رئيس التحرير: عادل صبري 02:36 مساءً | الاثنين 21 يناير 2019 م | 14 جمادى الأولى 1440 هـ | الـقـاهـره 14° غائم جزئياً غائم جزئياً

«بوتسوانا».. من أفقر الدول إلى الأولى أفريقيًا في «انعدام الفساد»

«بوتسوانا».. من أفقر الدول إلى الأولى أفريقيًا في «انعدام الفساد»

اقتصاد

دولة بوتسوانا

«بوتسوانا».. من أفقر الدول إلى الأولى أفريقيًا في «انعدام الفساد»

علي أحمد 27 ديسمبر 2018 09:30

دائما ما تتحدث الدول عن ضرورة مواجهة الفساد والقضاء عليه كأحد سبل تحقيق التنمية الاقتصادية، ولكن هل القضاء على الفساد شيئ مستحيل؟، ربما تكون الإجابة في التجارب التي حققت بالفعل نجاحات هائلة في هذا الاتجاه حتى جعلها على مصاف الدول بين جيرانها خاصة، ومنها على سبيل المثال "التجربة البوتسوانية"، التي سنتحدث عنها في السطور الآتية.

 

كانت "بوتسوانا"من أفقر دول العالم قبل نحو 4 عقود، ولكنها أصبحت الأولى على أفريقيا والـ 34 على مستوى العالم في مؤشر مدركات الفساد،  كما أنها حققت خلال ثلاثة عقود تلت استقلالها معدل نمو قدر بـ9%، للتجاوز بذلك أقرانها من الدول الإفريقية بل دول أخرى بالعالم، وربما يرجع الفضل في ذلك إلى تحقيقها رقما قياسيا في الشفافية وانعدام الفساد.

 

فبحسب آخر مؤشر لمدركات الفساد في 2017، احتلت بوتسوانا الدولة رقم 34 على مستوى العالم والأولى على أفريقيا فى الترتيب، فضلا عن أنها تحتل مراكز متقدمة في مؤشر حكم القانون كلعام عام، وصلت في أخره إلى المرتبة رقم 45 على مستوى العالم.

 

وفي في عام 2002 صنفت منظمة الشفافية العالمية بوتسوانا في المرتبة 24 عالميا في مؤشر انعدام الفساد، متجاوزة بذلك ليس الدول الأفريقية والعربية فحسب، بل تجاوزت فرنسا وإيطاليا وكوريا الجنوبية وكل الدول العربية.

 

ربما هذه بعض من الصورة التي باتت عليها "بوتسوانا" الآن، ولكن كيف كان حالها قبل نحو 4 عقود؟.

 

بوتسوانا هي دولة مساحتها حوالى 581.730 كم، تقع في الجنوب من أفريقيا يحدها من الجنوب والجنوب الشرقي دولة جنوب أفريقيا، ومن الشمال الشرقي زيمبابوي، ومن الشمال والغرب ناميبيا وعدد سكانها أقل من 2 مليون نسمة.

 

دلع فيها في القرن التاسع عشر للميلاد العديد من الأعمال العدائية بين قبائل نديبيلي وسكان تسوانا، كما تصاعد التوتر بينهم وبين المستوطنين البوير في الجهة الشمالية الشرقية من الدولة.
 

خضعت بوتسوانا للحماية البريطانية عام 1885وسميت باسم "بيتشوانا لاند"، وأنشأ فيها نظام الفصل العنصري عام 1984 بعد انتهاء انتخاب الحكومة الوطنية، وفي عام 1964 وافقت بريطانيا على منح "بوتسوانا" حكم ذاتي ديمقراطي.

 

نالت بوتسوانا استقلالها عام 1966، حينها كان المجتمع البوتسواني مجتمعا تقليديا يعيش على الرعي والزراعة، وثلث السكان خاصة في الفئة العمرية ما بين 20 و40 سنة كانوا يعملون في مناجم ومزارع ومصانع جنوب أفريقيا، ويبلغ متوسط دخل الفرد فيها حوالي 10% من متوسط دخل الفرد في العالم.

 

كانت من أفقر دول العالم مع ناتج محلي إجمالي للفرد الواحد يبلغ 70 دولاراً أمريكياً، وكان عدد خريجي الجامعات لا يتجاوز عددهم 22 شخصا تعلموا في الخارج لأنه لم يكن هناك جامعة بها، ذلك بالإضافة إلى 100 خريج من الثانوية العامة، كما كانت الطرق المعبدة لا تتجاوز 5 كيلومترات، وفقا لمقال للدكتور هاني السلاموني الخبير بالأمم المتحدة.

 

ولكن بات لديها ما يزيد على 800 مدرسة ابتدائية، و280 مدرسة لمرحلة الثانوية، وأنشئت جامعة تضم تسع كليات، وانخفضت نسبة الأمية إلى 11%.

 

وأصبح  متوسط الدخل السنوي للمواطن البوتسواني يزيد على 16 ألف دولار، أي أفضل من مثيله في البرازيل ومالديف، وأفضل من دول عربية بترولية كليبيا والجزائر. 

أجرت بوتسوانا أول انتخابات قائمة على التعددية في عام 1965 قبل الاستقلال في ظل دستور أجمعت عليه الأحزاب ووافق عليه بعد ذلك المجلس التشريعي الذي تأسس عام 1961 ومنذ الاستقلال استمرت بوتسوانا في إجراء الانتخابات كل 5 سنوات ذلك من 1969 وحتى 2014.

 

وفي عام 1965 حاز حزب بوتسوانا الديمقراطي على 81% من الأصوات ولكن أغلبيته تراجعت عبر السنوات، وتزداد قوة أحزاب المعارضة في المدن وتدعمها الصحف المستقلة ومؤسسات المجتمع المدني التي يتزايد دورها في المجتمع والتي تعمل في مجالات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية. 

 

تبنت بوتسوانا في بداية الستينيات أربع مبادئ رئيسية وهم :"الديمقراطية بدلاً من حكم رؤساء القبائل الذي لم يعد ينسجم مع تعقد الحياة والتنمية بدلاً من الاعتماد المفرط على الرعي والزراعة والوحدة بدلاً من التشتت القبلي والاعتماد على الذات بدلاً من التبعية".

 

في بداية التسعينات كان هناك فضائح فساد كبيرة تورط فيها وزراء من الحكومة وكمان اتهامات بتزوير في الانتخابات الرئاسية، وحتى عام 1998 كان حكم بوتسوانا رئيسين من نفس الحزب خلال 34 سنة، لكن في 1998 أقر البرلمان تعديل للدستور لا يسمح للرئيس بأكتر من فترتين رئاسيتين، وهو ما كان جزء منه تحت الضغط الشعبي من فضائح الفساد. 

 

وفي عام 1994 أسست الحكومة هناك جهاز خاص تحت اسم "مديرية شؤون الفساد والجريمة الاقتصادية"، واستعانوا فيه بتجربة الجهاز الشبيه في سنغافورة، ووظفوا خبراء سابقين من سنغافورة إلى جانب الخبراء المحليين.

 

هذا الجهاز منحته الحكومة الاستقلال التام وكافحة الصلاحيات في تعقب الفاسدين وإحالتهم قضائيا، كما أنه تم تخصيص أرقام للتواصل المباشر مع بلاغات المواطنين، ومنذ اللحظات الأولي بدأ يراعي المعايير الدولية للشفافية زي معايير منظمة الشفافية الدولية. 


كماأقرت الحكومة قانون بإنشاء جهاز حكومي للمناقصات، وتم تقسمته على 3 مستويات إدارية "مركزي للدولة - على مستوى الولايات (المحافظات) - على مستوى الأحياء"، ومن ثم لا يمكن موظف واحد بإمكانه الموافقة على عقد حكومي للقطاع الخاص، بل إجراءات مناقصات شفافة وعليه إشراف منظم والانتخابات المحلية ساعدت في المزيد من الرقابة والكفاءة.


وفي 1997 تم فتح مكتب مخصص لاستقبال الشكاوى من المواطنين ضد استغلال السلطة من الموظفين العموميين، وفي 2009 تم وضع قانون "الذكاء المالي" المتعلق بمراقبة التعاملات البنكية ورصد أي شيء مريب.

 

وحتى تتمكن من القضاء على الفساد قررت بوتسوانا أن تجعل محاربة الفساد ثقافة شعبية، وذلك من خلال جعله قضية رأي عام تتناوله وسائل الإعلام وحتى المناهج الدراسية، فعلى سبيل المثال مكتب مكافحة الفساد والجرائم الاقتصادية أجرى زيارات في 2013 لأكثر من 200 مدرسة في حملات توعية ضد الفساد.


وحافظت بوتسوانا على استقلال القضاء وفصله عن السلطة التنفيذية، وكذلك حافظت على إعلان الموازنات الحكومية، وهو ما جعل صندوق النقد يصنفها في تقريره عام 2016 بأنها دولة المؤسسات الأفضل في أفريقيا.

 

وبحسب بيانات البنك الدولى والأمم المتحدة فإن بوتسوانا حققت معدلات نمو مابين 7% إلى 9% خلال الفترة من 1965 وحتى عام 2000 في الوقت الذي كانت معدلات النمو تتراوح بين 2.5% إلى 3% لبقية دول قارة أفريقيا.

 

وقفز دخل الفرد في بوتسوانا ليصل إلى حوالي 6 أضعاف دخل الفرد في إفريقيا وحوالي 60% من دخل الفرد في العالم عام 1999، أما الديون الأجنبية فهى شبه معدومة بينما الاحتياطيات الأجنبية تغطي قيمة واردات بوتسوانا لسنتين. 

 

فحسب تقرير صندوق النقد الدولي سنة 2017 بلغت نسبة الدين العام لبوتسوانا حوالي 15% والدين الخارجي شبه معدوم حوالي 2.4 مليار دولار فقط.

 

ويعد الفضل في تصدر "بوتسوانا"  مؤشرات انعدام الفساد، النظام المصرفي الذي تعتمد عليه، إذ تشير تقارير اقتصادية إلى أن نظام بوتسوانا المصرفي  يعد الأكثر تقدما في أفريقيا، إذ تلتزم بالمعايير العالمية في الشفافية في السياسات المالية والرقابة المصرفية، ويوفر القطاع المالي الوصول إلى وفرة من القروض لأصحاب المشاريع.

 

وتشارك الحكومة في القطاع المصرفي من خلال المؤسسات المالية المملوكة للدولة وبرنامج خاص للحوافز المالية التي تهدف إلى رفع مكانة بوتسوانا كمركز مالي كما أن بورصة الأسهم في بوتسوانا في نمو مستمر.

 

 بالتأكيد ليست بوتسوانا بلد خالية من المشاكل، فعلى سبيل المثال هي تعاني من ارتفاع نسبة البطالة، ولكن ما نتحدث عنه هو تجربتها في مكافحة الفساد وكيف حولته إلى ثقافة شعبية حتى أنها تفوق على أقرانها من الدول العربية بعد أن كانت من أفقر الدول.

 

ويمكن الاستخلاص من تجربة "بوتسوانا" باعتبارها أفضل دولة أفريقية في مؤشر مدركات الفساد،  أن محاربة الفساد والشفافية لديهم دور كبير في تحقيق النمو الاقتصاد، وتحقيق التنمية للبلاد ونقل مؤشراتها إلى مصاف الدول وصدراتها بدلا من احتلالها أواخر المؤشرات.

 

ويقول أستاذ الاقتصاد في جامعة بوتسوانا الدكتور ماليبوغو باكوين "بينما لم تبرح دول أفريقية مكانها، وانطلقت دول أخرى مسرعة في الاتجاه الخطأ، وضعت بوتسوانا عجلاتها على السكة الصحيحة وفي الاتجاه الصحيح، ثم سارت حذرة تفاديا لأي حوادث، وكانت البداية من الدستور الذي أسس للحق في التملك، وحظر تأميم الملكيات الخاصة، ومنع أي تضييق على التجارة والتصدير ونقل الأموال. وليوحد ثماني قبائل بوتسوانية، وأسس مجلسا لزعماء القبائل".

 

وأشار باكوين، في تصريحات صحفية سابقة، إلى أنه كان الاتجاه العام للدول الأفريقية حينها هو تأميم الملكيات الخاصة ومصادرة ممتلكات الأجانب، وكانت النتائج غالبا مدمرة، فتحاشت بوتسوانا ذلك منذ البداية.

 

وأضاف :"أدرك المسؤولون خطر الفساد على كل الإنجازات السابقة،  فأعلنت الحكومة الحرب عليه، وأعلنت شعار "صفر تسامح مع الفساد".

 

ووفقا لمقال للدكتور هاني السلاموني الخبير بالأمم المتحدة، فإن تجربة بوتسوانا الحافل في الحكم الرشيد وفى التنمية الأقتصادية يمكن أن تكون مصدر إلهام لمصر في رحلتها نحو تنمية مستدامة، خاصة أنها واحدة من أعظم قصص نجاح التنمية في العالم.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان