رئيس التحرير: عادل صبري 07:35 صباحاً | الأربعاء 23 مايو 2018 م | 08 رمضان 1439 هـ | الـقـاهـره 32° صافية صافية

مفهوم الابستيمولوجيا

مفهوم الابستيمولوجيا

مفاهيم

لوحة تعرض: ديكارت، هوبز، كانت.

مفهوم الابستيمولوجيا

علي عادل 30 نوفمبر 2015 13:46

كان الجزء الأول (مدخل إلى نظرية المعرفة) مجرد عرض سريع لأهم الأفكار وأبرز المدارس والقضايا التي تثيرها وتم إثارتها في مبحث نظرية المعرفة على مدار تاريخ الفلسفة القديمة والمعاصرة، وكان ذلك العرض المختصر على أن يتم ذكر وتحليل العديد من المفاهيم والمدارس والقضايا الهامة في نظرية المعرفة من أجل التوصل إلى بنية فكرية وعقلية تستطيع الحكم على العديد من المعارف والعلوم والأحداث. ولعل من خير ما يتم البدء به بعد ذلك العرض المختصر، شرحا مبسط لمفهوم الابيستمولوجيا أو Epistemology كما تداوله الفلاسفة على مر العصور وخاصة الغربيين منهم.
 

تعريف الابيستمولوجيا

مصطلح الابيستمولوجيا يعود أصله لكلمة يونانية الأصل، وهي Epistemology: مكونة من مقطعين Episteme وهي تعني معرفة، و Logos وتعني نظرية أو دراسة أو فلسفة، وبتركيب هذين المقطعين تصبح معنى الكلمة نظرية المعرفة، أو دراسة المعرفة، وبما أن هذا المبحث فلسفي في المقام الأول فيمكن القول بأن المصطلح يعنى دراسة فلسفة المعرفة وبناء عليه تثار العديد من الأسئلة في هذه الدراسة الفلسفية. ولكن قبل الدخول في ذكر ما تثيره هذا النوع من الدراسة من أسئلة لابد من توضيح وذكر معنى كلمتي معرفة ونظرية.

المعرفة هو مصطلح يدل على إدراك ما لصور الأشياء أو صفاتها أو سماتها وعلاماتها أو للمعاني المجردة سواء أكان لها في غير الذهن وجود أو لا، وهو أحد التعريفات الاصطلاحية التي تعبر عن ما يمكن طرحه من الأسئلة حول إمكانية المعرفة، ومصادرها، وقيمتها وهو ما سوف يتم ذكره في هذا التقرير.

أما كلمة نظرية فلها العديد من المعاني فتطلق على أنها قضية تثبت صحتها بحجة ودليل أو برهان وأيضا يمكن أن تطلق على أنها مجموعة من الأفكار والافتراضات التي تحاول أن تفسر بها كون الأشياء على النحو التي هي عليه. فالنظرية هي عملية فكرية تقوم على التأمل واستخدام الذهن للوصول إلى إدراك والحكم على العلاقات بين الأشياء بعيدا عن تصورها البسيط في الذهن، فيمكن القول بأن النظر _ وهو أحد مصدر كلمة نظري ونظرية_ هو أحد الوسائل الهامة في التوصل إلى التصديق المؤيد بالحجة والدليل والحكم على النسبة والعلاقات بين الأشياء والحكم عليها بالنفي أو الاثبات بعد أن يتم تصور الأشياء في الذهن حسب قاعدة " الحكم على الشئ فرع عن تصوره".
 

أهم قضايا وأسئلة الابيستمولوجيا

إن الإنسان مجبول بالفطرة على غريزة المعرفة والفضول والاستكشاف، فهو دائما يريد أن يعرف ما هو وراء الأشياء المحسوسة التي يراها أمام عينه وما هي أسباب حدوثها بهذا الشكل وليس بآخر مثل امتداد الفلذات بالحرارة، كما أنه يريد أن يعلم ما هو غير مدرك بالحس، وهي الأمور والمعاني المعنوية المجردة مثل القيم والأخلاق وغيرها من الأمور غير المحسوسة. فالإنسان دائم البحث عن المعرفة وهو دائم التساؤل.

فمبحث الابيستمولوجيا أو نظرية المعرفة يبحث في هذه الأشياء، فقديما تطرق الفلاسفة إلى ما هي المعرفة وكيف يمكن أن تكتسب؟ وما هي قيمة المعرفة؟ وما الفرق بين العلم والمعرفة؟ بل وما علاقة العلم بالمعرفة؟ فهذه هي المباحث التي تبحث فيها الابيستمولوجيا والتي حاولت العديد من المدارس الفلسفية الرد على هذه الأسئلة محاولين تفسير ما توصلت إليه البشرية من علوم ومعارف واكتشافات ونتائج غيرت الكثير من ملامح العالم سواء على صعيد العلم الطبيعي أو الرياضي أو الإنساني.
 

المشكلات والمدارس

من أهم المشكلات التي واجهت العديد من الفلاسفة وكانت مسارا للخلافات النظرية والفلسفية بينهم على مر العصور هي هل للمعرفة قيمة؟ وهل يمكن التوصل إلى معرفة مطابقة للواقع فيحصل عنها العلم واليقين؟

فإذا تم رسم تلك المدارس على خط معياري فإننا سوف نرى اختلافات من أقصى  اليمين إلى أقصى اليسار، من شدة إنكار المعرفة إلى اعتبار المعرفة أنها هي الحقيقة الموضوعية خارج الذهن وليس هناك مجالا للشك.

فمن أبرز المدارس الفلسفية القديمة التي أنكرت المعرفة بالكلية كانت المدرسة السفسطائية والتي أكد أحد أبطالها "غورغياس" على عدة قضايا الأولى أنه لا يوجد شئ، والثانية أنه اذا وجد شئ فالإنسان قاصر عن إدراكه، والثالثة أنه في حالة ادراكه من قبل الإنسان فإنه لن يستطيع أن يبلغه لغيره.

يأتي بعدها في الدرجة مرحلة الشك في المعرفة، وهي التي مفادها أنها تقوم بالتشكيك في مصادر المعرفة المختلفة، فهي ترى أنه لا يمكن الاعتماد على الحس في معرفة الأشياء لأنه لا يصدق دائما، فكان البشر على اعتقاد أن الأرض مسطحا بناء على الحواس ولكن بالقواعد العقلية والفيزيائية بعد ذلك ثبت حقيقة أن الأرض كروية، وأيضا الحكم على حجم الأشياء ربما لا يكون دقيقا أو معبرا عن حقيقتها فالأشياء كلما اقتربت ظهرت بحجم أكبر مما هي عليه في الواقع والعكس صحيح مثل القمر، فالقمر يرى من بعيد حجمه على أنه صغير ولكن عندما اقترب منه رواد الفضاء اكتشفه حقيقة حجمه الكبير.

من أبرز الفلاسفة الذين أثاروا مسألة الشك من الفلاسفة القدامى هم بيرون فلقد قال بالشك المطلق أى أن كل قضية تحتمل قولين، ويمكن اثباتها ونفيها بقوة متعادلة. ثم في الفلسفة الحديثة ديكارت الذي بدأ فلسفته ونظرته إلى المعرفة بالشك ثم انتقل من الشك إلى اليقين إلى حد ما وديكارت يعتبر من المدرسة العقلية حيث التصديق أن هناك قواعد عقلية أولية ضرورية من خلالها يستطيع الإنسان الحصول على المعارف والوصول إلى الأحكام وذلك لوجود حقائق موضوعية خارج الأذهان، ولعل ما دفع ديكارت إلى التسليم بهذا النوع من المعرفة وقيمتها هو بحثه في الأفكار الفطرية التي تبدو في غاية الوضوح والجلاء مثل الله والحركة والنفس.

ومن الشكاكين أيضا جون لوك الفيلسوف الانجليزي الذي ينتمي إلى المدرسة الحسية التجريبية التي تصدق بأن الحس هو المصدر الرئيسي لمعرفة الإنسان ولكن في نفس الوقت هذا الحس لا يمكن التصديق له في كافة الأحيان وتعتمد هذه المدرسة أن الحقائق ما هي إلا مدركات حسية باطنية كانت أو ظاهرية للإنسان فهي انعكاس لهذا الحس الذي قد لا يصدق في بعض الأحيان الأمر الذي يضعف من قيمة المعرفة في تلك المدرسة.

وإلى أقصى اليمين نرى المثل الأفلاطونية في المدرسة المثالية، تلك المثالية التي لم ينكر أن يشكك في أن هناك حقائق موضوعية خارج الذهن، بل اعتقد بموضوعية الادراكات العقلية وموضوعية الإحساس أيضا "بمعنى إدراك المعاني الخاصة بالحس" إلا أن الفيلسوف باركلي كان له رأي آخر في مسألة المثالية التي من خلالها غير مفهوم المثالية في أمر المعرفة فهو لم ينكر الوجود الخارجي ولكنه أكد على وجود الشئ متوقف على إدراك الإنسان له أي أن يكون الشئ موجود في إدراك الإنسان لذلك فحقيقة الإدراك عنده هي الذات المدركة لدى الإنسان والتي أشار إليها بالعقل، والمصدر الآخر هو الله الذي يخلق داخل الإنسان الإحساس بالأشياء ففي هذه المثالية الحديث تصبح المعرفة لا قيمة لها فليس هناك اعتراف بالحقيقة الموضوعية للفكر والادراك ووجود حقائق خارج الذهن والادراك الذاتي للإنسان.

تأتي المدرسة العقلية لتكون بمثابة الميزان الذي يقع في منتصف خط هذه النظريات، فهذه المدرسة لا تنكر وتشكك وفي نفس الوقت لا تؤكد على تمام اليقين والحقيقة إلا في أمور معينة بالدليل والبرهان. فتعتمد هذه المدرسة على أن الإنسان يكتسب معرفته عن طريق مصادر أولية ضرورية عقلية وهي التي مصدرها العقل والذهن والادراك والتي يدرك بها قوانين يستطيع من خلالها الوصول إلى المعرفة وحقائق الأشياء مثل أن التناقض مستحيل مثل اجتماع الوجود والعدم في نفس الزمان والمكان والمحل "المادة أو الجسد"، ومثل استحالة أن يكون الجزء أكبر من الكل، ومن الناحية الرياضية " الواحد هو نصف الاثنين مثلا" وغيرها من الأمور التي لا تحتاج إلى الحس والتجربة. وهناك معارف أخرى ثانوية يستطيع الإنسان التوصل إليها بالتجربة والحس مع إعمال طاقته الذهنية باستخدام القواعد الأولية أيضا، فتحدث التجربة في نفس وادراك الإنسان اليقين اذا طابقت الواقع، أو الظن إن لم تطابقه. والأساس الفلسفي لتلك النظرية العقلية هو اليقين الذي أسسه أرسطو ردا على السفسطائية قديما فيما يخص إنكار الحقائق مستعينا بالقاعدة الفلسفية أن "حقائق الأشياء ثابتة والعلم بها متحقق" أي أن هناك موجودات خارج الذهن لها طبيعة وحقيقة خاصة سواء أدركها الإنسان أم لم يدركها، ومعرفتها ممكنة ومتحققة من خلال العديد من الطرق والمصادر.

وأخيرا من الإشكاليات الهامة في مسألة المعرفة في الفلسفة والتي لها انطباع كبير في النهضة العلمية الحديثة "الطبيعية والإنسانية" هي المدرسة النسبية والتي لا تنكر الحقائق أو المعرفة ولكنها ترى أن تلك الحقائق ليس موضوعية مطلقة بل كافة الحقائق والمعارف تشوبها ألوان من الذاتية فهي نسبية من إنسان إلى آخر فليس هناك حقائق مطلقة، وفي سياق آخر يمكن التطرق بشكل مفصل إلى إشكالية النسبية في العلوم وخاصة العلوم الإنسانية والاجتماعية، ومن أهم فلاسفة النسبية هو كانت.
 

خاتمة: الابيستمولوجيا والعلم

ترتبط الابيستمولوجيا او نظرية المعرفة بالعلم ارتباط وثيق، ولمعرفة هذا الارتباط لابد من تعيين تعريفا للعلم وهو " إدراك الشئ أو المعنى على ما هو عليه في الواقع" اذا فالمعنى هنا يتحدث عن الإدراك وعن أن هناك واقعا لابد من ادراكه ولا يمكن أن يتم ادراك هذا الواقع ومن ثم العلم به إلا عن طريق معرفة كيف يتم ادراك هذا الواقع والوصول إلى حقيقته وهو ما تجيب عليه نظرية المعرفة، فهي تفسر ما تم وسوف يتم التوصل إليه من حقائق تطابق الواقع. كما تؤثر النظريات والفلسفات المختلفة في إمكان وقيمة المعرفة على توليد العلوم واكتسابها فاستخدام الفلسفة العقلية ليست كالفلسفة التجريبية وغيرها.

لذلك أيضا إن مسألة التوصل إلى النظرية أو الفلسفة الأكثر مطابقة لحقيقة الإنسان والوجود سويا من أجل اكتساب المعرفة من شأنه أن يؤدي إلى نتائج أكثر منطقية للعلم بالواقع والحقائق التي تعيش حولنا سواء كانت حقيقة مادية أو معنوية أو ميتافيزيقية. كما يفيد الإلمام بهذا المبحث التوصل إلى الأصل المنطقي للعلوم وقيمتها الموضوعية ونقدها اذا احتاج الأمر لذلك بواسطة استخدام قواعد العقل الأولية ومصادر المعرفة.

فالايبستمولوجيا من أهم المفاهيم والمصطلحات الفلسفية التي لها أثر وانطباع على فهم وادراك الواقع والحقائق من حولنا ومن خلالها يستطيع الانسان الحكم على القضايا والعلوم المختلفة بالاثبات والنفي، بالظن أو الشك أو الرجحان او اليقين.
 

المراجع:
- محمد باقر الصدر، فلسفتنا، دار التعارف للطبوعات، بيروت، 2009.
- د. راجح عبد الحميد الكردي، نظرية المعرفة بين القرآن والفلسفة، مكتبة المؤيد، الرياض، 1992.
- عبد الرحمن حسن حنبكة الميداني، ضوابط المعرفة وأوصول الاستدلال والمناظرة، دار القلم، دمشق، 2015.
-  Robert Audi, Epistemology: A contemporary Introduction to the theory of knowledge, Routledge, London, 2003.

 


اقرأ المزيد:
مدخل إلى نظرية المعرفة
كيف نكتسب علومنا ومعارفنا؟
هل قضى العلم التجريبي على كل طريق للمعرفة سواه؟

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان