رئيس التحرير: عادل صبري 09:53 صباحاً | الثلاثاء 16 أكتوبر 2018 م | 05 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

في علموية التأريخ (2)

في علموية التأريخ (2)

مفاهيم

في علموية التاريخ

في علموية التأريخ (2)

أحمد لطفي 15 ديسمبر 2015 14:59

(التاريخ-1" target="_blank">الجزء الأول)

توطئة واجبة

كل ما نتناوله بالمناقشة والنقد خصوصا في مبحث خوارم المروءة وضوابط العدالة في المنهج التأريخي العربي لا علاقة له البتة بمكانة تلك المباحث أو فعاليتها المُجربة في مناهج الجرح والتعديل الحديثية. إنما نناقش بالأصل صحة التساوق من خلال التمييز بين علوم الجرح والتعديل وبين منهج التأريخ. فالأولى علوم تتعلق بنقد وتمحيص الأصول والبحث في صحة نسبتها إلى النبي الأمين من خلال طريقين يوصلان الباحث/المحدث إلى الطريق المحسوس المقصود من السالك (هدي النبي) من خلال أدوات منهجية تمكن المُحدث من تتبع تسلسل الإسناد وتزامن اتصال رجالاته وصولا إلى النبي. والثاني هو نهاية الأول، فهو ما انتهى إليه السند من قول أو فعل أو تقرير للنبي صلى الله عليه وسلم. وكلا الطريقين ينتظمان ويتصلان ويلتحق بهما معارف فرعية كعلم الرجال وغيره. والمميز لتلك المعارف أنها علوم داخلية إسلامية يتحتم على المشتغل بها الانتساب والانتماء إلى تحيز معرفي قبلي نابع من الإيمان بالنبوات، ويتحتم عليه أيضا الخضوع لأحكام الحس المشترك، بينما لا تتوافر تلك المزايا في منهج التأريخ، فهو لا يتطلب تحيزا معرفيا قبليا، ولا يخضع لأحكام الحس المشترك، بل يخضع لخصائص المنطق الأرسطي ولوازمه المساهمة رأسا في تقنينه والتي يمكن تواجدها بصور متعددة في المناهج الحديثية، إلا أن صلاحيتها وفاعليتها كما سبق قاصرة على الحديث وعلومه ولا تتعداه لما فيه من خصوصية وفردانية.

ويجدر بنا الإشارة الآن إلى المجهود البشري الجبار الذي 
قام به رواد المدارس الحديثية الذي قد أسهم بصورة مباشرة وغير مباشرة في صعود علم المناهج (Methodology) الغربي في نسقيته الصورية. فها هو أسد رستم أستاذ علم المناهج في جامعة بيروت العربية يروي التشابه النسقي بين قواعد علم الحديث وقواعد علم التاريخفها هو المبتعث إلى جامعة شيكاغو والمطلع على مناهج الغرب التأريخية والبيداغوغية يقول(1):

"كنت من الوافدين على دمشق بمناسبة مرور 1000 عام على وفاة المتنبي. 
أقمت بها مدة من الزمن أقلب في مخطوطات المكتبة الظاهرية. وما إن بدأت العمل حتى أيقنت أنني أمام أعظم مجموعة لكتب الحديث النبوي في العالم. ففي خزائن تلك المكتبة عدد لا يستهان به من أمهات المخطوطات في هذا العلم. وفيها اطلعت على نسخة قديمة نفيسة من رسالة القاضي عياض في علم المصطلح كتبها ابن أخيه لعام 595 من الهجرة. وقد كنت قرأت عنها في كتب المصطلح. فنسختها بالفوتوستات ودرستها فإذا هي أنفس ما صُنف في موضوعها"

ويقول:


"والواقع أنه ليس بإمكان أكابر رجال التاريخ اليوم أن يكتبوا أحسن منها في بعض نواحيها رغم مرور سبعة قرون عليها. فإن ما جاء فيها من مصادر الدقة فى التفكير والاستنتاج تحت عنوان (تحري الرواية والمجيء باللفظ) يضاهي ما ورد في الموضوع نفسه في كتب الفرنجة في أوروبا وأمريكا"

ويتابع قائلا:

"والواقع أن الميثودولوجية الغربية التي تظهر لأول مرة بثوب عربي ليست غريبة 
عن مصطلح الحديث" كما أن "القواعد التي وضعها الأئمة للتوصل إلى الحقيقة في الحديث تتفق في جوهرها مع بعض الأنظمة التي أقرها علماء أوروبا فيما بعد في بناء علم الميثودولوجيا"

وهذا 
التأكيد، وتلك التوطئة الواجبة، هي للتمييز بين احترامنا العميق للمجهود الإنساني المنهجي البحثي الجبار الذي قام به رجالات الحديث، وبين التشكك والريبة والتحفظ والنقد والرفض لما قام به بعض المؤرخين والفقهاء من سحب قواعد علم الجرح والتعديل بخصائصها إلى مجال الرواية التاريخية والأهلية الشرعية للشهادة المبنية على آراء بالية مستندة على أعراف بائدة فيها تحكم ورأي مرذول. لا نناقش صحة التساوق بل نناقش الاستغراق والتأزم والاختراع والقول في دين الله بالرأي والافتئات على منهج التأريخ الموضوعي بما يسمى خوارم المروءة، وما يستتبعها من قدح في العدالة وضوابطها، وما يمثله ذلك المنهج من مخالفة لأبسط قواعد المنطق الصوري وقواعد الاحتمال.
 

خوارم المروءة وضوابط العدالة في منهج التأريخ العربي

كانت خوارم المروءة الثمرة المباشرة الناتجة عن سحب قواعد الجرح والتعديل إلى خارج مسارها الطبيعي ودورها المرسوم القائم على ضرورة بحث الاتصال العلّي للإسناد المتمثل في دراسة الحلقات الناظمة لعقده من (الرجال). كانت تلك القواعد استقرائية في معظمها من الآيات والأحاديث التي تحدد علائم الصلاح والفساد. وكان الوصول من تلك الآيات المفردة والأحاديث إلى قانون مستنبط يرافقه نوع من الخبرة الذاتية من المٌحدث برجال عصره وصفاتهم. كانت تلك الخبرة مكنونة ومتسقة مع التحيز القبلي المعرفي الذي تنتمي إليه. كان سياق تلك القواعد هو سياق التوالد الذاتي للمعرفة من مفردات الاستقراء. وكما أشرنا أن العلوم الداخلية لا مجال لمقارنتها وتساوقها مع العلوم الطبيعية والإنسانية واللغوية لاختلاف السياق الحاكم واختلاف الإطار المرجعي واختلاف نوع المعارف. فلازم ذلك هو فساد التساوق المناهجي الكامل للجرح والتعديل مع منهج التأريخ.

كان الاعتماد على الخوارم القادحة في العدالة غير قاصر على التأريخ 
بل يتعداه إلى الحياة العامة والأهلية القضائية الشرعية وغيرها. وكان ذلك التساوق وذلك التحكم قائما بالأساس على أقيسة فاسدة من مقدمات فاسدة تولد استقراءات ناقصة، وهو ما سنتناوله بالتفصيل. كان فساد مقدمات الاستقراء وحدوده سببا مباشرا في فساد نتائجه ومحمولاته القائمة في الغالب على القياس المختلف في حجيته وضوابطها وتراتبها مع بقية مصادر التشريع وأصوله عند أهل السنة والجماعة. وهي لا تستند رأسا إلى كتاب أو سنة. وخلا المنكرات والمحرمات الظاهرة كان القول بالرأي والقياس هو المعتمد في اشتراط ضوابط المروءة وعلاقتها بالعدالة. وقد رد ابن حزم ذلك الاشتراط المبني على القياس، وهو ما سنتناوله لاحقا. إلا أننا آثرنا أن نناقش مطلوب الدعوى، ألا وهو ارتباط خوارم المروءة بضابط العدالة المفترض في الشاهد: "وأشهدوا ذوي عدل منكم" من خلال مناقشة صحة القياس ومقدماته فضلا عن الاستقراء الناقص ونواتجه. وقبل ذلك نتناول ضوابط العدالة الموضوعية في المنهج التأريخي العربي ونقيضها اللاموضوعي المتمثل في خوارم المروءة وقدح العدالة المترتب عليها وعلاقة ذلك بالرواية التاريخية.
 

ضوابط العدالة الموضوعية

وهي مستمدة من بطون كتب علم المصطلح، ونجد أفضل عرض عصري لها هو رائعة أسد رستم المعنونة "مصطلح التاريخ". فيذكر لنا أسد الأسباب المعارضة للعدالة من حيث ديمومتها وزوالها، ومن حيث كونها داخلية، كالنسيان والخطأ البشري والهوى والمصلحة، أو خارجية، كخضوع الراوي لظروف وقوى أجبرته على التلفيق لاسيما في بعض المعاملات الحكومية: هل يحاول التودد والتقرب إلى فئة على حساب أخرى؟ هل يبغض جماعة من الناس لسبب ما؟ هل تعرض لحادثة أثرت على سلامة حواسه وقدرته؟ هل توافرت له شروط المشاهدة العلمية للظاهرة؟ هل فسر الظاهرة الطبيعية تفسيرا يخالف الحقيقة؟ ما علاقته بالسلطة؟ إلى آخره من الشروط الواجب توافرها واعتمادها في بحث الأهلية المعمول به اليوم والمفترض تواجده في الرواة العدول والمتسق مع منهجية النقد الباطني للمحصلين في المناهج التأريخية الغربية.
 

خوارم المروءة واللاموضوعية

ونبدأ بالتعريف وثبوته فهي عند أبي الحسن الشيباني: "الصلاح والدين"(2). وهي عند الدردير زائدة، فهي: "كمال النفس بصونها عما يوجب ذمها عرفا، ولو مباح الحال ظاهرا"(3). وقال الجرجاني في تعريفاته: "قوة للنفس مبدأ لصدور الأفعال الجميلة عنها المستتبعة عقلا وشرعا وعرفا". وفضلا عن عدم حجية العرف واختلافه باختلاف الزمان والمكان وتعارضه، فإن تعيين نمط مقيس للعرف يقاس على أساسه تفاضل الأعراف فرية وبدعة قبيحة لا نزال نعاني من آثارها على المبرزين والمتصدرين وجعل تلك الأعراف مرجعا لمعايرة دين المرء.

فقد قسموا بزعمهم المباحات إلى مرذولات وغيرها 
تبعا للعرف الهلامي. فقبحوا المباحات من الحرف ووصموها بالدناءة، ووسموا المشتغلين بها بسقوط النفس وانحطاط المروءة، واختلفوا بعقولهم وآرائهم وتحكمهم الباطل في تحديدها، فمنهم من قال أن المباشر للنجاسة فاسق بإطلاق. وفي الحرف اختلفوا هل تقتصر على الجزارة وجمع القمامة أم تشمل الحياكة والحراسة والسماكة. ثم اختلفوا في الضابط، فمنهم من جعل العمل من غير فكر قادحا في المروءة(4) فكان الحطاب والبناء مخرومين، ومنهم من جعل الضابط قسوة القلب فنال الجلاد والصياد نصيبهما من الدناءة. ومنهم من جعل إهدار الكرامة المتخيلة ضابطا، ومنها مباشرة الحيوانات أو الخدمة المحضة، فكان الإسكافي والبيطري والسائس والبواب والفراش وراعي الإبل من أهل الدناءة. ثم اختلفوا هل يكون تغير العرف سببا في رفع دناءة الخوارم. ومنهم من جعل مداومة التنزه في البساتين والأكل في الأماكن العامة وكل ما يخدش الهيبة خارما.

إلا أن 
جعل حرفة رعي الأغنام من الخوارم أمر وجيه فالراعي يباشر الحيوانات لاسيما روثها ويخوض في الفلاة والخلاء ويكون مدنس الثياب بالأخلاط الفاسدة. وهي من الحرف الوضيعة بعد استحداث الزراعة واستئناس الحيوانات، فيكون اللازم هنا هو القول بفسق راعى الغنم ما لم يجدد ثوبه، وهذا يعني بالتبعية سقوط عدالة راعي الغنم. وكذلك البدو الرحل، فهم قديما عرفوا بالسطو والحرابة، وفي زماننا بتجارة السلاح والمخدرات والمسكرات، فهم فساق وساقطو المروءة لمن اشتغل منهم بذلك. السؤال هنا: هل يجرؤ هؤلاء المتفيقهون المتمذهبة على القول بسقوط عدالة راعى الغنم والبدو الرحل؟ ولو قالوا بسقوط العدالة فهل ما يسقط العدالة اليوم لا يسقطه بالأمس؟ فلو قالوا نعم، سقطت خوارمهم المبثوثة في كتب القرون الأولى لاختلاف الزمان. وإن قالوا لا، سقطت عدالة راعي الغنم وإن تحكموا بدون آية من كتاب ولا رواية من سنة فضلالهم ظاهر واللبيب بالإشارة يفهم.
 

ابن حزم وموقفه

قال ابن حزم متقفيا قول الشافعى في الشاهد: "إذا كان الأغلب من أمره المعصية وخلاف المروءة ردت شهادته"، فقال ببراعة:

"فكان يجب عليه أن يكتفي بذكر الطاعة والمعصية. وأما ذكره المروءة ههنا 
ففضول من القول وفساد في القضية. لأنها إن كانت من الطاعة فالطاعة تغني عنها. وإن كانت ليست من الطاعة فلا يجوز اشتراطها في أمور الديانة إذ لم يأت بذلك نص قرآن أو سنة"(5)

وكلام ابن حزم نابع 
من إيمانه العميق بفساد الاستدلال القائم على القياس المقحم في أصول التشريع أيما إقحام. ولكنه هنا لم يتعرض لشروط ذلك القياس، لا مقدماته ولا معقباته، فهو ينكر الاستدلال به بالكلية. وسنوجز رأيه في القياس وبترتيبه. فهو عند الأربعة يأتي فيما ليس فيه نص، أي فيما لم يحكم الله فيه بحكم. فيرد عليهم في حوار متخيل بأن هذا معدوم لعموم قوله عليه السلام: "دعوني ما تركتكم فإن أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإن نهيتكم فاتركوه". وفي هذا دليل على أن المباح هو ما لم يذكر فيه نص بالإيجاب أو التحريم. فإن ردوا قائلين: "بالعقل يجب أن كل شيئين اشتبها في صفة ما فحكمهما واحد فيما اشتبها فيه"، رد: "قلنا نعم لا شك في هذا ولا في أنهما غير مشتبهين فيما لم يشتبها فيه، فبطل أن يحكم لهما فيه بحكم واحد ولم يرد نص بتساويهما من أجل صفة اشتبها فيها"(6)ثم يطالبهم بإيجاد حكم واحد فرضه النبى بالقياس وهو غير موجود، فبطل أن يحدث في الدين بعد موته شرع لم يشرع به. ثم يكمل حجاجه المتخيل الذي كان امتدادا لحجاجه الدائم مع مالكية الأندلس العارض له بمهارة وبراعة وحسن إستدلال. وسنعرج الآن إلى إطلالة سريعة على اضطراب القياس وفساد الاتساق بين مقدماته ونواتجه في مبحث خوارم المروءة وعلاقتها بالعدالة المتوخاة.
 

خوارم المروءة والمنطق الصورى

سلمنا جدلا بحجية القياس ومصداق القضية، فهيا بنا نتناول بالبحث مقدمات ذلك القياس ونتاجه ومحمولاته والاستقراء المبني على وقائعه المفردة. فمقدمات ذلك الاستدلال قد تكون خاطئة، وقد يكون نظمه وشكله هما الخاطئان. ففي المقدمة "سعد يعمل قصابا يخالط الدم ثوبه"، والتالية: "كل قصاب فاسق لمداومته النجاسة" فتكون العاقبة: "إذًا سعد فاسق". فهنا مواد الاستدلال ومقدماته هي الفاسدة في هذا القياس الاقترانى. وفي العبارة "العبد عليه نصف ما على الحر في الحد" والتالية "وللحر أربع حلائل"، فتكون العاقبة "للعبد زوجتان". فهنا مقدمات الاستدلال صحيحة لكن نظمه وشرائط اتساقه غائبة. والملاحظ أن العبارتين "للعبد زوجتان"، "كل قصاب فاسق"، بهما خطأ فادح ناتج من التعميم النابع من الاستقراء الناقص للوقائع المفردة. وهذا التمثيل قد يقرب الصورة ويمهدها للفهم هي مجموعة خوارم المروءة (A) إذا اعتبرنا أنها مجموعة مسببات الفسق القادح للعدالة (B). وأن لازم كمال هذا الاستقراء وحجيته أن تكون الحجج القادحة في العدالة هي تقاطع المجموعتين، هذا على أن يكون هناك تلازم سببي بين تلك الخوارم وبين الفسق، وأن يكون هذا الفسق غير زائل، وأن يكون سببا في سقوط العدالة، وأن يكون هناك اقتران بين ذلك الفسق وبين تلك الخوارم، وأن يكون هناك تحديد اصطلاحي وموضوعي لها أصلا! ومن البديهي أن هذا المتفيقه المدعي الاشتغال بالأصول سيوكل له مهمة تحديد محيط المجموعة ومساحتها، وبالتالى تحديد منطقة تقاطع المجموعتين رغم تصريحهم المتكرر بأن عامل الزمن يلعب دورا مهما في ذلك التحديد جنبا إلى جنب مع العرف الهلامي إلى جانب القياس المضطرب = كان تحقيق كل تلك اللوازم أمرا غاية الصعوبة. هكذا الانتقال من النقصان إلى الكمال وهذا كفاية لدمغ تلك القفزة الاستنباطية في الفراغ وتلك الحجة الواهية من الأصل.
 

قابلية التفنيد والمحتوى الإنشائي والمحتوى الإخباري التجريبي

تواطأ العرب والعجم على أن المميز للإنشاء عن الأخبار هو احتماله الكذب والصدق لذاته. فالإنشاء غالبا ما يكون ذاتي الاستعمال لا يأت بجديد، عبارة عن طلبي وغير طلبي، ويشتركان في أنهما مجموع تحصيلات الحاصل التي لا يمكن نفيها أو إثباتها مثل (أفعال الخير)/(ما أروع النجاح). أما الأخبار فإنها تحتمل الصدق والكذب لذاته، أي يمكن اختباره وتجريبه. فالعبارة (الجو ممطر) يمكن اختبارها لأنها أضافت جديدا ملموسا يمكن اختبار صدقه وكذبه، وبالتالي فإن كل ما أضاف جديدا هو قابل للتجريب، وكل ما ازداد عدد الأخبار، كلما ازداد قابليتها للاختبار والتكذيب.

وسنورد الأمر في صياغة 
بسيطة كان أول من أوردها هو المنطقي المناهجى المبرز كارل بوبر(7)كلما اشتملت العبارة على عدد أكبر من الوقائع يمكن تجريبه كلما كان إمكانية تكذيبها أكبر. أي أن احتمالية وقوع الحدث تكون أقل إذا كان محتواه المعرفي أكبر. أي أن احتمالية صدق الحدث تتناسب عكسيا مع حجم محتواه المعرفي والتجريبي. ولا تكون القضية علمية إلا إذا تجاوزت ذلك التكذيب القائم على التجريب، ويسمى ذلك التجاوز تعزيزا.  وسمي ذلك بـ معيار التكذيب criterion falsification.

وعلى ذلك المنوال يحاجج هرنشو على علموية التاريخ قائلا:

"أقرب العلوم الطبيعية شبها بالتاريخ 
هو الجيولوجيا فكما أن الجيولوجى يدرس الأرض كما هي الآن ليعرف إن أمكنه ذلك كيف صارت إلى حالتها الحاضرة. فكذلك المؤرخ يدرس الأثار المختلفة عن الماضى ليفسر بواسطتها ظاهرة الحاضر. وكما أن الجيولوجى يجد أدلته فى نفايات الطبيعة من أدلة قليلة تثبت التطورات الجيولوجية القديمة فكذلك المؤرخ يعتمد على معرفة الوقائع الماضية على سجلات قديمة أو آثار سلمت من عوادي الزمن"(8)

ومن قبل هرنشو كان تشبيه لانجلو وسينوبوس للتاريخ بعلم الأحافير القديمة 
الباليونتولوجى(9). وبصفتي طالب للجيولوجيا أقول، إن هذا المجاز قد استمده هرنشو ومن قبله لانجلو وسينوبوس من معاصلرهم جيمس هاتون أبو الجيولوجيا الحديثة وصاحب الأثر البالغ الذي أدى إلى ذلك التساوق المناهجي المحكم. فسينوبوس ولانجلو قد تأثرا بفكرة هاتون عن فرضية (الوتيرة الواحدة principle of uniformitarianism) القائلة في ملخصها أن: "الحاضر مفتاح الماضي". أي أنه يمكن من خلال مكشف طبقات الأرض وضع تأريخ تقريبى لتسلسل الأحداث. فالحاضر هنا هو الأحداث الممثلة بالتراكيب والأحداث المدونة على خط الزمن في سجل الأرض ووظيفتنا هي ملاحظتها وتفسيرها.

وقد استفاد كل من لانجلو وسينوبوس من ذلك أيما استفادة. فقد وضعا قواعد متساوقة ومتشابهة مع قواعد الجيولوجيا تدعى (قواعد المنهج الاستردادي) أو الهورسطيقا Heuristique. وفي المقالة القادمة نبحث على ضوء معيار التكذيب الخاصة المميزة للعلوم 
التجريبية الإخبارية نبحث مدى علموية كل من منهجي الهورسطيقا والنقد التحصيلي، ومدى ارتباط النقد الباطني التفسيري بالمناهج الأدبية في المقابل، واضعين أيدينا على مكمن الخلل في توصيف تلك المباحث الناظمة لمنهج التأريخ المعاصر.


 


(1) مصطلح التاريخ، أسد رستم.
(2) 
العقود الدرية فى تنقيح الفتوى الحامدية.
(3) 
تيسير التحرير، الدردير.
(4) 
المروءة وخوارمها، أبو عبيدة مشهور.
(5) 
المحلى بالآثار، ابن حزم.
(6) 
ملخص إبطال القياس والرأي والتعليل، ابن حزم، تحقيق: سعيد الأفغاني.
(7)
The logic of scientific Discovery, karl E popper.
(8) 
علم التأريخ، هرنشو.
(9) 
المدخل إلى الدراسات التاريخية، لانجلو و سينوبوس.

 


اقرأ المزيد:
التاريخي-القرآني" style="line-height: 1.6;">معالم الوعي التاريخي القرآني
التاريخ-1" style="line-height: 1.6;">في علموية التاريخ (1)

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان