رئيس التحرير: عادل صبري 10:15 مساءً | الخميس 18 أكتوبر 2018 م | 07 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

خضراء * زرقاء

14 مايو 2015 19:00



جميلةٌ هي ألوانُ العيون سواء كانت بنية أو سوداء أو خضراء أو حتى وزرقاء، ولكني هنا لا أتحدّث عنها، ولا أتحدَّث عن ألوان قماش ونسيج؛ إنّما أتجاوز ذلك للحديث عن ألوانٍ ارتبطت بحياة أهل فلسطين الذين يقطنون الجبال والسهول ويشكلون التجمعات في القدس والأراضي المحتلة والضفة الغربية.


فبعد حرب 67 وما قبلها بقليل، عمِل الاحتلال على منح مَن تبقوا في الأراضي المحتلة والقدس هوياتٍ وإقامات واجهها الأهالي بقوة ورفضوها، حتى منحها الاحتلال ووزعها وفقًا للإحصاء دون صور، وهذه البطاقات تحمل الجنسية الإسرائيلية للمقيمين في أراضي الـ 48، بينما مَن في القدس لم يُمنَحوا جنسية على اعتبار أن أراضي الـ الـ 48 هي أراضي دولة صهيونية ومواطنيها هم مواطني الدولة، والذين شملتهم خدمات التعليم والصحة وأثروا في ثقافتهم، مع منع تراخيص البناء والتشديد على تملك الأراضي، بالإضافة إلى التأمين والعمل والتجنيد وخدمات أخرى.


أما أهل القدس فهم مواطنوا دولة غير إسرائيليين، وتشملهم الخدمات كافة باستثناء التجنيد. في المقابل فإن أهل الضفة الغربية ووفقًا لحكم الارتباط المدني الصهيوني للمناطق منحوا هويات خضراء تميزهم عن غيرهم، وهي ليس لها امتيازات سوى تحديد مكان الإقامة والجنسية، مع حق العمل باستصدار تصريح للدخول إلى الأراضي المحتلة.


عملَت هذه الهويات ولو بشكلٍ غير علنيّ على التفريق بين أهل البلد الواحد، كأنّ مَن يملك الزرقاء هو من طبقة أرستقراطية صاحب مال وأملاك وقدرة على التحرك، وصاحب الخضراء بعكسه، وفي فترات متفاوتة كانت الزرقاء كأنها علامة انتقاص وإشارة لانتماء الفلسطيني إلى عدوه!

ورغم ما أحدثته فروق الامتياز، إلا أنّ المجتمع استمر في توطيد العلاقات والتزاوج ولأسبابٍ عدّة، وشمل التبادل التجاري والانتقال للعيش بين الضفة والـ 48، وحتى التوسع في الأملاك، واستمرّ هذا الحال حتى عام 2004 و2005، حيث شهدا تصاعدًا في عملية سحب الهويات الزرقاء لوجود استشهاديين في سجل العائلات أو لإقامة العائلات خارج حدود القدس والـ 48، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل حدا بالاحتلال إلى انتهاج سياسة تحد من زواج مختلفي الهويات، وكان ذلك برفع سن المرأة والرجل الذي يسمح بتقديم طلب لمِّ شمل، خصوصا وأن الزواج يجري غالبًا في سن بين 18-30، وقد رُفِعَ سن المرأة صاحبة الهوية الخضراء المسموح لزوجها بتقديم طلب لم شمل إلى 25 عامًا، وفي المقابل مَن تكون صاحبة هوية زرقاء وتقترن برجل صاحب هوية خضراء أو من الضفة فإنه يمكنها أن تقدم له الآن ويتم فحص ملفه الأمنيّ وقد يُمنَح إقامة حتى سنّ 35 وبعدها يتحسَّن وضعه بضمان حسن سلوكه!


هذا الحال اضطر الكثيرين للعزوف عن الزواج مختلط الهويات ليوفِّروا على أنفسهم معاناة مراجعة الداخلية والإجراءات المختلفة وكذلك تفادي الاضطرار لنقل الإقامة السكنية لمنطقة ضمن حدود الاحتلال والأراضي المحتلة، حتى أصبح من شروط الزواج: الجمال والمال والهوية والنسب ثم الدين والذي يغيِّبه الكثيرون في مقابل الشروط الأخرى! 

ويبدو هذا أساسيًا لدى الباحث عن الزوجة أكثر مما هو من جانب المرأة والتي تضطر للتضحية وتحمل العناء في مقابل نجاح زواجها واقترانها بصاحب الدين، وإني أؤكد على أنّ المرأة هي عنوان المراحل وصمام الأمان في الصراع المتنامي مع الاحتلال الصهيوني، وبناء الأسرة المسلمة.


أما فرص العمل في الأراضي المحتلة بعد عام 2005 تدنت كثيرًا، وذلك للفحص الأمني وتوفير البطاقات الممغنطة، ويبدو أنّ معظم شعبنا في سجله مَن قاموا بعمليات معادية للاحتلال، وقد ساعد على تدني فرص العمل كذلك تقارير العملاء وغيرة العمال.


لا يتوقف الأمر هنا، فإنّ الحواجز والمعابر على طول الضفة الغربية تشهد أيضا تدافعًا بين اللونيْن هو في حقيقته تدافع ثقافيّ أيضا وعقدي، يُمنَح صاحب الزرقاء تسهيلات في مقابلها يًمنَع صاحب الخضراء من المرور إلا بتصريح، وهذا التصريح لا يسري في أيام الإغلاق والأعياد الصهيونية احترازًا!

وإن كنتَ لا تحمل هذه أو تلك فأنتَ موقوفٌ أو مضطر لسلوك الطريق الوعر والاضطرار للتهريب مثلك كمن يحمل هوية خضراء، ويشتد الأمر في رمضان من كل عام، وقيسوا ذلك على الأعياد والمناسبات التي تجعل العائلات المتفرقة يصعب اجتماعها إلا بتجاوز العادات والإتيان بجديد.

ولا نغفل عن ذكر أن صاحب الهوية الزرقاء يُمنَع من المرور عبر الحواجز الخاصّة بأهل الضفة كالحاجز الفاصل بين العبيدية وأبو ديس والمُسمَّى Container "الكونتينر" وهو يفصل الجنوب عن الشمال، وإن كان ليس أسوأ من حوارة على نابلس؛ إلا أنّ مَن يُضبَط حاملًا الزرقاء يتم إرجاعه رغمًا عنه!

وهي حالة من تبادل الأدوار وتقاسم المعاناة وترسيخ التفرقة بإنشاء تجمعات مقطعة الأوصال ومبتورة الأنسجة.


هذه حالة عامة لا يمكن تخصيصها وتضييقها ولا تعميمها بالمطلق، ولكن مَن يحيا هذه الظروف ويضطر للتنقل ويُعايش عائلات مختلطة الهويات يُدرِك أكثر مما ذُكِر.


وهناك ما يؤثر في حياة الفلسطيني أكثر من ذلك، فقد ظهرت نعرات جديدة في المجتمع ليس آخرها التفريق بين ابن المخيم والمدينة أو القرية، فلدينا الآن التفريق بين "العائد" و "اللاجيء"، ولا زال هناك أثر في الشمال للتفريق بين مَن هم ضمن أراضي الـ 48 ومَن هم شرقي المنطقة وراء الجدار!


هذا واقع لا مفرَّ منه، التعاطي معه يعتمد على نوع الثقافة السائدة، وطبيعة رد الفعل الناشىء تجاه كل حدث، ويُضَاف إليها تعامل المسؤولين في الحكومات والوزارات مع كل ظاهرة منها.


تبقى حاجة أهلنا في فلسطين للحديث عما يؤرقهم وعما يؤثر فيهم متنامية، وعدم وجود أو إيجاد ما يستوعبها ويوظفها ويؤثر في توجهها له سلبيات مع تفاقمها لن تبقى راكدة وستظهر إلى السطح ليس ببعيد.

---------



---------

المصدر - شبكة فلسطين للحوار 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان