رئيس التحرير: عادل صبري 07:04 مساءً | الاثنين 15 أكتوبر 2018 م | 04 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

تحليل| قمة العشرين بهانغتشو.. خطة التنمية الابتكارية

تحليل| قمة العشرين بهانغتشو.. خطة التنمية الابتكارية

اقتصاد

مستهلكون صينيون أثناء زيارة معرض السيارات في مايو الماضي

بقلم مبعوث الصين السابق للشرق الأوسط

تحليل| قمة العشرين بهانغتشو.. خطة التنمية الابتكارية

السفير ووسي كه مبعوث الصين السابق للشرق الأوسط 07 أغسطس 2016 13:34

تستضيف الصين قمة مجموعة العشرين في مدينة هانغتشو شرقي البلاد يومي الرابع والخامس من سبتمبر عام 2016... سوف يجتمع زعماء دول مجموعة العشرين والدول المدعوة من الصين كضيفة شرف ومسؤولي الهيئات الدولية في هانغتشو؛ لمناقشة التعاون الاقتصادي والتطورات الدولية.

يصف الصينيون هانغتشو بأنها "جنة على الأرض"، إذ تجمع هذه المدينة بين الأناقة الكلاسيكية والحيوية الحديثة، الأمر الذي يرفع سقف توقعات الناس من هذه القمة، التي يهتم العالم كله بها وبمدينة هانغتشو.

 

"التسونامي المالي" الذي ضرب العالم في عام 2008، فرض على كافة الدول تحديات اقتصادية ومالية، في ظل الحاجة إلى دفع التنمية العالمية، من أجل تعزيز التشاور والتنسيق السياسي، عقدت الدول المتقدمة والدول الناشئة أول قمة لمجموعة العشرين في العاصمة الأمريكية واشنطن عام 2008، فتأسست آلية مجموعة العشرين، وأصبحت قمة مجموعة العشرين أهم منتدى عالمي للتعاون الاقتصادي العالمي.

عززت دول المجموعة التعاون والتناسق فيما بينها في مجال سياسات الاقتصاد الكلي، وتقليل المخاطر القصيرة الأجل التي سببتها الأزمة المالية، وشكلت قوة جماعية لتنمية الاقتصاد العالمي. وحققت المجموعة إنجازات ملموسة في الإدارة العالمية منذ الأزمة المالية. صارت قمة مجموعة العشرين آلية فعالة لوضع برامج لحل القضايا.

عقدت القمة عشرات المرات، وهذه أول مرة تعقد في الصين. وقد أعربت الصين، حكومةً وشعبًا، عن ترحيبها وحماستها لعقد هذه القمة، حاليا، يمر الاقتصاد العالمي بمرحلة تحول هامة مفعمة بالفرص والتحديات. يدرك الناس أن فعالية الاعتماد على السياسات المالية والنقدية لتحفيز التنمية الاقتصادية تصبح أضعف يومًا بعد يوم؛ وفي ذات الوقت تختلف اتجاهات سياسات الاقتصادات الرئيسية، مما يجعل من الصعب على الاقتصادات الرئيسية تشكيل قوة جماعية. هذا فضلا عن تصاعد الحمائية التجارية العالمية، لذا، يظل أمام بناء نظام اقتصاد منفتح طريق طويل.

فعلى الرغم من انتعاش الاقتصاد العالمي إلى حد ما، ما زالت تنميته ضعيفة، ويواجه ضغوط تراجع كبيرة. في هذه المرحلة البالغة الأهمية، يعلق العالم آمالا كبيرة على القمة المرتقبة لمجموعة العشرين، على أمل أن تؤدي نتائج هذه القمة إلى تنشيط الاقتصاد العالمي.

جسر جديد للتبادلات الاقتصادية والتجارية

تولت الصين رسميا رئاسة قمة مجموعة العشرين في الأول من ديسمبر 2015. وفي ذلك اليوم، ألقى الرئيس شي جين بينغ كلمة شرح فيها بشكل شامل خطة الصين ورؤيتها تجاه انعقاد هذه القمة. قال الرئيس شي إن "بناء الاقتصاد الابتكاري والحيوي والمترابط والشامل" هو الموضوع الرئيسي للقمة، بجانب أربعة موضوعات فرعية هي: "إبداع نمط النمو الاقتصادي" و"رفع فعالية الإدارة العالمية للاقتصاد والمال" و"دفع التجارة والاستثمار العالمي" و"دفع التنمية الشاملة والمترابطة"، وقد نالت هذه الرؤية توافقا ودعما وتقديرا عاليا.

منذ تولي الصين رئاسة القمة، تم عقد اجتماع المنسقين ثلاث مرات، واجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية ثلاث مرات أيضا، فضلا عن عدة جولات لاجتماعات الفرق للتنمية والتجارة والاستثمار والتوظيف والطاقة والمنشآت التحتية وغيرها من المجالات الأخرى. وتم إعادة تشغيل فريق إدارة مؤسسة التمويل الدولية. وتنشأ فرقة متخصصة حول الابتكار والثورة الصناعية الجديدة والاقتصاد الرقمي. وقد أعربت الصين غير مرة عن رغبتها في إيلاء الاهتمام بالتحديات الجوهرية والقضايا العالقة، والبحث عن برامج الحل المشترك مع الأطراف المعنية عن طريق عقد قمة مجموعة العشرين. وتريد الصين حل القضايا مع الدول الأخرى من أجل تحقيق النمو المستقر، وحل القضايا الأساسية مع الدول الأخرى من أجل زيادة حيوية النمو الاقتصادي، ودفع تحول آلية مجموعة العشرين من آلية استجابة للأزمة إلى آلية للإدارة الطويلة المدى من أجل تعزيز تنمية الاقتصاد العالمي والتعاون بين دول العالم.

رؤية جديدة للاقتصاد العالمي

منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية، يتعمق اندماج اقتصاد الصين مع الاقتصاد العالمي، ويتزايد ويتعمق أساس اقتصادها الحقيقي مع تعاظم تأثيرها ودورها في نمو الاقتصاد العالمي. إن مبادرات مثل "الحزام والطريق" و"البنك الآسيوي للاستثمار في المنشآت التحتية" تعلق عليها دول العالم آمالا كبيرة لتحقيق الازدهار المشترك والتبادلات الفعالة. وأصبحت "رابطة المصير المشترك" التي دعت إليها الصين رؤية عامة في العالم، حيث إن الصين من الدول الناشئة الكبرى، ومن ثم فإن تأثيراتها الإيجابية أصبحت قوية. يتمتع اقتصاد الصين المندمج مع الاقتصاد العالمي بتأثير "سلسلة الصناعات الكلية" على اقتصاد العالم. إن هذا التأثير يتحول إلى "قوة محركة جديدة" لتطور العالم، ويؤثر على آفاق التنمية الاقتصادية العالمية تأثيرا عميقا على المدى المتوسط والطويل. ويمكن القول إن "الكلمات المفتاحية الأربع" لقمة مجموعة العشرين التي تستضيفها هانغتشو تمثل رؤية جديدة تطرحها الصين لإدارة الاقتصاد العالمي:

أولا، "الابتكار". تشجع الصين استثمار الشركات والأفراد وتحمي حقوق الملكية الفكرية، وتشجع على ابتكار نماذج عمل خلال تعميم التكنولوجيا الجديدة ودفع مسيرة تسويق التكنولوجيا. ابتكار الصين سوف يساعد في بناء "نظام الابتكار العالمي" ويوفر قوة محركة أساسية لنمو الاقتصاد العالمي باستمرار.

ثانيا، "الحيوية". تشارك الصين إيجابيا في بناء آلية مجموعة العشرين ومجموعة دول بريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا) ومنظمة شانغهاي للتعاون وغيرها، وتدفع مفاوضات اتفاقيات التجارة الحرة مع الدول الشريكة الرئيسية لبناء شبكة مناطق تجارة حرة عالمية، وتشارك الصين في جهود التصدي للأزمة المالية، ودعت إلى إنشاء البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية من أجل ملء فراغ الاستثمار للمنشآت التحتية في آسيا. كل ذلك يعمق الانطباعات الدولية عن الصين كدولة تتحمل المسؤولية، ويجعل الناس يشعرون بآمال وحيوية الاقتصاد العالمي في المستقبل.

ثالثا، "الترابط". يحتل إجمالي حجم التجارة الصينية المركز الأول في العالم، وتشهد نسبة حجم الواردات والصادرات ونسبة التدفقات المالية الثنائية الاتجاه ارتفاعا متواصلا. وطرح مبادرة "الحزام والطريق" يهدف إلى دفع التدفق الحر والمنتظم للعناصر الاقتصادية، وتوزيع الموارد الفعالة وتعميق اندماج الأسواق، ودفع تناسق السياسات الاقتصادية للدول الواقعة على طول الحزام والطريق، وتعزيز التعاون الإقليمي على نطاق أوسع ومستوى أعلى. إنها تتفق مع تيار العصر وهي قوة محركة لتعزيز النمو الاقتصادي العالمي.

رابعا، "الشامل". تدفع الصين التطور الشامل والمترابط، وتطبق خطة عمل 2030 للتنمية المستدامة للأمم المتحدة، لكي تجعل الشعوب تتمتع بإنجازات التطور وتحقق التنمية المستدامة للاقتصاد العالمي.

آفاق جديدة لاقتصاد الشرق الأوسط

الدول العربية مجموعة هامة من الدول النامية، لها مكانة هامة في شؤون الاقتصاد والسياسة في العالم. على قمة مجموعة العشرين أن تظهر متطلبات الدول العربية أيضا. السعودية، وهي من دول مجموعة العشرين، أصدرت في إبريل 2016 "الرؤية السعودية 2030"، هذه الرؤية تهدف إلى تقليل اعتماد السعودية على النفط، وتضع خطة عظيمة لتحول الاقتصاد السعودي وتعدديته. أحد أهداف "الرؤية" هو رفع نسبة خصخصة الاقتصاد من 40% إلى 65%، وتتناول صناعة السياحة واستثمار التصنيع والرعاية الصحية والتعليم وغيرها من الصناعات الأخرى. صناعة التصنيع من دعائم "الرؤية".

وفي الوقت ذاته، تشير "الرؤية" إلى القضايا التي تواجهها السعودية في هذه العملية. لذا، فإن كيفية صياغة وتطبيق سلسلة السياسات التي تحول "الرؤية" إلى "حقيقة" مهمة عظيمة. "الرؤية السعودية 2030" ليست خطة تنمية وطنية فحسب، وإنما أيضا إصلاح يتفق مع احتياجات الشعب السعودي. لقد بدأ العمل في مصفاة النفط في ينبع السعودية التي تشارك شركة صينية في بنائها. سوف تساعد هذه المنشأة البتروكيماوية في رفع مستوى التصنيع وقدرة التطور الذاتية للسعودية. بالإضافة إلى ذلك، يقوم الجانب الصيني ببناء حديقة صناعية في سلطنة عمان وبناء مدينة الحرير في الكويت.

وفي نفس الوقت، فإن مشاركة مصر كدولة ضيفة في قمة هانغتشو لمجموعة العشرين، لا يعكس مكانة مصر كدولة كبرى في العالم العربي فحسب، وإنما أيضا يساعد مصر في تعزيز التعاون المتبادل مع أعضاء مجموعة العشرين. خلال السنوات الأخيرة، مع تطور الصين والدول العربية، يتوسع محتوى العلاقات الصينية- العربية بشكل متواصل.

حاليا، أصبحت الصين أكبر شريك تجاري لعشر دول عربية، وتجاوز حجم التبادل التجاري الصيني- العربي مائتي مليار دولار أمريكي. تحصل الصين على نصف وارداتها النفطية من الدول العربية، ويتزايد حجم الاستثمار الصيني في الدول العربية. العلاقات الصينية- العربية لديها حيز وإمكانيات تطور كبيرة. رابطة المصالح المشتركة بين الصين والدول العربية تقوى تدريجيا على أساس الصداقة التقليدية. في عملية دفع بناء "الحزام والطريق"، الصين تعتبر الدول العربية أهم شريك استراتيجي، وترتفع باستمرار مكانة الدول العربية في سياسة الصين الخارجية.

 

وهناك خمس دول عربية وقعت اتفاقات تعاون مع الصين لبناء "الحزام والطريق"، وسبع دول عربية انضمت إلى البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية الذي دعت الصين إلى إنشائه وصارت أعضاء مؤسسة، وثمان دول عربية أقامت شراكة استراتيجية مع الصين. وفي ظل الوضع الجديد، فإن الصين والدول العربية ليست فقط أفضل شركاء تعاون في بناء "الحزام والطريق" وتحقيق التطور والنهضة المشتركة، وإنما أيضا سوف تحمي مصالحها المشتركة وتدفع مسيرة دمقرطة العلاقات الدولية.

تعزيز صوت الدول النامية

تختلف آلية مجموعة العشرين عن آليات التعاون التقليدية. هنا، تجلس الدول المتقدمة والدول النامية معا، تناقش وتقرر معا على قدم المساواة شؤون الاقتصاد الدولية، الأمر الذي يمثل تغيرا كبيرا لهيكل الاقتصاد العالمي ويتفق مع تيار تطور العصر، وهذا تقدم تاريخي. من عام 2008 إلى عام 2016، مضت ثماني سنوات فقط، تحولت خلالها الصين من دولة مشاركة إلى دولة مضيفة، وهذا يثبت أن الصين كأكبر دولة نامية سوف تلعب دورا أكثر أهمية في دفع تنمية الاقتصاد العالمي.

عن دور الصين في تنمية الاقتصاد العالمي، قال كبير الباحثين في معهد بروكسل لدراسات الصين المعاصرة، دنكان فريمان: "هيكل الاقتصاد العالمي شهد تغيرات كبيرة، إذ تنهض الدول النامية، وتصبح قوى لا يستغنى عنها في دفع تنمية الاقتصاد العالمي. باعتبار الصين أكبر دولة نامية والاقتصاد الناشئ الأسرع تطورا، يمكن للصين أن تلعب دورها الفريد في مجموعة العشرين." وأضاف: "قمة مجموعة العشرين في هانغتشو تساهم في تعزيز التفاهم المتبادل بين الدول المتقدمة والدول النامية، وتشيد جسر تعاون وتبادل بينهما. هذه أول مرة تعقد قمة مجموعة العشرين في الصين، الأمر الذي يجسد توسع تأثير الصين وصوتها في موضوعات الاقتصاد العالمي."

يعتقد العديد من العلماء والباحثين أن الصين كدولة مضيفة تجعل فريق مؤسسة التمويل الدولية يلعب دوره مرة أخرى، وتواصل دفع إصلاح صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وكلها خطوات تتفق مع متطلبات واقعية في مجال الإدارة المالية.

وتطرح الصين وتشارك في العديد من المبادرات البناءة في مجالي تعزيز الإدارة المالية وإضافة قوى محركة جديدة للاقتصاد العالمي، بما فيها إنشاء بنك التنمية لدول بريكس وتأسيس البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية وطرح مبادرة بناء "الحزام والطريق". هذه الإجراءات سوف تساهم في كسر احتكار الدول المتقدمة للإدارة المالية العالمية وتوسع حيز تنمية اقتصاد الدول النامية. إن الوضع الاقتصادي والسياسي العالمي المعقد يحتاج إلى نظام إدارة عالمية أفضل، وعلى الدول النامية أن تلعب دورا أكبر فيه.

بناء آلية "الديمقراطية التداولية" في الإدارة العالمية

بفضل جهود الصين، قررت قمة مجموعة العشرين وضع قضية التنمية في مكان بارز في إطار السياسات الكلية العالمية لأول مرة، ووضعت لأول مرة خطة عمل نظامية لتطبيق برنامج عمل 2030 للتنمية المستدامة. وبجانب ذلك، تهتم الصين برفع تمثيل الدول النامية، ووجهت الدعوة لأكبر عدد من الدول النامية للمشاركة في القمة، وتجري سلسلة من حوارات الأطراف.

وهذه القمة سوف تكون قمة مفتوحة وشاملة ومتنوعة، وسوف تدفع وضع خطط العمل أو مبادرات التعاون في مجالات المال الأخضر والتمويل الشامل والاستثمار والمنشآت التحتية والطاقات التقليدية والطاقة المتجددة وفعالية استخدام الطاقة والأمن الغذائي، من أجل دفع التعاون الاقتصادي العالمي المشترك وتعزيز إدارة الاقتصاد العالمي.

في عصر العولمة، توفر "الديمقراطية التداولية" منصة إدارة مشتركة للاقتصاد العالمي. ظلت الصين تدعو إلى حل القضايا الدولية وإدارة الشؤون الدولية عبر المناقشات بين كل الدول بصورة متساوية، من أجل تحقيق دمقرطة العلاقات الدولية. منذ اندلاع الأزمة المالية في عام 2008، تشارك الصين في بناء آلية الإدارة الاقتصادية العالمية المتعددة بصورة مستمرة، وتقدم أفكارا وبرامج كثيرة لتحقيق انتعاش الاقتصاد العالمي.

وإن قواعد الديمقراطية التداولية التي تلتزم بها قمة مجموعة العشرين، تعتبر ميزة وتفوقا للسياسة الديمقراطية الصينية. ويمكن القول إن آلية مجموعة العشرين، تتيح للصين، إلى حد كبير، المشاركة في الإدارة الاقتصادية العالمية عن طريق استخدام الديمقراطية التداولية الذاتية. تساعد الديمقراطية التداولية في تعزيز إرادة الدول المختلفة في تنسيق السياسات الكلية، وتحسين شفافية السياسات وتجنب الآثار الجانبية السلبية. هذا يساعد الصين في توظيف تفوقاتها وتقديم المساهمات في دفع بناء الديمقراطية التداولية للإدارة الدولية.

اقرأ أيضا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان