رئيس التحرير: عادل صبري 01:33 صباحاً | الأربعاء 21 نوفمبر 2018 م | 12 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

نشر الكتب في حضارتنا (4): بين جنبات الأندلس

نشر الكتب في حضارتنا (4): بين جنبات الأندلس

مفاهيم

مسجد قرطبة

نشر الكتب في حضارتنا (4): بين جنبات الأندلس

محمد شعبان أيوب* 23 نوفمبر 2015 13:11

برع الأندلسيون في فنون كثيرة، وشغفوا بكل تليد وطارف، لقد أفاضت عليهم الطبيعة الغناء حب الجمال، وأفاض عليهم التلاقح العرقي والثقافي بين العرب والبربر وأحفاد اللاتين شغفًا بالثقافة والكتب، وظهر هذا الشغف منذ بواكير الحركة السياسية الأندلسية، منذ عصر الدولة الأموية فيها التي بفضلها شهد الأندلسيون الاستقرار السياسي والحضاري لمدة ثلاثة قرون تالية.

ومع إنتاج الورق بدأت المرحلة الذهبية للكتاب الإسلامي، فقد ازداد عدد المخطوطات كثيرًا وأخذ التنافس يشمل الخلفاء والوزراء والأغنياء على اقتناء الكتب الغالية والنادرة، وأصبح الخطاطون موضع البحث والتقدير بينما كان الكبار منهم يُغمرون بالتواصي والهدايا القيمة، وكان الكثير من الخطاطين يعملون في المكتبات حيث ينسخون هناك المؤلفات لحساب تلك المكتبات، بينما كان كبار الخطاطين يعيشون في قصور الخلفاء حيث ينسخون المؤلفات الغالية للمكتبات الخاصة، وإلى جانب هؤلاء كان هناك خطاطون يعيشون فقط من عملهم، أي يعملون حسب الطلب[1].

ولشدة حب بعض حكام الاندلس في الكتب المنمقة ذات الخطوط الجيدة، كانوا يجيزون الوارقين الحذاق بالمكافآت المجزية، حتى إن بعض هؤلاء الوراقين كان يتوافد من الأقطار النائية والبعيدة عن الأندلس، مثل "ظفر البغدادي، سكن قرطبة، وكان من رؤساء الوراقين المعروفين بالضبط وحسن الخط كعباس بن عمرو الصقلي ويوسف البلوطي وطبقتهما، واستخدمه الحكم المستنصر بالله في الوراقة، لما علم من شدة اعتناء الحكم بجمع الكتب واقتنائها"[2].

لقد كان في الأندلس الإسلامية سبعون مكتبة عامة، وكان الأغنياء يتباهون بكتبهم المجلدة بالجلد القرطبي، ومحبو الكتب يجمعون النادر المزخرف منها. ومن ذلك أن الحضرمي أحد العلماء رأى في مزاد بقرطبة رجلاً آخر لا يفتأ ينافسه فيزيد من ثمن كتاب يرغب فيه حتى فاق الثمن كثيرا قيمة الكتاب، ولما سئل المزايد الذي اقتناه في ذلك قال إن في مكتبته الخاصة موضعا خاليا يسع هذا الكتاب بالدقة. ويضيف فاغتاظ العالم من هذا القول أشد الاغتياظ ولم يسعه إلا أن يقول: "نعم لا يكون الرزق كثيرا إلا عند مثلك، ويعطى الجوز من لا أسنان له"[3].

وقد ذكر المؤرخ ابن الفرضي طائفة من العلماء ممن كانت مهمتهم تنحصر في مراجعة الكتب ومعارضتها وتصحيحها في المكتبة الأموية في قرطبة والزهراء، منهم الرباجي محمد بن يحيى الأزدي، قال عنه ابن الفرضي: "كان: فَقِيها، إماما، موثوقا أخذ كتاب: سيبويه رواية عن ابن النّحاس، وكان جَيّد النظر، دقيق الاسْتِنْبَاط، حاذقا بالقياس. نظر النّاس عنده في الإعراب، وأدَّب عند الملوك، وَاسْتَأدَبه أمير المؤمنين الناصر رضي الله عنه لابنه المِغيرة، ثم صار إلى خدمة المُستَنْصِر بالله في مقابلة الكتب وتوسع له في الجراية. وكان: رجُلاً صَالِحاً متديناً. و تُوفِّي (رحمه الله): في شهر رمضَان سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة"[4].

وكان من بين هؤلاء المعارضين والمصححين الأديب اللغوي محمد بن الحسين الفهري القرطبي، وهو ناسخ ووراق، وقد تقدم أقرانه في حفظ الأدب والعلم باللغات، وقد استعمله الحكم المستنصر في مهمة علمية لمكتبته؛ فقد "تولى مع رفيقه محمد بن معمر الجياني نسخ مالم يهذبه أبو علي القالي من تأليفه الذي سماه: البارع وتهذيبه مع أصوله التي بخطه وخطهما عما كتب بين يديه، وكان هو قد عمل فيه من سنة خمسين إلى أن توفي لسبع خلون من جمادى الأولى سنة خمس وخمسين (وثلاثمائة)، وصحح منه كتاب الهمزة وكتاب العين، فلما كمل الكتاب، وارتفع إلى الحكم المستنصر بالله وأراد أن يقف على ما فيه من الزيادة على النسخة المجتمع عليها من كتاب العين، فبلغ ذلك إلى خمسة آلاف وست مائة وثلاث وثمانين كلمة"[5].

وقد اشتُهرت بعض المدن الأندلسية بنشر الكتب، حتى صارت مثلاً سائرًا بين العلماء في مُناظراتهم، فقد نقل المقري عن ابن سعيد المراكشي أنه قال: "جرت مناظرة بين يدي منصور بن عبد المؤمن بين الفقيه العالم أبي الوليد بن رشد والرئيس أبي بكر بن زُهر، فقال ابن رشد لابن زهر في كلامه: ما أدري ما تقول، غير أنّه إذا مات عالم بإشبيلية فأريد بيع كتبه حمُلت إلى قرطبة حتى تباع فيها، وإذا مات مُطرب بقرطبة فأريد بيع تركته حُملت إلى إشبيلية"[6].

أما عملية التأليف ذاتها فقد جاء على رأسها العلماء والفقهاء والقضاة ورجال الحديث والعلماء التجريبون والفلاسفة، كما اشترك فيها بعض العمال والولاة، وتفاوت حجم التأليف من كاتب لآخر، فقد ذكر المقري أن كتاب "السماء والعالم" الذي ألفه أحمد بن أبان (ت382هـ) صاحب شرطة قرطبة كان يقع في مائة مجلد، وقد رأى بعضه المقري بفاس[7]. كذلك ألف المظفر بن الأفطس (ت460هـ) – أحد ملوك الطوائف في الأندلس – الكتاب المظفري في خمسين مجلدا، يشتمل على كل ما يختص به علم الأدب، واشتُهر المظفر هذا، بأنه كان "أديب ملوك عصره غير مدافع ولا منازع، وله التصنيف الرائق، والتأليف الفائق"، وقد اشتمل كتاب "المظفري" على فنون وعلوم من مغازٍ وسير ومثل وخبر وجميع ما يختص به علم الأدب، أبقاه للناس[8].

ومما يلفت الانتباه أنه لم يكن يُسمح بنشر الكتب في الأندلس قبل التصريح بنشره، فقد كان يُقرأ أولا للجمهور من قبل المؤلف نفسه، ثم يقرأ علناً ثلاث مرات أخرى بصيغ متفاوتة من قبل نسّاخ بحضور المؤلف، وفي هذه الأثناء تجري التعديلات والإضافات اللازمة بإملائها على المستملي الذي يُعيد قراءة الصيغة الجديدة على المؤلف، وأخيراً يبلغ الكتاب أجله وصيغته النهائية بقراءته عاليًا على المؤلف بحضور الناس، ثم يعطى المؤلف ترخيص إجازته لهذه الصيغة للنشر[9].

وكان يُسمى ترخيص الكتاب "إجازة"، وتعني جعله شرعيًا، وكان المؤلف يضع إجازته على النُّسخ التي صادق عليها، وهي ترمز إلى أنه سمح بنقل الأثر (الأدبي والعلمي) منه بالشكل المصادق عليه، وهو تعبير يتكرر، وكان من المهم الحصول على الإجازة من المؤلف مباشرة، مع عبارة سماعًا عنه، أي بعد أن سمع المؤلف قراءتها، ومن ثم لم يكن الناسخ (الناشر) يستطيع أن يتجاوز حدوده في نشر أي كتاب دون موافقة كتابية صريحة من المؤلف، أي إعطاء الناشر "أمر نسخ"، أو "أمر طبع" أو حق النشر بمصطلحات العصر الحديث، أو حق الطبع كما يُسمى في عصرنا الحاضر "copyright"، وهذا وذاك لا يتحققا إلا بعد مراجعة النص المعد للنسخ "النشر" مراجعة دقيقة، مع الأصل الذي هو في فكر المؤلف كما أملاه للتحقيق من صحته[10].

لقد أصاب المستشرق الإسباني خوليان ريبيرا حين وصف هذه الحالة النشطة في طلب الكتب والعناية بها في الأندلس، حين قال: "لم تكد الحركة الثقافية تأخذُ طريقها بين الإسبان المسلمين حتى أصبح الكتاب موضع التقدير والإعجاب، ويكفي أي عائد من رحلة إلى المشرق أن يحمل معه كتابا جديدًا، حتى يُصبح مناط الإعجاب والحفاوة من مواطنيه، ومع الكتاب يأخذ اسمه طريقه إلى مدونات الأدب والتاريخ، وأغلى الجواهر ثمنًا، وأعظمها قيمة، كتاب نادر يستطيع التاجر الماهر أن يأتي به من المشرق إلى إسبانيا، وكان المسلمون من أصل إسباني أو وافدين، واليهود والمسيحيون والموالي يتنافسون في أن تكون لهم مكتبات خاصة وغنية، ولم يَبقَ الأمويون في آخر الصف بالنسبة لهذه الحركة، فأخذوا منذ البدء يجمعون من الكتب مجموعات كبيرة، وبلغت قمّتها في حياة الحكم الثاني، عاشق الكتب، وأكثر أمراء بني أمية غرامًا بها، وأصبحت قرطبة مدينة الفكر، والعقل المدبّر لكل الغرب الإسلامي"[11]

 


[1] ألكسندر ستيبتشفيتش: تاريخ الكتاب، ترجمة محمد الأرناؤوط 1/ 237.

[2] المقري: نفح الطيب 3/ 111.

[3] ديورانت: قصة الحضارة 13/ 307.

[4]  ابن الفرضي: تاريخ العلماء والرواة للعلم بالأندلس، تحقيق عزت العطار 2/ 71.

[5]  أبو عبد الله القضاعي: التكملة لكتاب الصلة، تحقيق عبد السلام الهراس 1/ 298.

[6] نفح الطيب 1/ 463.

[7] نفح الطيب 3/ 381.

[8] نفح الطيب 3/ 380.

[9] حامد الشافعي دياب: الكتب والمكتبات في الأندلس ص64.

[10] حامد الشافعي: السابق ص65.

[11] خوليان ربيبرا: التربية الإسلامية في الأندلس ص126.

 


اقرأ المزيد:

نشر الكتب في حضارتنا (1)

نشرُ الكُتب في حضارتنا (2): سباق المكتبات!

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان