رئيس التحرير: عادل صبري 11:52 مساءً | الخميس 24 مايو 2018 م | 09 رمضان 1439 هـ | الـقـاهـره 39° صافية صافية

إضاءة على بعض مدارس القرآن في أفريقيا

إضاءة على بعض مدارس القرآن في أفريقيا

مفاهيم

مدارس القرآن في أفريقيا

إضاءة على بعض مدارس القرآن في أفريقيا

محمد شعبان أيوب 01 ديسمبر 2015 15:14

ساهم الاحتلال الغربي لقارة أفريقيا طيلة القرن العشرين في إضعاف المسلمين ثقافيًا ودينيًا، بالتضييق على منابر القرآن والحديث النبوي الشريف التي كانت ركنًا ركينًا في الحضارة الإسلامية في أفريقيا قبل مجيء المستعمر، الذي صيَّر المسلمين أقليات في أوطانهم القديمة، وإزاء هذا التردي الطويل شرع الأفارقة في بناء مدارس القرآن الكريم بجهود ذاتية ومؤسساتية لإعادة تموضع الإسلام في هذه القارة في مكانه الصحيح، لكن الجهود لا تزال بحاجة إلى الدعم والمساندة من المؤسسات العربية والإسلامية الخيرية.

إن مدارس القرآن في أفريقيا تُزاوج بين الاتجاهين النظامي الحديث، وبين نظام الكتاتيب القديم، وكلا الاتجاهين يساهم بدرجة عالية في إعادة بث الثقافة الإسلامية ونشرها من جديد، وفي هذا المقال سنقف مع نماذج من أربع دول..

ففي الصومال تتكون مدارس القرآن من المرحلة الابتدائية والإعدادية وتجمع بين التعليم النظامي الأساسي، وبين تعليم القرآن الكريم وعلومه وفق إطار منهج تعليمي متكامل، حيث تشرف عليه وزارة التربية والتعليم الصومالية.

ويعتبر الدكسي أو الكُتّاب المحضن التربوي والتعليمي الأول عند الصوماليين، حيث ترسل إليه الأسر الصومالية أولادها الصغار في المدن والأرياف لحفظ القرآن وتعلم أساليب القراءة والكتابة كمرحلة دراسية أولية قبل الانضمام إلى المدارس الرسمية.. لكن الدكسي يواجه الآن منافسة قوية من قبل دور القرآن المنتشرة في المدن الصومالية.

وبحسب إحصائيات صادرة عن هيئة اليونسيف عام 2003، فإن عدد الخلاوي القرآنية المنتشرة في الصومال كان 13000 خلوة قرآنية.

وفي عام 2002 ظهرت فكرة دور القرآن الكريم، وتهدف الفكرة إلى تعليم الأطفال القرآن الكريم مع توفير المنهج الدراسي في المرحلة الأساسية، ويبلغ عدد المنتسبين إلى دور القرآن حسب الإحصائيات الرسمية 11200 يدرسون في 140 مدرسة منتشرة في أنحاء البلاد[1].

وفي نيجيريا بدأت المدارس القرآنية تأخذ مكانها في تدعيم منظومة التعليم عامة، فبحسب تقرير صادر عن اليونسيف فإن عدد الطلاب زاد بنسبة أربع مرات منذ إنشاء هذه المدارس، ويقبل المسلمون عليها في المناطق الشمالية من البلاد حيث يتمركزون هنالك[2]

لقد كانت أول مدرسة مبنية خاصة للتعليم العربي على النظام الحديث، هي مدرسة الشريعة الإسلامية التي تعاون أمراء شمال نيجيريا على تأسيسها، عام 1934م، في مدينة كنو بقصد تخريج القضاة الشرعيين. وانتُدِب للتدريس فيها علماء من كلية غوردون بالخرطوم، وأنجبت المدرسة النواة الأولى للطبقة المثقفة بالثقافتين (العربية والإنجليزية) في شمال نيجيريا[3].

فهذه المدارس جرى تأسيسها على أيدي أفراد وجماعات من المسلمين الغيوريين على دينهم؛ لنشر التعليم العربي الإسلامي، وحماية الإسلام والذود عن مصالحه، ولتوعية أبناء المسلمين توعية ثقافية إسلامية تقيهم من آفة الشرك التي عمت البلاد، ومن فتنة الإلحاد. وتجدر الإشارة إلى أن هذه المدارس، يجري تمويلها عن طريق جهود ذاتية، وتبرعات تُجمَع من الأفراد المحسنين، ومن الأثرياء الصالحين، ويقوم بالتدريس فيها المدرسون المحليون من خريجي هذه المدارس ذاتها، ومن حَمَلة الشهادات الجامعية من الأقطار العربية، والجامعات النيجيرية، ويشاركهم في التدريس، المبعوثون الأزهريون[4].

وتُساهم بعض المؤسسات الخيرية العربية في دعم نشر هذه المدارس، فقد افتتحت مؤسسة عيد الخيرية  مشروع بناء مدرسة لتعليم القرآن الكريم بمنطقة أويو بمدينة إبادن بولاية أمولوكو النيجيرية، حيث يساهم المشروع بشكل رئيس في دعم المنظومة التعليمية وتعليم النشء والطلاب من الذكور والإناث من أبناء نيجيريا القرآن الكريم[5].

وفي السنغال تنتشر المدارس القرآنية بصورة لافتة، بدعم من المؤسسات والأفراد، ومما يُعجب له أن أكثر المدن السنغالية تتواجد بها مدارس قرآنية في الشارع، حيث يتوافد عليها التلاميذ في أوقات فراغهم. ولا يتضمن منهج التعليم الحكومي تدريس اللغة العربية إلا في مراحل متقدمة من الدراسة، وتكون فيها العربية اختيارية إلى جانب اللغات الإسبانية والروسية والألمانية، لذا فإن لهذه المدارس أهمية كبيرة في ترسيخ الإسلام والقرآن واللغة العربية بجوار الغزو الثقافي الغربي. ويُطلق على مدارس القرآن في السنغال اسم (الدارا) وتخرج منها آلاف الدارسين والمثقفين وكذلك بعض رجال السياسة[6].

وتعتبر مدينة تيواوون واحدة من أشهر المدن السنغالية التي تنتشر فيها مدارس حفظ القرآن وتعليم اللغة العربية، والسبب كونها العاصمة الروحية للطريقة التيجانية في البلاد، حيث يصرّح بنعمر التيجاني أحد شيوخ هذه الطريقة بأن مدارس حفظ القرآن كانت لا زالت "الحصن المنيع والأخير لمواجهة محاولات علمنة وتنصير المجتمع السنغالي". ويرى بنعمر أن السنغال التي دخلها الإسلام منذ قرون واجهت ما يسميه "المد التنصيري" والمستعمرين بواسطة المدارس القرآنية التي تمثل "فضاءا تنظيميا للمقاومة"[7].

وفي الكونغو يمثل المسلمون أقل من ثلث عدد السكان، حيث يتمركزون في المناطق الشرقية من البلاد، وقد ساهمت المدراس القرآنية في مقاومة المد التنصيري، لكن هذه المدارس لا تزال قليلة العدد، ضعيفة التأثير؛ فقد عانى المسلمون في الكونغو فى عهد الرئيس موبوتو من الإهمال والتهميش، وفي بداية عهد الرئيس كابيلا لم تتحسن أوضاع المسلمين، بل لقد سارع نظامه إلى اعتقال رموز هذه الطائفة المسلمة وتعامل معها بحذر شديد[8].

ومع ذلك فثمة بعض الإضاءات في طريق هذه المدارس؛ حيث احتفت بعض المدارس القرآنية بتخريج عدد من حفاظ وحافظات القرآن الكريم في مقاطعة بيني الكونجولية وهي إحدى أربع مدارس قرآنية في تلك المدينة. أعمار الطلاب ترواحت بين الخامسة والخامسة والعشرين، بعضهم امتُحن في بعض أحزاب من القرآن، فيما امتُحن البعض الآخر في القرآن كاملا. بخاري جمالي، ذو السبعة عشر ربيعًا، حاز على المرتبة الأولى في هذه المسابقة التي جرت مساء السبت، وهو فخور، حسب قوله، بأن يحمل بين جنبيه كتاب الله[9].

 


[1] الجزيرة نت، تقرير بعنوان "مدارس القرآن.. نموذج تعليمي صاعد بالصومال"، 1/10/2012م
[2] موقع اليونسيف، تقرير بعنوان "المدارس القرآنية في نيجيريا تنضم للجهود العالمية لدعم التعليم"، بتاريخ 15/1/2015م.
[3]  آدم عبد الله الإلوري، الإسلام في نيجيريا والشيخ عثمان بن فوديو الفلاني، (ط3، 1978م)، ص152.
[4] موسى عبد السلام أبيكن: مقال بعنوان "ثنائية التعليم في نيجيريا .. اتجاهات وتطلعات"، مجلة البيان، بتاريخ 10/11/2010م.س
[5] موقع مؤسسة الشيخ عيد الخيرية، تقرير بعنوان "عيد الخيرية تفتتح مدرسة لتعليم القرآن الكريم في نيجيريا"، بتاريخ 28/4/2014م
[6] انظر: حسن فاتح: تقرر إخباري بعنوان " مدارس القرآن في السنغال"، موقع بي بي سي عربي، بتاريخ 10/1/2010م.
[7] السابق.
[8] حسن الراشدي: تقرير بعنوان "الكونغو"، برنامج "تحت المجهر"، الجزيرة نت، بتاريخ 1/10/1998م.
[9] تقرير بعنوان " مدرسة قرآنية في الكونغو الديمقراطية تحتفي بـ147 طالباً في مسابقة حفظ القرآن"، وكالة الأناضول للأنباء، بتاريخ 21/6/2015م

 


اقرأ المزيد:
السميط.. ريادة العمل الإداري والخيري والدعوي
مارمدوك بكثال: سيرة مسلم بريطاني

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان