رئيس التحرير: عادل صبري 08:12 صباحاً | الاثنين 10 ديسمبر 2018 م | 01 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

الهروب من الحرب الأهلية.. مصر نموذجا

الهروب من الحرب الأهلية.. مصر نموذجا

مفاهيم

إعدام أسرى من الحرب الأهلية الصينية

عرض كتاب

الهروب من الحرب الأهلية.. مصر نموذجا

فريق العمل 04 أكتوبر 2015 19:03

"ما من ثورة عظيمة واحدة حدثت في التاريخ بدون حرب أهلية" لينين

لم تعد كلمات لينين تلك، بالنسبة لنا نحن العرب، درسا تاريخيا يثير الرهبة أو النزوع إلى ممارسة الحكمة، بعدما تعين بين يدينا واقعا في سوريا وليبيا واليمن، وصارت كل دولة عربية، خاصة تلك التي مرت بالربيع العربي بوعوده وإخفاقاته وعلى رأسها مصر، أمام شبح الحرب الأهلية المروعة. في هذا السياق، يأتي كتاب "الهروب من الحرب الأهلية.. مصر نموذجا"، للباحث المصري ياسر الغرباوي مدير مركز التنوع، والصادر في 2015، كإسهام في مواجهة ذلك الخطر المحتمل، مواجهة جادة وموضوعية.

يتضمن الكتاب فصولا أربعة، يتناول الأول منها الجذور الفكرية للحروب الأهلية التي يمثل تفكيك كل منها إجهاضا لحرب أهلية محتملة. بينما ينتقل الفصل الثاني إلى التجارب التاريخية المتنوعة التي شهدت حروبا أهلية، وكيف كانت سيناريوهات الخروج من تلك الأزمات. فالعلاقة بين الفصلين الأول والثاني أقرب ما تكون إلى العلاقة بين النظرية والتطبيق. أما الفصلان الثالث والرابع فهما أقرب إلى كونهما دراسة الحالة العربية والمصرية خاصة، بعدما كان الباحث قد فرغ من استعراض المسألة في صورتها التجريدية وتاريخها العالمي.
 

كيف تنشأ الحرب الأهلية؟

يعرف الباحث الحروب الأهلية بكونها: "عملية تلتهم فيها مجموعة من الأفكار المتطرفة رصيد التعايش بين أناس تعايشوا معا لقرون عديدة..." وهو تعريف يشف عن الطبيعة المثالية لمقاربة الباحث لمفهوم الحرب الأهلية، حيث ينظر إليها باعتبارها مسألة نظرية أو ثقافية بالأساس، تلعب فيها الأفكار، دون السياقات التاريخية والتناقضات الاجتماعية، دور اللاعب الرئيس في تكوينها، إلى حد اقتصار التعريف عليها دون تحديد الوجه المادي الذي تتعين به الحرب الأهلية كظاهرة اجتماعية وتاريخية، ويشترط تحققه في الواقعة لينطبق عليها المفهوم، كأطراف الحرب الأهلية ودوافعها.
 

الحاجة إلى الدولة:

ليست جديدة على عالمنا العربي، تلك النزاعات العرقية والطائفية والمذهبية التي تتأجج اليوم. لكن ما يجعل تلك النزاعات تبلغ ذروتها اليوم، هو ضعف سيطرة الدولة على المجال العام، الأمر الذي بقدر ما كان منحة لتلاقح الأفكار وإنضاج البرامج، كان تحديا بما يتيحه من انتشار للأفكار المتعصبة والطائفية.

ولأهمية ملف "معالجة الأفكار النمطية عن التنوع والاختلاف"، فقد أسهب تقرير التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP في 2004 بعنوان "الحرية الثقافية في عالمنا المتنوع" أهم الخرافات السياسية التي يصدقها صناع القرار وتكون معيقة للاستقرار والسلم الأهلي، مثل: التنافس بين هويات الشعوب العرقية وانتمائهم للدولة، وخرافة كون البلدان المتنوعة أقل قدرة على التنمية، وفلسفة بناء القلاع بين الهويات: وهي خرافة حتمية عدم الانفتاح على الهويات المغايرة بغرض الحفاظ على نقاوة الهوية الأصيلة.
 

التاريخ: نعمة أم نقمة؟

التاريخ يتضمن دوما محطات مضيئة وأخرى مظلمة، فالأمم المتطلعة إلى المستقبل تسلط الضوء على المضيئة، أما الشعوب الغارقة في الماضي، كما في الحالة العربية، فتعاني قصفا متبادلا بين الطوائف والمكونات العرقية والدينية. ويعزو الكاتب إساءة استخدام الوقائع التاريخية إلى جهل المؤلفين بمدارس التاريخ الفلسفية مما يوقعهم في أخطاء منهجية في التعامل مع التاريخ، منها:

1- التحليل العقائدي: فالغالب على قراءة التاريخ الإسلامي، قراءته على أساس أن البشر لا تحركهم سوى العقائد لا الصراع على السلطة مثلا، كإرجاع انتصار صلاح الدين مثلا إلى محاربته المذهب الشيعي يعد تسطيحا يخل بحقائق الأمور.

2- عرض التاريخ كله باعتباره تاريخ لأغلبية دون سائر المجموعات الوطنية.

3- إشعال معارك اعتمادا على تفسير متعسف للتاريخ كتصوير السنة كلهم باعتبارهم أحفاد يزيد قاتل الحسين، أو الشيعة باعتبارهم أحفاد الوزير الخائن ابن العلقمي.

4- الخلط بين التاريخ وبين الوحي أو المقدس، ويتجلى هذا في الشعوب التي لها شرائع سماوية تتفاعل معها المجتمعات فتنتج تراثا تاريخيا يخضع لمنطق عصره. ولكن يأتي الخلل من فقيه معاصر يعتبر هذا التراث وحيا واجب الاتباع.
 

الحلول العقيمة: البحث عن حلول في التراث:

إذا كانت الأمم تتعلم عبر وسيلتين، هما: الورقة والقلم (دروس التاريخ) والتعلم بالعصا (النكبات)؛ فإن الأمة الإسلامية مع ذلك لم تتعلم من تاريخها في الحروب الطائفية. يرى الكاتب لذلط أن علينا بذل الجهد في التعلم بالوعي ومراجعة التراث والمخزون الفقهي والوجداني.

فكلما برزت سجالات طائفية أسرع العديد إلى عبارات من قبيل "فتنة عصم الله منها سيوفنا فلنعصم منها ألستننا". وهي عبارة ربما مثلت حلا أو تسوية إجرائية ناجحة قديما، لكن هل تصلح في عالمنا المعاصر؟ يقيم الكاتب هنا أيضا تمييزا معرفيا بين المبدأ والمنهج، فهذه العبارة هي من قبيل المناهج المتجددة لا المبادئ الثابتة، لذا لا ينبغي أن ترفع في وجه من يعيد فتح تلك القضايا ومعالجتها للتخلص من آثارها السلبية.

ينتج عن هذا الخلط أيضا "شعور واهم" بأن في التاريخ إجابة على أسئلة العصر دون اعتبار اختلاف الزمان والمكان.
 

الدين والعلمانية: هل هما المشكلة أو الحل؟

كل الأديان تدعو الناس إلى "معرفة الحق ورحمة الخلق". فالمشكلة ليست في النصوص المقدسة ولكن في أنماط التدين البشرية. وتتصاعد مشكلة أنماط التدين عندما تعتقد بعض الجماعات الدينية أنا قراءتها للنص هي الفهم الأصوب للتعاليم الإلهية.

وينشأ التعصب عند إساءة تناول النص الديني. ويقيم هنا الكاتب تمييزا هاما أيضا في آيات القرآن في التعاطي مع الآخر، بين ثلاثة أنواع: تعرض عقائد، تثبت حقائق، وتقرر حقائق. وإذا كان النص قابلا لقراءات متعددة فعلينا ألا نستقي من النص ما يغتال المستقبل. وإن كان الكاتب هنا يثير مشكلة أعقد من تلك التي حاول حلها، أعني مشكلة النص وتأويله.

وكما أن الدين ليس هو ذاته المشكلة، فليس هو كذلك الحل. هناك أمثلة كثيرة للصراع الضاري بين من ينتمون إلى الدين الواحد: معركة صفين بين المسلمين، والحروب الدينية في أوروبا القرون الوسطى، وحديثا: إبادة الهوتو للتوتسي في رواندا مع كون كلاهما من الكاثوليك، وصراعات الصومال وكلها من المسلمين السنة الشافعية، وصراع الحكومة في الجنوب مع الجنجاويد وغيرهم وكلهم مسلمون مالكية. ويخلص الكاتب إلى أن الإيمان وحده دون برامج تدبر الاختلاف لن يوفر السلام.

أما العلمانية فليست هي الحل الناجع للطائفية كما يصور البعض. ويضرب الكاتب هنا مثالا بالعراق التي لم تتخلص من التوتر الطائفي حتى تحت حكم البعث، مما يدل على أن المشكلة هي في الأفكار الانقسامية لدى مكوناته. ويمكن تأييد رأي الكاتب هنا بالحالة اللبنانية وإن لم يشر إليها.

فالطائفية ظاهرة إنسانية لا مجرد ظاهرة دينية، ولذا يقترح الكاتب "إدخال مختلف العلوم الإنسانية" في دراسة مشكلات التنوع العرقي والطائفي بما يوفر مناظير مختلفة للظاهرة كظاهرة إنسانية متكاملة ليست متعلقة بوجه واحد من وجوه الاجتماع كالمسألة الدينية مثلا.
 

الأغلبية والأقلية:

"إذا كان الإنجليز يتمسكون ببقائهم في مصر بحجة حماية الأقباط، فأقول: ليمت القبط وليحيا المسلمون أحرارا" الأب سرجيوس على منبر الأزهر 1919
 

إذا كانت الأغلبية مسئولة عن احتواء الأقليات، فيمكن التفريق كذلك بين نوعين من الأقليات:

(1) أقليات تؤمن بأنها جزء من المجتمع الذي يحتوي الأغلبية على الرغم من المظالم الواقعة عليها.
(2) أقليات تسعى إلى الاستقلال عن الأغلبية.

وإذا كانت الأغلبية مسئولة عن احتواء الأقليات، فالأقليات التي تسعى إلى الاندماج أيضا مسئولة عن:

1- صناعة خطاب جامع يركز على المشترك مع الأغلبية.
2- تقديم نماذج جذابة على مستوى الأفراد والمؤسسات.
 

تجارب في إدارة النزاع الأهلي

(1) التجربة الأيرلندية.. 7 عوامل أنهت الصراع:

ظلت أيرلندا الشمالية موطنا للصراع بين الرومان الكاثوليك الراغبين في الاستقلال وبين الاتحاديين الموالين للتاج البريطاني وأغلبهم من البروتستانت. منذ الستينات، أخذ هذا الصراع منحى داميا، لم ينته إلا باتفاق "الجمعة العظيمة" 1998 بين جمهورية أيرلندا وبريطانيا وسائر الجهات المتنازعة برعاية الولايات المتحدة، بفضل سبعة عوامل:

1- إدراك الطرفين (الحكومة البريطانية والأحزاب المسلحة وعلى رأسها حزب الشين فين) أن العنف لن يحسم الصراع.

2- الموافقة على الوساطة الأجنبية التي كفلت مشاركة الجميع في الاتفاق دون استبعاد أحد بحجة أنه يمثل "الإرهاب".

3- قوة ومصداقية الوسيط التي ضمنت جدية الاتفاق.

4- إتاحة الوقت الكافي (امتدت فترة التفاوض لـ 700 يوم) سمحت لقادة الأحزاب بالرجوع لأنصارهم وإقناعهم بالانخراط في الاتفاق.

5- إنشاء هيئات منها "الجمعية العظيمة" تضمن تنفيذ الاتفاقية وإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية وتنظيم الاحتفالات الدينية موسم النزاع.

6- نشاط المجتمع المدني لتجسير الفجوة بين المكونات الوطنية.

7- تقاسم السلطة بين الجميع دون إقصاء أي طرف.
 

(2) التجربة التركية:

قام مركز التنوع بزيارة إلى تركيا 2014 للتعرف عن قرب على تحربة الحركة الإسلامية هناك، والتقت في هذا الإطار بالدكتور عمر قرقمار مستشار الزعيم التركي الراحل أربكان، وحاولت رصد عوامل نجاح التجربة التركية في التالي:

أولا: الفضاء الفقهي التركي: تبني الفقه الحنفي منذ العصر العثماني على نطاق واسع في تركيا.

ثانيا: التدين التركي الصوفي.

ثالثا: مرونة الأيديولوجية الحركية: فالحركة الإسلامية في تركيا لم تثقل نفسها بتراث أيديولوجي على غرار الحركات في الشرق المثقلة بأدبيات مؤسسيها ورموزها على غرار البنا والمودودي وقطب.

رابعا: ابتعاد الحركة عن المعارك الصفرية: فقد فضل أربكان مواجهة الانقلاب العسكري 1998 بسياسة طويلة المدى دون إلقاء الحركة الإسلامية وتركيا كلها في آتون من العنف.

وقد تجلت كل هذه النقاط في مشاركة إردوغان في احتفال مدينة طالقاني التركية الشيعية بذكرى عاشوراء، حيث ألقى خطابا عن استشهاد الحسين قائلا: "لست هنا لأشارك في مصابكم بل في مصابنا... جميعا".
 

(3) التجربة السيريلانكية الدامية.. تجربة نمور التاميل:

سيطرت الأغلبية السنهالية البوذية على سيريلانكا إبان وبعد الاحتلال الإنجليزي، ووقعت في تمييز واضح ضد الأقلية التاميلية الهندوسية، حيث أقر دستور الاستقلال 1972 البوذية كديانة رسمية، ثم تم إقرار قانون السنهالية فقط Sinhala only act الذي جعل من السنهالية لغة رسمية وحيدة مما أفقد الموظفين التاميليين أماكنهم الوظيفية لعدم تمكنهم من السنهالية، كما أقصي ثلث النواب التاميل في البرلمان بعد نزع الجنسية عن مليون تاميلي في المناطق الجبلية بحجة كونهم هنود جلبهم الاحتلال.

أدى كل ذلك إلى تكوين حركة نمور التاميل 1976 والتي قامت بعمليات اغتيال كبرى ناجحة على رأسها اغتيال الرئيس بريماداسا 1993. ولكن الجيش واجه تلك الحركة بعنف شديد زاد في تأزم الأمور، وإن كان قد نجح في إخضاع الحركة بعد مقتل زعيمها برابهاكاران 2009. ولذا يبقى السلام في سيريلانكا سلاما هشا والأزمة قابلة للاشتعال باستمرار.

تجدر الإشارة إلى أن التاميل سبق وأن تحالفوا مع الاحتلال الإنجليزي ضد الأغلبية السنهالية، مما يعطي درسا لكل الأطراف المتنازعة بأن القوة لا تظل دوما في نفس الكفة.
 

(4) تجربة النهضة التونسية:

لا شك أن تجربة النهضة جذبت أنظار الكثيرين بسياساتها الحكيمة والوطنية، مما جعل الكثيرين ينظرون إليها باعتبارها بطل إنقاذ الثورة التونسية على الرغم من خسارتها الانتخابات البرلمانية. ويحدد الباحث لذلك أسبابا داخلية وأخرى خارجية أدت بالنهضة إلى هذه السياسات الحكيمة:

الأسباب الداخلية:

1- العقل المركب لشخصية المؤسسين: الغنوشي الذي درس في الزيتونة والسوربون كما درس الفلسفة في سوريا، ومورو ابن الطبقة الأرستقراطية.

2- انفتاح الحركة على المدارس الفكرية الأخرى، حيث يعتبرهم البعض تحقيقا لأفكار المفكر الجزائري مالك بن نبي.

3- حسم الحركة المبكر للعديد من القضايا الفكرية وتكوين إطار معرفي متماسك فيها.

الأسباب الخارجية:

1- وجود يسار قوي شكل تحديا كون لكوادر النهضة عضلات فكرية مفتولة.

2- انفتاح المجتمع التونسي على البر الأوروبي.

3- فرض نظام علماني متوحش أدى إلى نوع من التقاطع بين طموحات الشعب ومطالب الحركة.
 

الصراع الأهلي في مصر والعالم العربي

يكفي أن نتحدث بلغة الأرقام لندلل على حجم أزمة الصراع الأهلي في العالم العربي:

1- عدد ضحايا الحرب الأهلية في لبنان فقط يساوي عدد ضحايا كل معاركنا مع إسرائيل، وهو 200000 قتيل.

2- في التقرير السنوي الذي يصدره صندوق السلام والسياسة الخارجية، تحتل السودان والعراق والصومال المراكز الثلاثة الأولى في قائمة الدول الفاشلة.

3- في تقرير بعثة الأمم المتحدة إلى العراق، بلغ عدد اللاجئين العراقيين نتيجة العنف الطائفي 500000 لاجئ (يبدو أن الكتاب خرج قبل أن تثار أزمة اللاجئين السوريين أخيرا).

4- تقرير مجموعة الأزمات الدولية 2006 يرصد تراجع الزواج المختلط بين السنة والشيعة في العراق من 50% في السبعينات إلى 0% في 2005.
 

هل مصر مهددة بالحرب الأهلية؟

عندما يحذر الخبراء من اقتراب مصر من حرب أهلية يسارع المصريون بعاطفة جياشة إلى الرفض. وهناك خمس خرافات تدعم ذلك الشعور بالخصوصية المصرية:

1- المجتمع الدولي والنظام العالمي لن يسمح بالفوضى في مصر: هو أمر يغفل تقاطع مصالح الدول الكبرى وقصورها عن الإدارة المطلقة للأمور.

2- أهمية موقع مصر الاستراتيجي سيجعل العالم حريصا على أمن مصر: والواقع أن هناك دولا شديدة الأهمية لم يستطع العالم أن يضمن لها الاستقرار كـ أوكرانيا.

3- التاريخ المصري لم يشهد حروبا أهلية: على الرغم من صدق تلك الدعوى إلا أنها لا تكفي في نفي سقوط مصر في المستقبل في مستنقع الحرب الأهلية، ولدينا نموذج ماليزيا ذات التاريخ المتسامح الذي لم يمنع اشتعالها في الستينات.

4- الطبيعة السيكولوجية للشعب المصري لا تدعم ذلك: وهو ادعاء يغفل تغير تلك السيكولوجيا بتغير الظروف، ويتغافل عن النموذج اللبناني الذي يعرف  الشعب فيه بانفتاحه وحبه للحياة.

5- مصر بها مؤسسات قوية ستمنع الاقتتال الداخلي: لكن تلك المؤسسات صارت على المحك وانخرطت في الصراع السياسي ولم يعد من الممكن الاعتماد عليها كضمانة.

ويأتي التهديد للسلم الأهلي في مصر من مصدرين، هما: التوتر الإسلامي/المسيحي، والصراع بين السلطة والمؤسسة العسكرية من جهة والإخوان المسلمين وحلفائهم من جهة أخرى. وتمثل العقلية العسكرية بحد ذاتها تهديدا للسلم الأهلي؛ ذلك أن نظام الأفكار الذي قد يصلح داخل الثكنات لا يناسب الحياة المدنية كون العقل العسكري يتسم بمجموعة من الخصائص السيكولوجية الضارة مدنيا مثل:

1- كونه عقلا صفريا أحاديا لا يعرف الحلول التفاوضية.

2- يعتبر العقل العسكري جهات التنوع جبهات قتال يجب أن يحرص على السيطرة عليها ومنع تواصلها كي لا تهدد سيطرته.

3- العقل العسكري مبني على كون مخالفة الأوامر خيانة كبرى، ولك أن تتخيل أثر ذلك على رؤيته للحرية والاختلاف في الرأي في المجال العام.
 

واجب الإخوان المسلمون تجاه الوطن:

"اتفاق مجحف خير من انتصار دامي" العلامة الأزهري محمد عبد الله دراز
 

لا يعني هذا أن الإخوان المسلمين ليسوا مسئولين وطنيا تجاه هذا الصراع. فعليهم أن يتخلوا عن خطاب المظلومية وأن يقوموا بمراجعة شاملة لأخطائهم التي وصلت بمصر إلى المشهد الحالي:

1- مراجعة الجذور الفكرية للجماعة متمثلة في أعمال المؤسس حسن البنا، والذي تأثر بنموذج التنظيمات الشمولية التي تسعى إلى الهيمنة والسيطرة، والذي كان سائدا في عصره، وينبغي على الجماعة مراجعته اليوم.

2- مراجعة أيديولوجية التأسيس التي تفسر التخلف بكونه نتيجة للبعد عن الإسلام، والتحرك نحو أفكار جديدة تستفيد من التجربة ومن أفكار علماء الاجتماع.

3- مراجعة السياسات الداخلية للجماعة لتكون الجماعة أكثر شفافية ومن ثم أكثر قبولا اجتماعيا.

4- تصويب الوسائل المتبعة: فمحاولة الإخوان الوصول إلى أهدافهم عبر بناء تنظيم عالمي أمر يستفز الجهاز الأمني والعسكري داخل الدولة الوطنية.

يروي الباحث حوارا قصيرا بينه وبين قيادي شاب في جماعة الإخوان المسلمين، حيث سأله: لماذا لا تطرحون مبادرة تاريخية لفض النزاع توفر على المجتمع المصري الدماء؟ فأجاب: هل إذا توقفنا عن الخيار الثوري سيتركنا النظام في حالنا؟

وهو أمر يكشف عن قصور في فهم المقاصد الكبرى من وراء مثل تلك المبادرات، والتي تتمثل في:

أولا: نزع الغطاء الأخلاقي عن الخصم.

ثانيا: البرهنة على تصويب الأخطاء.

ثالثا: بناء تحالفات جديدة: اقتضاء بحركة النهضة التونسية والتي يقول زعيمها الغنوشي: "لقد أقدمنا عن مصافحة أياد كنا نستنكف عن مصافحتها عندما رأينا في ذلك مصلحة البلد".

رابعا: فتح فضاء سياسي جديد هروبا من انسداد الأفق الذي يؤدي إلى الحرب الأهلية.

خامسا: الانحياز للمستقبل.
 

أنظمة مقاومة الحرب الأهلية:

أنظمة المقاومة هي "مجموعة من الإجراءات المدروسة التي تهدف إلى السيطرة والتحكم في ظاهرة التحريض والفتنة" والتحريض هو "كل عملية تتم بقصد دفع الجماهير لاتخاذ مواقف سلبية ضد الآخر بداية من تعمد إهانته ونهاية بالدعوة إلى لممارسة العنف ضده" وتتنوع درجات التحريض والمحرضين بين ذلك.

ويحدد الكاتب أهم النظم الدفاعية القادرة على حماية مصر فيما يلي:

(1) نظام إطفاء الحرائق: ومهمته التحرك السريع نحو مناطق الاشتباك الطائفي لمنع تمدد الأزمة.

(2) نظام أمان: وهو نظام خاص بمؤسسات الدولة يتكامل مع نظام إطفاء الحرائق ويستخدم أدوات الدولة لمحاصرة المشكلة بداية من التنبؤ إلى تكوين نظام مركزي لدراسة التوتر.

في الختام، يمثل كتاب "الهروب من الحرب الأهلية" محاولة جادة في مواجهة خطر يتهدد الشعوب العربية في مرحلة من أخطر المراحل في تاريخها، فهو دراسة تتناول الموضوع من مختلف جوانبه للمهتمين بدراسته، وتقدم مقترحات عملية ناجعة للمهتمين بالشأن العام.

 


اقرأ المزيد:

المماليك: ميلاد التشوه في العلاقة بين المجتمع والسلطة

حامد ربيع: التجهيل المريب لسيرة رجل عظيم

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان