق طموحاتها بنمو اقتصادي مستدام؟ قدر معدل النمو في العام المالي الماضي المنتهي في 30 (يونيو) 2014 بنحو 2.2 في المئة، والمعدل المستهدف لـ 2014 - 2015 هو 3.2 في المئة، ما يدل على أن مصر تعتمد على الاستثمارات الخليجية ومساعدات دول مجلس التعاون وفي مقدمها السعودية، لتحقيق هدفها في النمو الاقتصادي، وهي متفائلة بذلك بعدما حصلت في العام الماضي على نحو 18 بليون دولار مساعدات ومنح لدعم اقتصادها، وتستعد حاليًا لانعقاد «مؤتمر أصدقاء مصر» المرتقب قبل نهاية العام الحالي لتعرض على المستثمرين العرب نحو مئة مشروع بكلفة 50 بليون دولار.

 

 

إقرأ أيضا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان