رئيس التحرير: عادل صبري 12:02 مساءً | الاثنين 22 أكتوبر 2018 م | 11 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 33° صافية صافية

المؤاخاة .. في ظلال الهجرة!

المؤاخاة .. في ظلال الهجرة!

مفاهيم

المدينة المنورة

المؤاخاة .. في ظلال الهجرة!

محمد شعبان أيوب 23 ديسمبر 2015 12:13

جاء المهاجرون من مكة للمدينة وهم مثقلو الهموم، عليهم وعثاء السفر، ومشقة الرحيل، وبعد عن الأهل والخلان، لكن الإيمان يرتفع فوق هذه البلايا الجزئية التي ما تلبث أن تزول، ولن يبقى إلا الأجر والجزاء؛ وبالرغم من ذلك فقد واجه المهاجرون مشاكل متنوعة، اقتصادية واجتماعية وصحية. فمن المعروف أن المهاجرين تركوا أهليهم ومعظم ثرواتهم بمكة، كما أن مهاراتهم كانت في التجارة التي تمرست بها قريش، ولم تكن في الزراعة والصناعة، وهما تشكلان أساسين مهمين في اقتصاديات المدينة[1].

وبدأ المهاجرون حياتهم في مجتمع جديد ولديهم إحساس بالحنين والوحشة إلى بلدتهم (مكة)، كما أدى اختلاف مناخ مكة عن المدينة إلى إصابتهم بالحمى، فدعا النبي (صلى الله عليه وسلم) ربه أن يرزق أصحابه حب المدينة كحبهم لمكة؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "لما قدم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) المدينة وُعك أبو بكر وبلال، فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:

كُلّ امْرِئٍ مُصَبّحٌ فِي أَهْلِهِ ... وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ[2]


وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته يقول:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بوادٍ وحولي إِذْخر وجليل
وهل أردن يومًا مياه مِجنَّة ... وهل يبدون لي شامة وطَفِيل[3]


وقد دعا (صلى الله عليه وسلم) على قريش قائلاً: "اللَّهُمَّ الْعَنْ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، كَمَا أَخْرَجُونَا مِنْ أَرْضِنَا إِلَى أَرْضِ الْوَبَاءِ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): "اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَفِي مُدِّنَا، وَصَحِّحْهَا لَنَا وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ". قَالَتْ: وَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَهِيَ أَوْبَأُ أَرْضِ اللَّهِ. قَالَتْ: فَكَانَ بُطْحَانُ يَجْرِي نَجْلاً. تَعْنِي مَاءً آجِنًا[4].

ولم يترك الأنصارُ إخوانهم المهاجرين يشعرون بالوحشة والغربة، بل تحركت مشاعر الإيثار بداخلهم فعرضوا على النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يقسم ما يملكون من نخيل بينهم وبين المهاجرين؛ فيُروى عن أبي هريرة قال: قالت الأنصار للنبي (صلى الله عليه وسلم): اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل.

قال: "لاَ".
قالوا: تكفوننا المئُونة، ونشرككم في الثمرة؟
قالوا: سمعنا وأطعنا[5].

واستمرت مشاعر المؤاخاة بين أفراد المجتمع من مهاجرين وأنصار في تزايد مستمر، فيذكر صاحب سبل الهدى والرشاد: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لما تحول من بني عمرو بن عوف في قباء إلى المدينة المنورة تحول أصحابه من المهاجرين، فتنافست فيهم الأنصار أن ينزلوا عليهم حتى اقترعوا فيهم بالسهمان، فما نزل أحد منهم على أحد إلا بقرعة سهم[6]. كما أعلن الأنصار أنهم يهبون الرسول (صلى الله عليه وسلم) كل فضل في خطط بلدهم وقالوا له: إن شئت فخذ منا منازلنا. فقال لهم خيرًا وخطَّ لأصحابه في كل أرض ليست لأحد أو موهوبة من الأنصار[7].

وكانت عواطف الإيثار والمواساة والمؤانسة تمتزج في هذه الأخوة، وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال[8]؛ لكن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يترك الأمر للعواطف فقط بل وضع أسسًا تنظيمية للمؤاخاة؛ حرصًا منه على تنظيم المجتمع المدني، فقد روى البخاري: أنهم لما قدموا المدينة آخى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، فقال سعد لعبد الرحمن: أُقَاسِمُكَ مَالِي نِصْفَيْنِ وَأُزَوِّجُكَ. قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ. فَمَا رَجَعَ حَتَّى اسْتَفْضَلَ أَقِطًا وَسَمْنًا، فَأَتَى بِهِ أَهْلَ مَنْزِلِهِ، فَمَكَثْنَا يَسِيرًا أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ فَجَاءَ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ r: "مَهْيَمْ"[9]. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ. قَالَ: "مَا سُقْتَ إِلَيْهَا؟" قَالَ: نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: "أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ"[10].

وما ورد في كتب السيرة عن تنظيم المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار يدل دلالة واضحة على أن النبي r لم يترك مهاجرًا بلا إخاء بينه وبين أنصاري، وهذا العمل المؤسسي المنظم الذي قام به النبي (صلى الله عليه وسلم) كان سببًا في زيادة أواصر المحبة والألفة والتعاون والتكافل بين أفراد المجتمع، فقد تلقَّى الأنصار أوامر الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالإخاء بفرح عميق، وفتحوا قلوبهم ودُورهم لرفاقهم في العقيدة، وتكرر ما حدث من إيثار بين عبد الرحمن بن عوف (رضي الله عنه) وبين سعد بن الربيع؛ فيُروى في عيون الأثر أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد آخى "زيد بن حارثة وأسيد بن الحضير أخوين؛ وهو حسن إذ هما أنصاري ومهاجري، وأبو بكر بن أبي قحافة وخارجة بن زيد بن أبي زهير أخوين، وعمر بن الخطاب وعتبان بن مالك أخوين، وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن معاذ أخوين، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع أخوين، والزبير بن العوام وسلمة بن سلامة بن وقش أخوين، وعثمان بن عفان وأوس بن ثابت بن المنذر أخوين، وطلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك أخوين، وسعيد بن زيد وأبيّ بن كعب أخوين، ومصعب بن عمير وأبو أيوب خالد بن زيد أخوين، وأبو حذيفة بن عتبة وعباد بن بشر أخوين، وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان أخوين ... "[11].

ولقد بلغ من تأكيد الرسول (صلى الله عليه وسلم) على المؤاخاة أن ميراث الأنصاري كان يئُول بعد وفاته إلى أخيه المهاجر بدلاً من ذوي رحمه من الأخوة أو الأبناء أو النساء، واستمر ذلك حتى موقعة بدر التي حظي المسلمون فيها بمقادير لا بأس بها من الغنائم، فأنزل الله تعالى: "وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائكُم مَعْرُوفَا، كَانَ ذَلِكَ فِي الكِتَابِ مَسْطُورَا[12]،  فعاد التوارث سيرته الأولى[13].

وقد أثرت هذه المعاملة الكريمة في نفوس المهاجرين فلهجت ألسنتهم بكرم الأنصار. فعن أنس قال: قال المهاجرون: يا رسول الله، ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلاً في كثير، لقد كفونا المئونة، وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله. قال: "لاَ مَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ وَدَعَوْتُمُ اللَّهَ لَهُمْ"[14].

لقد كانت هذه المؤاخاة تجربة فريدة رائدة في تاريخ التكافل الاجتماعي الإغاثي، نحسب أنها لن تتكرر في التاريخ أبدًا بهذه الصورة، وهي تعكس بوضوح قناعة التشريع الإسلامي بحتمية التكافل بين أفراد المجتمع الواحد حتى يصل في النهاية إلى استقرار طبيعي غير متكلف.

ولم يقف المجتمع الإسلامي الجديد عند حد المؤاخاة العملية فقط - رغم أهميتها وضرورتها - بل شرع النبي (صلى الله عليه وسلم) في تقنين العلاقة بين المؤمنين، فأعدَّ مشروعًا تكافليًّا عظيمًا يحدد العلاقة بين المؤمنين من مهاجرين وأنصار، وقد ذكر ابن سيد الناس في عيون الأثر: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كتب كتابًا بين المهاجرين والأنصار، ووادع فيه يهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ النّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم)، بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَيَثْرِبَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ فَلَحِقَ بِهِمْ وَجَاهَدَ مَعَهُمْ أَنَّهُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ دُونِ النَّاسِ،... وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لاَ يَتْرُكُونَ مُفْرَحًا[15] بَيْنَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ بِالْمَعْرُوفِ فِي فِدَاءٍ أَوْ عَقْلٍ، وَلا يُحَالِفَ مُؤْمِنٌ مَوْلَى مُؤْمِنٍ دُونَه وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتّقِينَ عَلَى مَنْ بَغَى مِنْهُمْ أَوِ ابْتَغَى دَسِيعَةَ[16] ظُلْمٍ أَوْ إِثْمٍ أَوْ عُدْوَانٍ، أَوْ فَسَادٍ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهِ جَمِيعًا وَلَوْ كَانَ وَلَدَ أَحَدِهِمْ..."[17].

فكانت هذه الوثيقة إيذانًا بمولد مجتمع متكافل عمليًّا ودستوريًّا، فالنبي r قد علَّم ودرَّب الصحابة على معنى التكافل عمليًّا عندما غرس فيهم المؤاخاة الحقة، ثم قنَّن هذه المؤاخاة بدستور يحفظها.

 


[1] أكرم العمري: السيرة النبوية الصحيحة ص241.
[2] ابن هشام: السيرة النبوية 1/ 588.
[3] علي بن برهان الدين الحلبي: السيرة الحلبية 2/ 282.
[4] البخاري: أبواب فضائل المدينة، باب كراهية النبي (صلى الله عليه وسلم) أن تعرى المدينة (1790)، ومالك برواية يحيى الليثي (1580)، وأحمد (24405)، والنسائي في سننه الكبرى (7495).
[5] البخاري: كتاب المزارعة (2200).
[6] الصالحي الشامي: سبل الهدى والرشاد 4/ 325.
[7] ابن سيد الناس: عيون الأثر/258.
[8] محمد الغزالي: فقه السيرة ص138.
[9] أي: ما حالك؟
[10] البخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب إخاء النبي (صلى الله عليه وسلم) بين المهاجرين والأنصار (3570).
[11] ابن سيد الناس: عيون الأثر 1/ 265-276.
[12] (الأنفال: 75).
[13] عماد الدين خليل: دراسة في السيرة ص126.
[14] الترمذي: كتاب صفة القيامة والزهد والورع (2487) وقال: صحيح حسن.
[15] المفرح: المثقل بالدين والكثير العيال.
[16] أي: طلب دفعًا على سبيل الظلم، ويجوز أن يراد بها العطية.
[17] ابن سيد الناس: عيون الأثر 1/ 261،262، وانظر: البيهقي: السنن الكبرى (16147).

 


اقرأ المزيد:
تضحيةٌ في طريق الهجرة!
السيرة والتأريخ لحدث الوحي

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان