رئيس التحرير: عادل صبري 11:57 صباحاً | الأربعاء 21 نوفمبر 2018 م | 12 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

الفكر العربي في عصر النهضة (1/ 2)

الفكر العربي في عصر النهضة (1/ 2)

مفاهيم

من اليمين: الخديوي توفيق، محمد عبده، جمال الدين الأفغاني

الفكر العربي في عصر النهضة (1/ 2)

محمد أسامة 22 نوفمبر 2015 15:38

لا يملك المتأمل في حال الأمة العربية قبل حوالي قرن من الزمان (حيث السلطنة العثمانية وصراع النفوذ بين الدول الأوروبية والتقدم العلمي المطرد) إلا أن يتعجب كيف لتلك العقود -القليلة وإن كثرت- أن تنقل الأمة والشعوب من حال إلى حال، ومن عصبية إلى عصبية، ومن لواء إلى لواء، وكيف صدحت الحناجر التي ظلت تبايع خليفتها لقرون في مساجد الجمعة بنداء "الدين لله والوطن للجميع".

الواقع أن تلك النقلة التي أطلت حتميتها مع الحملة الفرنسية على مصر عام ١٧٩٨م (حيث كان الاتصال الخاطف والمزلزل مع الحضارة الغربية) مرت بمراحل عدة، وعبر قنوات شتى من المبادئ والانتماءات والمصالح التي عملت جميعها على إعادة تشكيل الفكر العربي، بينما تلك المبادئ والمصالح نفسها تتفاعل وتتبدل تحت تأثير المستجدات السياسية والفكرية التي تظهر على الساحة العالمية.

نحن هنا نعرض تلخيصا لكتاب ألبرت حوراني: "الفكر العربي في عصر النهضة" (أول المراجع التأريخية لتلك الحقبة وأهمها حتى الآن) في ستة فصول قسمت على مقالتين، نشرع الآن في أولاهم قائلين:
 

العائدون من باريس

أخذ الفكر العربي يتحور -في الأساس- نتيجة لاتصال الشعوب العربية وتأثرها -بشكل مباشر أو غير مباشر- بالفكر الأوروبي ونظم إدارة الدول الأوروبية، وهو ما جعل "الإصلاح" هاجسا حقيقيا للمفكرين والكتاب العرب، فنمت عدة تيارات فكرية رئيسة ستستمر في تشكيل الفكر العربي لعقود طويلة، كان لكل تيار منها تصوره الخاص عن علاقة ذلك الإصلاح المرجو بالشريعة الإسلامية، أيحصل بالرجوع إلى أصول الدين التي كان في اتباعها فلاح السلف؟ أم أنه لا مفر من التخلي عن تلك الأصول واتباع التعاليم الأوروبية الحديثة؟ بل لعل النظم الحديثة تلك هي ما جاءت الشريعة تنادي به؟

كانت للسنوات الخمس التي قضاها الشيخ رفاعة الطهطاوي (١٨٠١-١٨٧٣) في باريس إماما لأول بعثات الخديوي محمد علي بداية من عام ١٨٢٦ أثر كبير على الحركة الثقافية في مصر بعد ذلك. عاد رفاعة بمعرفة رفيعة باللغة الفرنسية، كما اطلع على الفلسفة الإغريقية والرياضيات والتاريخ وقرأ لعدد من فلاسفة عصر التنوير، لكن اطلاعه على الاكتشافات المذهلة لعلماء الآثار المصرية هناك منحه قالبا يستوعب أفكار منتسكيو عن خصوصية سكان القطر الواحد ودور الطبيعة الجغرافية في تكوين الشرائع، وأهمية فضيلة حب الوطن في صنع الحضارة.

رأس الطهطاوي تحرير جريدة "الوقائع المصرية" فترة من الزمن إلى جانب إسهامه في إثراء حركة الترجمة، كما شارك في إعداد نظام التربية الجديدة. أما عن آرائه، فقد احتفظ فيما يخص نظام الحكم بالفكرة التقليدية، حيث يملك الحاكم سلطات تنفيذية مطلقة لا يقوِّمها إلا ضميره المنضبط بالشريعة وتقديره لحكمة علمائها. لذا حذر رفاعة الحكام من اتخاذ المستشار أو المعاون الفاسد، ولكي يقيد من نفوذ الحاكم أسهب رفاعة في ذكر فضائل وأهمية علماء الدين كمعاونين مخلصين وحكماء. وهؤلاء العلماء يتوجب عليهم دراسة العلوم الحديثة، ليتعرفوا على عالمهم المعاصر، ويحسنوا تفسير الشريعة وفق الحاجات والنوازل الحديثة. كما وجه إلى ضرورة إكرام سائر العلماء، واستشارة أهل الطب والهندسة وسائر العلوم النافعة للدولة. لعل نظرة الشيخ رفاعة لطبقة العلماء تتعدى معارفهم، فيراهم بوصفهم أحد فئات "أهل الحل والعقد" الذين يعبرون عن نبض الشعوب ويشكلون حلقة الوصل بين الحاكم والرعية، تلك الرعية التي يتوجب تثقيفها ثقافة سياسية والاهتمام بتعليم أبنائها وتنشئتهم على الخلق القويم وحب الوطن.

كان الوطن عند رفاعة هو مصر، تلك الأرض التي شهدت حضارة لم يرَ العالم لها مثيلا، والتي ما كان تخلفها إلا عارضا سببه حكم الأجانب من مماليك وشراكسة. فسبق حضارة الفراعنة -عند رفاعة- على الإسلام تاريخيا لا ينفي جدارتها بالدراسة والتأمل، هذا وشجع رفاعة المصريين على الابتكار وتبني العلوم الحديثة دون خوف على دينهم، فما يملكه الأوروبيون اليوم كان ملكا للمسلمين في الماضي، وليس ذلك الاشتغال إلا استردادا لحق أصيل.

لكن باريس لم يقف تأثيرها في هذا الجيل عند رفاعة، بل تعدته إلى خير الدين التونسي (١٨٢٠-١٨٩٠)، الذي زارها في مهمة رسمية دامت لأربع سنوات، فتركت فيه -كغيرها من محطات عدة في حياته السياسية الصاخبة- بصمة تجلت في كتابه السياسي "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك" المنشور في تونس عام ١٨٦٧. خاطب خير الدين باشا في كتابه الأمة الإسلامية جمعاء لا حيزه الجغرافي فحسب، يحثها على اقتباس نظم الحكم عن الغرب، فما الذي يضمن صلاح السلطان العثماني وهو أمل الأمة ودرعها، ما دام يحكم بلا رقيب ولا مُسائل، لذا كان من غير المعقول ترك مصير الأمة رهنا لصلاح فرد وتقواه، بل وجب تقييده بالقوانين والشورى، فالدولة العلية نفسها كانت في أوج قوتها عندما كان لعلمائها صلاحيات تصل لخلع السلطان عن عرشه، وخير الدين في كل ذلك يستشهد -كسابقه- بالقرآن والسنة والفقهاء كما يستشهد بفلاسفة أوروبا ومفكريها. أخذ خير الدين يقرب فكرة وزارات وبرلمانات أوروبا من فكرة "الشورى" كما شبه أعضائها بأهل الحل والعقد في التراث الإسلامي.

شدد خير الدين على الطبيعة السلبية للشريعة -كما يراها- من حيث هي لا ترشد تحديدا لما يجب عمله، وإنما تنهى عما يجب اجتنابه، وهو ما يستلزم إباحة كل ما لم تحذر منه، لا تحريمه. فإنما أتت الشرائع لخير البشر وتحقيق مصالحهم، فأينما كانت المصلحة -دونما معارضة صريحة لنصوص الشريعة- فثم شرع الله.

في تلك الأثناء نشطت جماعة من الكُتاب الأتراك الذين تأثروا بآداب أوروبا ولمسوا مقدار تقدمها، دون خلعٍ لعباءة الانتماء الديني المتأصلة في مجتمعهم، فساهموا بدورهم في تأصيل المؤسسات الغربية تأصيلا إسلاميا، وكان أبرزهم حزب "الشباب العثمانيين" الذي اتخذ من باريس ملاذا ومقرا له كما اتخذ من الصحف حديثة الظهور في السلطنة ميدانا لأقلامه، ذلك قبل حله عام ١٨٧١ وعودة أعضائه إلى تركيا معفيا عنهم.

والحقيقة أن مقدار الجهد المبذول من هذا الجيل للتوفيق بين المدنية والتراث الإسلامي أمر جلي، لكنه عبء لم يحمله رعايا السلطنة من المسيحيين العرب -بطبيعة الحال- والذين كانت صلتهم بأوروبا أكثر كثافة بسبب مدارس الإرساليات والعمل بالتجارة.

كان للمسيحيين العرب في تلك الحقبة ميزة هامة، هي اهتمامهم وتعلقهم باللغة العربية، فقد تتلمذوا -ومعهم مسلمون!- على يد طبقة الأستاذ اللبناني ناصيف اليازجي (١٨٠٠-١٨٧١) صاحب الأشعار والمقامات البديعة. لكن التلاميذ -المسيحيين- اقتبسوا الثقافة مع اقتباسهم اللغة، فصارت ثقافتهم بمعنى من المعاني، وإن كانت لا تخصهم بمعنى آخر، إذ كانت ثقافة إسلامية كما هي عربية. من هنا كانت أزمة المسيحيين العرب تختلف عن أزمة أقرانهم المسلمين. منحت اللغة وتذوقها للمسيحيين العرب شعورا برحابة العالم، ورغبة في الخلاص من ضيق الطائفة التي شكلت عالمهم الوحيد لزمن طويل، لذا هجر بعض الكتاب -كغيرهم- طوائفهم إلى حرية البروتستنتية النسبية التي أسسها المرسلون الأمريكان والإنجليز واعترف بها السلطان في ١٨٥٠. هذا وواجههم سؤال آخر: إلى أي جماعة سينتمون الآن؟ فالإمبراطورية -رغم كل شيء- إسلامية. كانت آمالهم الآن معلقة بفرمان ١٨٥٦ الذي أصدره السلطان عبد المجيد ونصَّ على المساواة بين جميع رعايا الدولة العثمانية وإلغاء الجزية عن "النصارى"، فقد وجدوا فيه بادرة لتحول الإمبراطورية إلى دولة علمانية حديثة.

نتيجة لنشاط المسيحيين العرب وقوة بيانهم، كانوا هم القائمين على أغلب الصحف غير الرسمية التي انتشرت في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، في بيروت والقاهرة وإسطنبول، فتربى جيل بأكمله على مقالات وأفكار الكتاب اللبنانيين الجدد أمثال فارس الشدياق (١٨٠٤-١٨٨٧) الذي بلغ درجة من التفوق الأدبي تمكن معها من المشاركة في الصياغة العربية للعهد الجديد، كما ألف في باريس كتابا في فضل اللغة العربية، وأصدر صحيفة "الجوائب" عام ١٨٦٠ لدى انتقاله إلى إسطنبول بدعوة من السلطان. حققت الصحيفة نجاحا كبيرا، واتخذها الشدياق منبرا لتحليلاته السياسية وترجماته للوثائق الدبلوماسية الهامة، ومقارناته بين الحياة الأوروبية والشرقية، مادحا فيها اجتهاد الأوروبيين وذكائهم ووحدتهم الاجتماعية، واستقلال قراراتهم عن سلطة رؤسائهم الروحيين، ودور النساء في الحياة الاجتماعية.

كان لقلم
بطرس البستاني (١٨١٩-١٨٨٣) أثر كبير كذلك، فهو صاحب القاموس المحيط، ورائد دائرة المعارف، الذي شارك في ترجمة التوراة إلى العربية، وعمل في القنصلية البريطانية والأمريكية في بيروت قبل تأسيسه المدرسة الوطنية عام ١٨٦٣، ليسهم تلاميذه في نشأة القصة والرواية العربية والصحافة الحديثة. كانت الفضيلة الأهم للأوروبيين في نظر البستاني هي الوحدة الوطنية والمساواة، ف"حب الوطن من الإيمان" وكلنا أبناء لآدم وحواء، نعبد الإله ذاته.

لم يصدر عن البستاني ما يشير إلى تمرد على السلطنة، بل لعله طمع في قيام القصر بمزيد من الإصلاحات، إلا أن حديثه كان موجها لأهل كل قطر على حدة، هؤلاء الذين يشتركون في أرض وعادات وثقافة واحدة. شدد على ضرورة احترام جميع الديانات والمساواة بين أتباعها، وإصدار قوانين عادلة تتفق وروح العصر بحيث تفصل بين حقلي الدين والدنيا، كما يتوجب اتخاذ اللغة العربية لغة للتربية، لفهم العلوم الحديثة واستيعابها، لتصبح قادرة على التعبير عن المفاهيم الحديثة، ويصبح ناطقو الضاد مواطنين في عصر العلم والابتكارات المتجددة.
 

الأفغاني وعبده

وصلنا عهد السلطان عبد الحميد الثاني، بعد سلسلة حافلة من الأزمات والأحداث الجسام. فقد برزت أنياب أوروبا ولم تعد مجرد مثال يحتذى في أساليب الحكم، بل صارت للأتراك والعرب –مسلمين لا مسيحيين- خطرا يهدد مجتمعهم، فما بين معاهدة برلين ١٨٧٨ واحتلال فرنسا لتونس ١٨٨١ وإنجلترا لمصر ١٨٨٢، فظهر سؤال آخر:

كيف يمكن للدول الإسلامية مقاومة الخطر الخارجي الجديد؟

ساهمت تلك الأزمات في تقوية شوكة "تركيا الفتاة" وعززت القلاقلُ التي أحدثها البلغاريون والبوسنيون من جرأتها في المناداة بدستور يؤسس للمساواة في وطن مشترك مما يقدم للرعية أسبابا للولاء. واستغل مدحت باشا حليف "تركيا الفتاة" اللدود هذه الظروف فقاد انقلابا أحل فيه مراد الخامس محل عمه السلطان عبد العزيز، قبل أن يستبدل به السلطان عبد الحميد الثاني في نهاية الأمر، الذي ما أن حانت الفرصة حتى حل البرلمان وعطل الدستور ونفى مدحت باشا إلى الحجاز حيث سيلقى حتفه بعد أعوام قليلة.

بعث السلطان عبد الحميد الثاني مطلب الخلافة من جديد، بعدما جمع المسلمين حوله بأن وصل بين دمشق ومكة بالسكة الحديد، وجمع من حوله عددا من اللغويين المهرة والمتصوفة أخذوا يؤيدونه ويدعمون مطلبه. كان السلطان يرى في تلك الدعوى كبحا لجماح الدول الأوروبية التي تحكم رعايا مسلمة، وربما الاستيلاء على أراضٍ جديدة حيثما كان الإسلام آخذًا في الانتشار.

في تلك الفترة ظهر جمال الدين الأفغاني (١٨٣٨-١٨٩٧) في مصر، بعد تجربة سياسية غير موفقة في أفغانستان. ومنها ارتحل إلى إسطنبول، لكنه أثار غضب المحافظين ببعض أفكاره فعاد إلى مصر عام ١٨٧١ ليمكث فيها ثماني سنوات تتلمذ فيها على يديه نخبة من المفكرين الذين سيسهمون في الحياة الفكرية المصرية والعربية بشكل مؤثر، منهم محمد عبده وسعد زغلول وأحمد لطفي السيد.

ولما تسلم توفيق الخديوية نفى الأفغاني إلى الهند خوفا من أفكاره المنددة بالتدخل الأوروبي والداعية لتقليص صلاحيات الحاكم بالدستور والمشجعة على إثارة الحراك الوطني والحس الوطني الحر. وفي عام ١٨٨٤ انتقل الأفغاني إلى باريس حيث سيلحق به محمد عبده ليؤسسا معا جمعية سرية ويصدرا مجلة "العروة الوثقى" ذات الاهتمام بالوضع السياسي في بلاد الإسلام. ثم سيقضي الأفغاني أعوامه الباقية مترحلا بين إنجلترا وروسيا وإيران وتركيا بخطط سياسية وآمال في ولي أمر يحمل معه هم الإسلام؛ ستخيب جميعها ويتبدى له عجزه أمام القوى الاستعمارية الكبرى وتمسُّك حكام المسلمين بمصالحهم.

كانت الخلافة عند الأفغاني نوعا من السلطة الروحية، لا تسلط لحاكم واحد على مجموع الدول الإسلامية، كما آمن بإمكانية إزالة أعمق الخلافات بين طوائف المسلمين، والتعاون من أجل المصلحة المشتركة. ويتضح للمتأمل في سيرة الأفغاني وكتاباته بقلم محمد عبده أن غاية الإسلام عنده تتعدى مجرد عبادة إله واحد، فهي إقامة مدنية متقدمة وعادلة أيضا. هذا ولم يرَ الأفغاني يوما أن أوروبا أقوى من الدول الإسلامية بفطرتها كما أخذ يروج الانهزاميون خسيسو الهمة، بل رأى ذلك وهما من شأنه بث روح الجبن والتخاذل في قلب الأمة.

نعرج الآن على أحد أنبغ تلامذة الأفغاني وأوثقهم صلة به، أعني الشيخ محمد عبده (١٨٤٩-١٩٠٥) الذي نال درجة العالمية عام ١٨٧٧ واشتغل بمهنة التدريس الأثيرة إليه. ثم شارك في أحداث الثورة العرابية وما تلاها من احتلال إنجلترا لمصر بمقالات تحمل روح أستاذه الأفغاني. فسُجن ونُفي لمدة ثلاث سنوات قضاها وزاد عليها في محاولات نضالية متنقلة لم تؤتِ ثمارها، فختم تلك الفترة في بيروت يلقي المحاضرات.

ولما سمح الخديوي بعودة محمد عبده عام ١٨٨٨ عُين قاضيا في المحاكم الأهلية، وفي ١٨٩٥ عُين مفتيا لمصر، مما مكنه من إجراء الإصلاحات التي يرتئيها في المحاكم الدينية وإدارة الأوقاف. في تلك الفترة تعلم محمد عبده اللغة الفرنسية فطالع الفكر الأوروبي بتوسع واتصل مع كبار المفكرين الأوروبيين، حتى أنه تراسل مع الروسي تولستوي.

كان عبده يرى أن القوانين الأوروبية التي يحاول الخديوي زرعها -رغم إعجابه بها- لن تثمر في غير أرضها، بل وقد تفسدها. إلا أنه كان يؤمن بالحاجة إلى التجديد وبضرورة استمرار عجلة التحديث التي أطلقها محمد علي، فهو في معظمه مما ينادي به الإسلام، بل ويحمل الإسلام من النصوص والتعاليم ما يؤهله للعب دور المحرك لهذه العجلة. فمحمد عبده -حقيقة- لم يكن يجيب كالسابقين على المشككين في صلاحية الثقافة الأوروبية من وجهة نظر إسلامية، بل كان يسعى لإثبات صلاحية الإسلام من وجهة نظر الثقافة الحديثة.

كانت إحدى غايات محمد عبده الرئيسية إثبات إمكانية التوفيق بين الإسلام وبين الفكر الحديث، وكيفية تحقيق ذلك. لذا وجب التفريق بين ما هو جوهري لا يقبل التغيير وبين ما يمكن تغييره. وعدم التفريق بينهما هو ما أوصل المسلمين -في نظر الشيخ- إلى ما هم فيه من تخلف. فأشار محمد عبده إلى أن المجتمع المسلم لا يتميز بالشريعة فقط، ولكن بإعمال العقل أيضا، مستشهدا بالنصوص الصريحة.

أما الفكر القومي فله في تفكير الشيخ مكانة كبيرة، حتى أن أول مقالة له في الأهرام كانت عن الماضي العظيم للمصريين. وكان يؤمن بأهمية التاريخ والجغرافيا المشتركين في تقوية الروابط الوطنية والحض على التعاون والبناء، فكان يؤمن أن الوحدة الجغرافية هي أقوى أنواع الوحدة، وأن انتساب غير المسلمين للأمة لا يقل أصالة عن انتساب المسلمين لها.

 


اقرأ المزيد:



الواقع أن تلك النقلة التي أطلت حتميتها مع الحملة الفرنسية على مصر عام ١٧٩٨م (حيث كان الاتصال الخاطف والمزلزل مع الحضارة الغربية) مرت بمراحل عدة، وعبر قنوات شتى من المبادئ والانتماءات والمصالح التي عملت جميعها على إعادة تشكيل الفكر العربي، بينما تلك المبادئ والمصالح نفسها تتفاعل وتتبدل تحت تأثير المستجدات السياسية والفكرية التي تظهر على الساحة العالمية.

نحن هنا نعرض تلخيصا لكتاب ألبرت حوراني: "الفكر العربي في عصر النهضة" (أول المراجع التأريخية لتلك الحقبة وأهمها حتى الآن) في ستة فصول قسمت على مقالتين، نشرع الآن في أولاهم قائلين:

العائدون من باريس

أخذ الفكر العربي يتحور -في الأساس- نتيجة لاتصال الشعوب العربية وتأثرها -بشكل مباشر أو غير مباشر- بالفكر الأوروبي ونظم إدارة الدول الأوروبية، وهو ما جعل "الإصلاح" هاجسا حقيقيا للمفكرين والكتاب العرب، فنمت عدة تيارات فكرية رئيسة ستستمر في تشكيل الفكر العربي لعقود طويلة، كان لكل تيار منها تصوره الخاص عن علاقة ذلك الإصلاح المرجو بالشريعة الإسلامية، أيحصل بالرجوع إلى أصول الدين التي كان في إتباعها فلاح السلف؟ أم أنه لا مفر من التخلي عن تلك الأصول واتباع التعاليم الأوروبية الحديثة؟ بل لعل النظم الحديثة تلك هي ما جاءت الشريعة تنادي به؟

كانت للسنوات الخمس التي قضاها الشيخ رفاعة الطهطاوي (١٨٠١-١٨٧٣) في باريس إماما لأول بعثات الخديوي محمد علي بداية من عام ١٨٢٦ أثر كبير على الحركة الثقافية في مصر بعد ذلك. عاد رفاعة بمعرفة رفيعة باللغة الفرنسية، كما اطلع على الفلسفة الإغريقية والرياضيات والتاريخ وقرأ لعدد من فلاسفة عصر التنوير، لكن اطلاعه على الاكتشافات المذهلة لعلماء الآثار المصرية هناك منحه قالبا يستوعب أفكار منتسكيو عن خصوصية سكان القطر الواحد ودور الطبيعة الجغرافية في تكوين الشرائع، وأهمية فضيلة حب الوطن في صنع الحضارة.

رأس الطهطاوي تحرير جريدة "الوقائع المصرية" فترة من الزمن إلى جانب إسهامه في إثراء حركة الترجمة، كما شارك في إعداد نظام التربية الجديدة. أما عن آرائه، فقد احتفظ فيما يخص نظام الحكم بالفكرة التقليدية، حيث يملك الحاكم سلطات تنفيذية مطلقة لا يقومها إلا ضميره المنضبط بالشريعة وتقديره لحكمة علمائها. لذا حذر رفاعة الحكام من اتخاذ المستشار أو المعاون الفاسد، ولكي يقيد من نفوذ الحاكم أسهب رفاعة في ذكر فضائل وأهمية علماء الدين كمعاونين مخلصين وحكماء. وهؤلاء العلماء يتوجب عليهم دراسة العلوم الحديثة، ليتعرفوا على عالمهم المعاصر، ويحسنوا تفسير الشريعة وفق الحاجات والنوازل الحديثة. كما وجه إلى ضرورة إكرام سائر العلماء، واستشارة أهل الطب والهندسة وسائر العلوم النافعة للدولة. لعل نظرة الشيخ رفاعة لطبقة العلماء تتعدى معارفهم، فيراهم بوصفهم أحد فئات "أهل الحل والعقد" الذين يعبرون عن نبض الشعوب ويشكلون حلقة الوصل بين الحاكم والرعية، تلك الرعية التي يتوجب تثقيفها ثقافة سياسية والاهتمام بتعليم أبنائها وتنشئتهم على الخلق القويم وحب الوطن.

كان الوطن عند رفاعة هو مصر، تلك الأرض التي شهدت حضارة لم ير العالم لها مثيل، والتي ما كان تخلفها إلا عارض سببه حكم الأجانب من مماليك وشراكسة. فسبق حضارة الفراعنة -عند رفاعة- على الإسلام تاريخيا لا ينفي جدارتها بالدراسة والتأمل، هذا وشجع رفاعة المصريين على الابتكار وتبني العلوم الحديثة دون خوف على دينهم، فما يملكه الأوروبيون اليوم كان ملكا للمسلمين في الماضي، وليس ذلك الاشتغال إلا استرداد لحق أصيل.

لكن باريس لم يقف تأثيرها في هذا الجيل عند رفاعة، بل تعدته إلى خير الدين التونسي (١٨٢٠-١٨٩٠)، الذي زارها في مهمة رسمية دامت لأربع سنوات، فتركت فيه -كغيرها من محطات عدة في حياته السياسية الصاخبة- بصمة تجلت في كتابه السياسي "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك" المنشور في تونس عام ١٨٦٧. خاطب خير الدين باشا في كتابه الأمة الإسلامية جمعاء لا حيزه الجغرافي فحسب، يحثها على اقتباس نظم الحكم عن الغرب، فما الذي يضمن صلاح السلطان العثماني وهو أمل الأمة ودرعها، ما دام يحكم بلا رقيب ولا مسائل، لذا كان من غير المعقول ترك مصير الأمة رهنا لصلاح فرد وتقواه، بل وجب تقييده بالقوانين والشورى، فالدولة العلية نفسها كانت في أوج قوتها عندما كان لعلمائها صلاحيات تصل لخلع السلطان عن عرشه، وخير الدين في كل ذلك يستشهد -كسابقه- بالقرآن والسنة والفقهاء كما يستشهد بفلاسفة أوروبا ومفكريها. أخذ خير الدين يقرب فكرة وزارات وبرلمانات أوروبا من فكرة "الشورى" كما شبه أعضائها بأهل الحل والعقد في التراث الإسلامي.

شدد خير الدين على الطبيعة السلبية للشريعة -كما يراها- من حيث هي لا ترشد تحديدا لما يجب عمله، وإنما تنهى عما يجب اجتنابه، وهو ما يستلزم إباحة كل ما لم تحذر منه، لا تحريمه. فإنما أتت الشرائع لخير البشر وتحقيق مصالحهم، فأينما كانت المصلحة -دونما معارضة صريحة لنصوص الشريعة- فثم شرع الله.

في تلك الأثناء نشطت جماعة من الكتاب الأتراك الذين تأثروا بآداب أوروبا ولمسوا مقدار تقدمها، دون خلع لعباءة الانتماء الديني المتأصلة في مجتمعهم، فساهموا بدورهم في تأصيل المؤسسات الغربية تأصيلا إسلاميا، وكان أبرزهم حزب "الشباب العثمانيون" الذي اتخذ من باريس ملاذا ومقرا له كما اتخذ من الصحف حديثة الظهور في السلطنة ميدانا لأقلامه، ذلك قبل حله عام ١٨٧١ وعودة أعضائه إلى تركيا معفي عنهم.

والحقيقة أن مقدار الجهد المبذول من هذا الجيل للتوفيق بين المدنية والتراث الإسلامي أمر جلي، لكنه عبء لم يحمله رعايا السلطنة من المسيحيين العرب -بطبيعة الحال- والذين كانت صلتهم بأوروبا أكثر كثافة بسبب مدارس الإرساليات والعمل بالتجارة.

كان للمسيحيين العرب في تلك الحقبة ميزة هامة، هي اهتمامهم وتعلقهم باللغة العربية، فقد تتلمذوا -ومعهم مسلمون!- على يد طبقة الأستاذ اللبناني ناصيف اليازجي (١٨٠٠-١٨٧١) صاحب الأشعار والمقامات البديعة. لكن التلاميذ -المسيحيين- اقتبسوا الثقافة مع اقتباسهم اللغة، فصارت ثقافتهم بمعنى من المعاني، وإن كانت لا تخصهم بمعنى آخر، إذ كانت ثقافة إسلامية كما هي عربية. من هنا كانت أزمة المسيحيين العرب تختلف عن أزمة أقرانهم المسلمين. منحت اللغة وتذوقها للمسيحيين العرب شعورا برحابة العالم، ورغبة في الخلاص من ضيق الطائفة التي شكلت عالمهم الوحيد لزمن طويل، لذا هجر بعض الكتاب -كغيرهم- طوائفهم إلى حرية البروتستنتية النسبية التي أسسها المرسلون الأمريكان والإنجليز واعترف بها السلطان في ١٨٥٠. هذا وواجههم سؤال آخر: إلى أي جماعة سينتمون الآن؟ فالإمبراطورية -رغم كل شيء- إسلامية. كانت آمالهم الآن معلقة بفرمان ١٨٥٦ الذي أصدره السلطان عبد المجيد ونص على المساواة بين جميع رعايا الدولة العثمانية وإلغاء الجزية عن "النصارى"، فقد وجدوا فيه بادرة لتحول الإمبراطورية إلى دولة علمانية حديثة.

نتيجة لنشاط المسيحيين العرب وقوة بيانهم، كانوا هم القائمين على أغلب الصحف غير الرسمية التي انتشرت في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، في بيروت والقاهرة وإسطنبول، فتربى جيل بأكمله على مقالات وأفكار الكتاب اللبنانيين الجدد أمثال فارس الشدياق (١٨٠٤-١٨٨٧) الذي بلغ درجة من التفوق الأدبي تمكن معها من المشاركة في الصياغة العربية للعهد الجديد، كما ألف في باريس كتابا في فضل اللغة العربية، وأصدر صحيفة "الجوائب" عام ١٨٦٠ لدى انتقاله إلى إسطنبول بدعوة من السلطان. حققت الصحيفة نجاحا كبيرا، واتخذها الشدياق منبرا لتحليلاته السياسية وترجماته للوثائق الدبلوماسية الهامة، ومقارناته بين الحياة الأوروبية والشرقية، مادحا فيها اجتهاد الأوروبيين وذكائهم ووحدتهم الاجتماعية، واستقلال قراراتهم عن سلطة رؤسائهم الروحيين، ودور النساء في الحياة الاجتماعية.

كان لقلم
بطرس البستاني (١٨١٩-١٨٨٣) أثر كبير كذلك، فهو صاحب القاموس المحيط، ورائد دائرة المعارف، الذي شارك في ترجمة التوراة إلى العربية، وعمل في القنصلية البريطانية والأمريكية في بيروت قبل تأسيسه المدرسة الوطنية عام ١٨٦٣، ليسهم تلاميذه في نشأة القصة والرواية العربية والصحافة الحديثة. كانت الفضيلة الأهم للأوروبيين في نظر البستاني هي الوحدة الوطنية والمساواة، ف"حب الوطن من الإيمان" وكلنا أبناء لآدم وحواء، نعبد الإله ذاته.

لم يصدر عن البستاني ما يشير إلى تمرد على السلطنة، بل لعله طمع في قيام القصر بمزيد من الإصلاحات، إلا أن حديثه كان موجها لأهل كل قطر على حدة، هؤلاء الذين يشتركون في أرض وعادات وثقافة واحدة. شدد على ضرورة احترام جميع الديانات والمساواة بين أتباعها، وإصدار قوانين عادلة تتفق وروح العصر بحيث تفصل بين حقلي الدين والدنيا، كما يتوجب اتخاذ اللغة العربية لغة للتربية، لفهم العلوم الحديثة واستيعابها، لتصبح قادرة على التعبير عن المفاهيم الحديثة، ويصبح ناطقو الضاد مواطنين في عصر العلم والابتكارات المتجددة.
 

الأفغاني وعبده

وصلنا عهد السلطان عبدالحميد الثاني، بعد سلسلة حافلة من الأزمات والأحداث الجسام. فقد برزت أنياب أوروبا ولم تعد مجرد مثال يحتذى في أساليب الحكم، بل صارت للأتراك والعرب –مسلمين لا مسيحيين- خطرا يهدد مجتمعهم، فما بين معاهدة برلين ١٨٧٨ واحتلال فرنسا لتونس ١٨٨١ وإنجلترا لمصر ١٨٨٢ .. فظهر سؤال آخر:

كيف يمكن للدول الإسلامية مقاومة الخطر الخارجي الجديد؟

ساهمت تلك الأزمات في تقوية شوكة "تركيا الفتاة" وعززت القلاقل التي أحدثها البلغاريون والبوسنيون من جرأتها في المناداة بدستور يؤسس للمساواة في وطن مشترك مما يقدم للرعية أسبابا للولاء. واستغل مدحت باشا حليف "تركيا الفتاة" اللدود هذه الظروف فقاد انقلابا أحل فيه مراد الخامس محل عمه السلطان عبد العزيز، قبل أن يستبدل به السلطان عبد الحميد الثاني في نهاية الأمر، الذي ما أن حانت الفرصة حتى حل البرلمان وعطل الدستور ونفى مدحت باشا إلى الحجاز حيث سيلقى حتفه بعد أعوام قليلة.

بعث السلطان عبد الحميد الثاني مطلب الخلافة من جديد، بعدما جمع المسلمين حوله بأن وصل بين دمشق ومكة بالسكة الحديد، وجمع من حوله عدد من اللغويين المهرة والمتصوفة أخذوا يؤيدونه ويدعمون مطلبه. كان السلطان يرى في تلك الدعوى كبحا لجماح الدول الأوروبية التي تحكم رعايا مسلمة، وربما الاستيلاء على أراض جديدة حيثما كان الإسلام آخذ في الانتشار.

في تلك الفترة ظهر جمال الدين الأفغاني (١٨٣٨-١٨٩٧) في مصر، بعد تجربة سياسية غير موفقة في أفغانستان. ومنها ارتحل إلى اسطنبول، لكنه أثار غضب المحافظين ببعض أفكاره.. فعاد إلى مصر عام ١٨٧١ ليمكث فيها ثماني سنوات تتلمذ فيها على يديه نخبة من المفكرين الذين سيسهمون في الحياة الفكرية المصرية والعربية بشكل مؤثر، منهم محمد عبده وسعد زغلول وأحمد لطفي السيد.

ولما تسلم توفيق الخديوية نفى الأفغاني إلى الهند خوفا من أفكاره المنددة بالتدخل الأوروبي والداعية لتقليص صلاحيات الحاكم بالدستور والمشجعة على إثارة الحراك الوطنية والحس الوطني الحر. وفي عام ١٨٨٤ انتقل الأفغاني إلى باريس حيث سيلحق به محمد عبده ليؤسسا معا جمعية سرية ويصدرا مجلة "العروة الوثقى" ذات الاهتمام بالوضع السياسي في بلاد الإسلام. ثم سيقضي الأفغاني أعوامه الباقية مترحلا بين انجلترا وروسيا وإيران وتركيا بخطط سياسية وآمال في ولي أمر يحمل معه هم الإسلام ستخيب جميعها ويتبدى له عجزه أمام القوى الاستعمارية الكبرى وتمسك حكام المسلمين بمصالحهم.

كانت الخلافة عند الأفغاني نوع من السلطة الروحية، لا تسلط لحاكم واحد على مجموع الدول الإسلامية، كما آمن بإمكانية إزالة أعمق الخلافات بين طوائف المسلمين، والتعاون من أجل المصلحة المشتركة. ويتضح للمتأمل في سيرة الأفغاني وكتاباته بقلم محمد عبده أن غاية الإسلام عنده تتعدى مجرد عبادة إله واحد، فهي إقامة مدنية متقدمة وعادلة أيضا. هذا ولم يرى الأفغاني يوما أن أوروبا أقوى من الدول الإسلامية بفطرتها كما أخذ يروج الانهزامين خسيسي الهمة، بل رأى ذلك وهما من شأنه بث روح الجبن والتخاذل في قلب الأمة.

نعرج الآن على أحد أنبغ تلامذة الأفغاني وأوثقهم صلة به، أعني الشيخ محمد عبده (١٨٤٩-١٩٠٥) الذي نال درجة العالمية عام ١٨٧٧ واشتغل بمهنة التدريس الأثيرة إليه. ثم شارك في أحداث الثورة العرابية وما تلاها من احتلال إنجلترا لمصر بمقالات تحمل روح أستاذه الأفغاني. فسجن ونفي لمدة ثلاث سنوات قضاها وزاد عليها في محاولات نضالية متنقلة لم تؤتي ثمارها، فختم تلك الفترة في بيروت يلقي المحاضرات.

ولما سمح الخديوي بعودة محمد عبده عام ١٨٨٨ عين قاضيا في المحاكم الأهلية، وفي ١٨٩٥ عين مفتيا لمصر، مما مكنه من إجراء الإصلاحات التي يرتئيها في المحاكم الدينية وإدارة الأوقاف. في تلك الفترة تعلم محمد عبده اللغة الفرنسية فطالع الفكر الأوروبي بتوسع واتصل مع كبار المفكرين الأوروبيين، حتى أنه تراسل مع الروسي تولستوي.

كان عبده يرى أن القوانين الأوروبية التي يحاول الخديوي زرعها -رغم إعجابه بها- لن تثمر في غير أرضها، بل وقد تفسدها. إلا أنه كان يؤمن بالحاجة إلى التجديد وبضرورة استمرار عجلة التحديث التي أطلقها محمد علي، فهو في معظمه مما ينادي به الإسلام، بل ويحمل الإسلام من النصوص والتعاليم ما يؤهله للعب دور المحرك لهذه العجلة. فمحمد عبده -حقيقة- لم يكن يجيب كالسابقين على المشككين في صلاحية الثقافة الأوروبية من وجهة نظر إسلامية، بل كان يسعى لإثبات صلاحية الإسلام من وجهة نظر الثقافة الحديثة.

كانت إحدى غايات محمد عبده الرئيسية إثبات إمكانية التوفيق بين الإسلام وبين الفكر الحديث، وكيفية تحقيق ذلك. لذا وجب التفريق بين ما هو جوهري لا يقبل التغيير وبين ما يمكن تغييره. وعدم التفريق بينهما هو ما أوصل المسلمين -في نظر الشيخ- إلى ما هم فيه من تخلف. فأشار محمد عبده إلى أن المجتمع المسلم لا يتميز بالشريعة فقط، ولكن بإعمال العقل أيضا، مستشهدا بالنصوص الصريحة.

أما الفكر القومي فله في تفكير الشيخ مكانة كبيرة، حتى أن أول مقالة له في الأهرام كانت عن الماضي العظيم للمصريين. وكان يؤمن بأهمية التاريخ والجغرافيا المشتركين في تقوية الروابط الوطنية والحض على التعاون والبناء، فكان يؤمن أن الوحدة الجغرافية هي أقوى أنواع الوحدة، وأن انتساب غير المسلمين للأمة لا يقل أصالة عن انتساب المسلمين لها.

 


اقرأ المزيد:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان