رئيس التحرير: عادل صبري 07:09 مساءً | الأربعاء 17 أكتوبر 2018 م | 06 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

الزحف المقدس: صناعة البطل في السياسة المصرية

الزحف المقدس: صناعة البطل في السياسة المصرية

مفاهيم

مظاهرات التنحي

الزحف المقدس: صناعة البطل في السياسة المصرية

محمد حمدي 10 ديسمبر 2015 18:36

"يشير هيجل في مكان ما بأنّ كل الأحداث العظيمة والشخصيات في تاريخ العالم تحدث مرتين إذا جاز التعبير، نسي أن يضيف: المرة الأولى كمأساة، والثانية كمهزلة"
ماركس: الثامن عشر من برومير لويس بونبارت

 

طالما يعتقد الناصريون، خصوصا المؤيدين لنظام الحكم الحالي، أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي هو عبد الناصر آخر. وبعد أن خرجت الجماهير باسمه في تظاهرات التفويض التي بدأ من عندها تجديد شرعية الدولة بشكلها الحالي في علاقتها بالنشطاء السياسيين والإخوان وبقية المواطنين، بل والأطراف الموالية والمشاركة في الحكم، بدت تلك النظاهرات تأكيدا للتشابه بين الرئيسين حيث تم الربط بين تظاهرات التنحي وجمعة التفويض. مما يستدعي إعادة التفكير في مظاهرات التنحي، كما نرى في كتاب "الزحف المقدس".

مؤلف الكتاب هو الدكتور شريف يونس، مدرس جامعي للتاريخ المعاصر بجامعة حلون، كاتب سياسي وعضو مؤسس بهيئة تحرير (البوصلة – صوت ديموقراطي جذري) 2005 – 2011؛ ومن أهم أعماله: سيد قطب والأصولية الأسلامية، الزحف المقدس، سؤال الهوية، نداء الشعب، وأخيرا: البحث عن خلاص. وهو مترجم أيضا لعديد من الكتب أشهرها: كل رجال الباشا لـ خالد فهمي. ويعتبر من الأصوات الديموقراطية النادرة التي مازالت تؤيد الرئيس الحالي.

يتكون الكتاب من خمسة فصول: الزحف المقدس، التعبئة، العزة والكرامة، البطل، التنحي؛ بالإضافة لمقدمة وخاتمة. المقدمة تشرح الإشكالية التي حدثت في مظاهرات التنحي، أما الفصول فتشرح الخطوات التدريجية التي أدت لما تنطلق منه وجهة نظر الكاتب.


أما الأشكالية فهي: مظاهرات التنحي ذاتها هل كانت معدة مسبقا؟ أم هي لحظة نتاج فعل سياسي من نظام 23 يوليو، بدأ منذ حيازته السلطة؟ وبالتالي الخروج شبه عفوي. يتبنى الكاتب وجهة نظر أن الخروج شبه عفوي، أما الشعارات والهتافات التي قيلت فقد تم إعدادها من القوة السياسية الوحيدة التي هي صنيعة عبد الناصر في الأساس، وهذا هو الجزء الوحيد الذي لم يكن عفويا. وهنا تكمن المفارقة: فكيف يخرج شعب مهزوم وبلاده منهارة عسكريا بسبب سياسات قائدها تهتف لبقائه؟
 

الزحف المقدس

"تعس ذلك البلد الذي يحتاج لبطل"
برتولد برخت من مسرحية جاليلو

 

بداية سلطة ناصر والظباط الأحرار كانت بتبني أيديولوجية الزحف المقدس، الشعب الذي يسير حشدًا واحدًا خلف مجموعة صغيرة من القادة، في هذه الحالة هم (الإنتلجنسيا العسكرية)، حيث أن هؤلاء القادة هم الأكثر وعيًا بمصالح الشعب عن الشعب ذاته الذي غرر به من قبل أعداء الوطن الذين يدعون للحزبية أو أي تشكيلات جماعية. هذه الصياغة هي التي مازالت تؤثر حتى في الذين ثاروا في 25 يناير على هذا الشكل، فكثيرا ما سمعنا كلمة (غير منتمي لأحزاب أو حركات) كنوع من التميز والنقاء، بقايا أيديولوجيا الزحف المقدس التي أدت لانفصال كل فرد عن الآخر وعن جماعته ليسير خلف البطل. وعند انفصال البطل المتخيل عن شعبه، أصبح كافة الأفراد يسيرون متفرقين كل منهم وحيدا بلا أي مرشد حتى لو كان قائدا منفصلا. من خلال بقايا هذه الأيديولوجية التي نجحت قد نفهم كيف برر أخلاقيًا من قبل الكثير من الناس حوادث القمع شديدة العنف التي قد تصل لحد المذابح الجماعية التي حدثت في مصر في السنوات السابقة.

لم يكن نظام الحكم السلطوي هذا في وجهة نظر الكاتب راجع لأن هؤلاء الضباط عسكريين فحسب، بل هم أيضا كانوا قد انتموا لمنظمات سلطوية سياسية، ولحظة الانقلاب لم تكن سوى تتويج لهذه التوجهات السلطوية لهذه المنظمات. فأغلب قادة حركة 23 يوليو كانوا قد انتموا إلى جماعات كـ الإخوان المسلمين أو مصر الفتاة أو الحزب الوطني القديم - جناح فتحي رضوان، أو حتى منظمات شيوعية سلطوية، أو الساراي الملكي كما في حالة أنور السادات.

وبرغم أن الشعب غُرر به، إلا أن البطل كان يستمد أحلامه من أحلام الشعب، فيما يشبه بحسب الكتاب، إعادة تدوير لفكرة الحق الإلهي، ولكن هذه المرة من يقوم بدور الإله هو الشعب الذي لا يعي ماذا يريد، ولكن البطل يعرفه ويقوم بتنفيذه.

ينتقل الكتاب بعد ذلك لرؤية سلطة يوليو ممثلة في جمال عبد الناصر مع الصحافة والفن والأدب. قامت السلطة بدور القامع للصحف والصحفيين في البداية لكي تجعلهم يستجيبوا لتوجههم الذي لا يرى في الصحافة سوى مؤيد وحاشد للشعب خلف السلطة، أما من خالف ذلك فكان مصيره إما الاعتقال أو التهديد به. أدى ذلك لتشابه كل الصحف تقريبا فيما تخرجه من منتج، وبالتالي لانخفاض المبيعات بشدة، وعندها قامت الدولة بتأميم هذه الصحف. أما الأدب والفن، فقد رأت السلطة الناصرية أنهم الداعين للأخلاق الحميدة والقيم الوطنية وحب العمل والالتزام. مصطلحات فضفاضة جدا غرضها تحويل السينما والأدب لأبواق للسلطة وحاشدة لهم.

يحكي الكتاب بعد ذلك عن تقسيم عبد الناصر الرؤساء العرب لمعسكرين، فإما معه، وهم المعسكر المناهض للرجعية والاستعمار، أو ضده، وهو المعسكر الداعم للغرب والاستعمار. ربما جسارته أحيانا في المواجهة الخطابية للاستعمار جعلت فعلا الرؤساء ينقسمون هكذا. المأزق الأول الذي تعرض له عبد الناصر هو مأزق ظهور نظام العراق المناهض للغرب ولكن أيضا مناهض له؛ عندها كان الانكشاف الأول أن منهاضة الغرب ليست متوقفة على ناصر. وكانت النتيجة أن دعم عبد الناصر العديد من الانقلابات العسكرية في العراق.
 

خطابات المثقفين وخطاب التنحي

استعمل يونس في الزحف المقدس بعض المقاطع للكتاب المشاهير في ذلك الوقت، أمثال مصطفى محمود وإحسان عبد القدوس وروز اليوسف ومصطفي أمين وآخرين. تبدو في مقالاتهم وخطابهم أن الحياة في مصر توقفت على عبد الناصر، بل إن أحدهم أوقف تاريخ مصر على ظهور عبد الناصر، فقال إن مصر بدأت منذ 13 عام (أي منذ عام 52 وقت كتابته). الحقيقة أن هذا الإيمان الروحاني، في نظر يونس، يتعدى فكرة محاولة نفاق النظام. لقد صنعت أيديولوجيا الزحف المقدس الكثير في نفوس المثقفين، وهذا ما ظهر جليا في خطاب التنحي، تلك اللحظة التي هزم فيها الجيش المصري هزيمة مرعبة تكاد تصل لحد أنه لم يعد متواجدا. وعند استيعاب الهزيمة لم يخرج أحد للتعليق. إنها لحظة تشعرك بالارتباك. كيف تحدث هذه الهزيمة ولا يخرج مسئول أو معارض أو حتى الشعب ليتحدث عن الهزيمة سواء بالإيجاب أو السلب؟! لم يعتد أحد على الفعل. الجميع ينتظر البطل ليتحدث.

أما البطل، ففي غرفة مغلقة مع هيكل، كتبا سويا خطاب التنحي بمنتهي الذكاء الخارق. يصف الكتاب الطريقة والأسلوب النفسي الذي كتب به الخطاب. لم يكن مجرد خطاب عاطفي، بل هو خطاب ذو لهجة منضبطة وأهداف معينة. تكلم ناصر كأنه لاحرج عليه ولا مسئولية ولا محاسبة، ولكن كبطل سيذهب وسط الجماهير ليناضل معهم. لم يذكر التنحي سوى في آخر الخطاب. في بضع صفحات شرح يونس الخطاب الذي يعتبر رد الفعل الاول، الذي صاغه أكثر الشخصَيْن قدرة على صناعة البطل، مستشاره الشخصي هيكل.

لم يكن أحد يمتلك حلا لأي شيء، وطرح البطل الحل الوحيد الممكن في خطاب التنحي. ربما الحل هو أنه سيتنحى، ولكن عليهم منعي من ذلك. فخرجت التظاهرات من كل حدب وصوب تطالب البطل بإنقاذ شعبه. شعبه الذي لا يستطيع أخذ رد فعل ناحية الهزيمة سوى انتظار مسبب الهزيمة!

ينتهي الكتاب بالإشارة إلى أن شيئا قد تغير في الاستقبال الشعبي لنظام عبد الناصر، ودرجة الثقة فيه، على الرغم من عودة ناصر بهذا التأييد الكبير، وقد ظهر ذلك جليا في الهتاف الشهير (أ. أ. لن أتنحى) كنوع من السخرية من خطاب ناصر.
 

خاتمة

هذه بعض الأفكار التي وجدت في هذا الكتاب القصير الذي لم يتعد 200 صفحة، ولكن الكتاب يحتوي على الشروح الوافية لهذه الأكفار التي ربما تفهم منها أشياء أخرى. ولكن أهم ما في الزحف المقدس بعد دراسة نظام عبد الناصر هو فهم اللحظة الحالية، كيف أراد العديد من الأطراف وبعض الجماهير صناعة بطل؟ وكيف يتصرف البطل المصنوع الذي يريده البعض ناصرا آخر. ربما التاريخ يتكرر فعلا وربما نحن إزاء لحظة إعادة البطل بطريقة أو بأخرى؛ ولكن تظل كلمة ماركس التي ذكرت في أول هذا التقرير هي خير معبر عن الشكل الذي تتكرر فيه صورة البطل.

 


اقرأ المزيد:
نجيب محفوظ والسلطة الناصرية والمثقف المصري
لماذا لا تترشح الأفلام المصرية لجائزة الأوسكار؟

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان