رئيس التحرير: عادل صبري 12:56 صباحاً | الثلاثاء 21 أغسطس 2018 م | 09 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

فورين أفيرز: كيف تُقدِّم واشنطن الاقتصاد على حقوق الإنسان

فورين أفيرز: كيف تُقدِّم واشنطن الاقتصاد على حقوق الإنسان

متابعات

فورين أفيرز: كيف تُقدِّم واشنطن الاقتصاد على حقوق الإنسان

فورين أفيرز: كيف تُقدِّم واشنطن الاقتصاد على حقوق الإنسان

ديفيد أبراموفيتش 22 أكتوبر 2015 11:14

حين سُلِّم أوَّل تقرير لوزارة الخارجية عن الاتجار بالبشر إلى لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب في يوليو 2001، كان له مظهر التقارير البيروقراطية المعتادة، رمادية اللون والمكتوبة على نحو ممل، تلك التي عُدَّت خصيصًا كي يتراكم عليها الغبار. وبإزاحة التواضع جانبًا، يهدف التقرير إلى الحض على عمل عالمي ووطني لمكافحة الاتجار بالبشر والعبودية الحديثة، وهي الجرائم التي تقدِّر منظمة العمل الدولية أن أرباحها التي تصل إلى المتاجرين بالبشر تقترب من الـ 150 مليار دولار سنويًا، حيث يُستغَل 21 مليون شخص في كل مرة. وقد قامت أكثر من مئة دولة بتحسين القوانين والسياسات المتعلقة بالاتجار بالبشر، ويمكن أن نشهد ذلك التغيير في كل قارة.

 

بيد أن قرار هذا العام الذي صدر عن وزير الخارجية الأمريكية جون كيري وغيره من كبار موظفي وزارة الخارجية برفع مستوى البلدان التي تواجه مشاكل كبيرة في مجال حقوق الإنسان، من قبيل كوبا وماليزيا وأوزبكستان، يعدّ خطوة في الاتجاه الخاطيء يمكن أن تُسهم في التقليل من فعالية هذه الأداة الحيوية للدبلوماسية الأمريكية.

 

يعدّ التقرير نتيجة لتشريع تاريخي هو قانون حماية ضحايا الاتجار بالبشر الذي صدر في عام 2000. يوصي القانون بإصدار تقرير سنوي عن الاتجار بالبشر، بحيث يتم تعيين البلدان في أحد ثلاثة تصنيفات على أساس الحماية ضد الاتجار بالبشر. وكان من المفترض أن تخضع الدول التي تُعيَّن في التصنيف الثالث (المستوى الأدنى) لعقوبات. كما أن قانون حماية ضحايا الاتجار بالبشر قد أذن ببرامج مساعدات خارجية تهدف إلى مساعدة البلدان على تحسين سجلات مكافحة الاتجار الخاصَّة بها. وقد كان هذا الجمع بين الضغط والمساعدة حيويًّا في تحسين حماية حقوق الإنسان في مختلف البلدان.

 

منذ أن سُن قانون حماية ضحايا الاتجار بالبشر قبل 15 عامًا، أنشأ النظام آفاقًا جديدة للشراكة بين الحكومات والقطاع الخاص، وأعطى الناشطين في جميع أنحاء العالم أساسًا لتحدي سجلات حقوق الإنسان الخاصَّة بحكوماتهم. وبالإضافة إلى التغيير الحاصل في القوانين والسياسات، شهدنا أيضًا إجراءات حقيقية: على سبيل المثال، أحدثت جمهورية التشيك خدمات أفضل للناجين، وزادت دولة الفلبين من دعاوى ملاحقة جرائم الاتجار بالبشر، وانتهجت حكومة جنوب أفريقيا تدريبًا أفضل لمساعدة العاملين في الحكومة على تحديد الأشخاص المعرَّضين للخطر في جنوب أفريقيا.

 

باختصار، أدَّى تقرير الاتجار بالبشر إلى تغيير حقيقي. ويمكن لتأثيره أن يكون كبيرًا كما هو الحال في دقّته. وعلى هذه الحال، وبعد تقرير هذا العام، لدى العديد من المحللين تساؤلات جدية. إنَّ العديد من المنظمات، بما فيها الإنسانية المتحدة (حيث أعمل)، يسكنها ارتياب حول قرار نقل الصين والهند وماليزيا وأوزبكستان من المستوى الثالث إلى الثاني في قائمة المراقبة، أو إبقائها على نفس ترتيبها، على الرغم من التدهور الحاصل في الإجراءات التي تعمل بها. وتشتبه هذه المنظمات في أن وزارة الخارجية تسمح بتقديم بعض المصالح السياسية والخارجية الأخرى على بواعث القلق المتعلقة بحقوق الإنسان: لقد قدِّمت تصنيفات أفضل من أجل تحسين التجارة والتبادل التجاري.

 

وبعض هذه المخاوف لديها ما يبررها. إن أي شخص يتابع التقارير القُطرية السنوية التي تصدر عن وزارة الخارجية الأمريكية بشأن حقوق الإنسان يعرف أن المكاتب الإقليمية تصطدم مع مكتب الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل، بشأن كيفية توصيف قضايا محددة، وبشأن بعض الاستنتاجات. كما أن الأسئلة المتعلقة بكيفية توصيف الإجراءات في بلد ما، أو ما إذا كان قد تم توثيق حالة معينة بما فيه الكفاية ليتم تضمينها في التقرير، غالبًا ما تُناقش بشكل مكثف. ومع ذلك، تتضاءل مثل هذه النزاعات إذا ما قورنت بالصراع الذي اعتور تقرير الاتجار بالبشر.

 

بخلاف تقارير حقوق الإنسان التي تصدر عن وزارة الخارجية، والتي تُصاغ من قِبل سفارات فردية في الخارج، تتم صياغة تقرير الاتجار بالبشر لكل بلد من قِبل خبراء بعد مضي سنة من الأبحاث. ويكون لدى سفارة كل بلد الإمكانية للتعليق على التقرير.

 

وتتعرَّض كل من المسوَّدة والتصنيف للمراجعة والتعليق والتسوية (التفاوض من أجل الوصول إلى حل وسط) بين المكاتب الإقليمية ومكتب تقرير الاتجار بالبشر، وفي نهاية المطاف، سكرتير الوزارة بمشاركة نائب وزير الخارجية. ومما لا شك فيه، يتم التفاوض بشكل كبير بشأن بعض التصنيفات، وأحيانًا ما يكون مكتب تقرير الاتجار بالبشر غير راضٍ عن المنتج النهائي. ولكن، بشكل عام، يبدو أن المكتب قد استطاع الفوز في هذا النزاع مرَّات وخسر مرَّات أخرى. وفي الواقع، في السنوات الأخيرة،

 

فعل المكتب ذلك بشكل جيد على نحو ملحوظ: في عام 2013، خُفِّض تصنيف الصين وروسيا أوزبكستان على الرغم من أهميتهم السياسية بالنسبة إلى مكاتب أخرى في واشنطن. وفي عام 2014، خُفِّض تصنيف كل من ماليزيا وتايلاند. وكانت كل التقارير تتم تحت إشراف وزير الخارجية جون كيري ونائب وزيرة الخارجية بيل بيرنز، وقد أشاد العديدون بقراراتهما.

 

 ويمثِّل تقرير هذا العام خروجًا حقيقيًا عن القاعدة التاريخية. ماليزيا، على سبيل المثال، تمَّت ترقيتها من التصنيف الثالث، حيث كان يُفترض أن تخضع لعقوبات، إلى المستوى الثاني في قائمة المراقبة، حيث يمَّحي التهديد بفرض العقوبات الذي كان على بعد خطوة واحدة قبل الاعتراف الكامل بالمستوى الثاني، حيث تحصل بموجب ذلك على رصيد لاتخاذها إجراءات هامَّة ضد الاتجار بالبشر.

 

وهناك إجماع عام بين منظمات المجتمع المدني الدولية والمحلية بأن هذا التحديث أو تلك الترقية ليس لها ما يبررها. تقدِّر منظمة مراقبة حقوق العمال، سيلز، أن ما يصل إلى ثلث العاملين في صناعة الإلكترونيات في ماليزيا يخضعون لأعمال السخرة. ويقدِّر خبير آخر أن أكثر من ثلث الأربعة ملايين عامل أجنبي في ماليزيا تتم المتاجرة بهم في البلاد أو يجبرون، على خلاف ذلك، على العمل.

 

وكما يشير تقرير الاتجار بالشر، ربما يكون لدى ماليزيا زيادة طفيفة في الملاحقات القضائية المرتبطة بجرائم الاتجار بالبشر، ولكن لم يكن لديها سوى ثلاث إدانات جنائية، أي ما هو أقل من التسع إدانات التي كانت في عام 2013. والتقدُّم الحاصل في تقديم المساعدة للضحايا قد اقتصر على برنامج أوليّ انخرطت فيه مجموعه من أربعة مشاركين فقط. وحتى الآن، وعلى الرغم من عدم إحراز أي تقدُّم يُذكر، تحصل ماليزيا على ترقية في التصنيف. فما الذي تغيَّر؟

 

تأكيدات كيري على العكس من ذلك، إذ تشير تقارير موثوقة لوكالة رويترز نقلًا عن مخبرين من داخل وزارة الخارجية أنه بالنسبة إلى ماليزيا، قامت الترقية في قائمة المراقبة إلى التصنيف الثاني بفعل كل شيء بشأن الشراكة عبر المحيط الهاديء. وعندما مرر مشروع قانون يعطي صلاحيات لهيئة ترويج التجارة، احتوى على قسم تقدَّم به السناتور روبرت مينينديز من نيو جيرسي يقضي بأن أي اتفاق تجاري مع بلد مدرج في التصنيف الثالث من تقرير الاتجار بالبشر لن يكون مؤهلًا للحصول على وضعية المسار السريع. ونظرًا لمركزية ماليزيا عند هيئة ترويج التجارة، فإنه ليس من الصعب أن نرى لماذا قد تم الرفع من مستواها التصنيفي في القائمة.

 

وهناك عوامل أخرى قد تكون لعبت دورها أيضًا في ترقية ماليزيا وبلدان أخرى. لقد انخرط كيري بشكل كبير في أماكن أخرى؛ ونائب وزير الخارجية توني بلينكن ووكيلة الوزارة لشؤون الأمن المدني والديمقراطية وحقوق الإنسان سارة سيوال من القادمين الجدد على هذه العملية.

 

وعلاوة على ذلك، كانت هناك تغييرات كبيرة في هيئة موظفي مكتب تقرير الاتجار بالبشر. وربما الأهم من ذلك، لم يكن هناك أي شخص معيَّن من قِبل الرئاسة يترأس المكتب بنفسه. والسفير المتجوِّل لو سديباكا قد استقال في نوفمبر 2014. ولم تُفصح الإدارة عن اسم المرشح الجديد (سوزان كومبدج، المفوَّضة المساعدة للوزارة من أتلانتا) حتى يوليو الماضي. وهكذا، خلال الفترة التي مرَّ بها المكتب عبر مفاوضاته السنوية المرهقة مع سفارتي الولايات المتحدة والمكاتب الإقليمية قبل صدور التقرير، لم يكن هناك أي مسؤول بأمر رئاسي لقيادة مكتب تقرير الاتجار بالبشر.

 

لعل هذا الشخص وحدة هو من كان ليقدم حججًا مقنعة عن سبب استحقاق بعض البلدان لمكانتها التصنيفية، والقتال عكس اتجاه ريح الأقسام الأخرى في الوزارة. وربما ليس من المستغرب إذن أن المكتب قد خسر رأيه فيما يقرب من جميع الدول المتنازع عليها هذا العام. بل إن رسائل الحزبين الجمهوري والديمقراطي المقدَّمة من 160 عضوًا في مجلس النواب و 19 عضوًا في مجلس الشيوخ للإعراب عن قلقهم إزاء التقارير الإخبارية بشأن ترقية ماليزيا، تم تجاهلها.

 

للأسف، قد تنتهي خسائر مكتب تقرير الاتجار بالبشر أمريكيًا. بعد صدور التقرير، استدعى السيناتور بوب كوركر (من تنيسي) وزارة الخارجية لشرح موقفها في جلسة استماع أمام لجنة العلاقات الخارجية. وقد أرسلت الوزارة سيوال، التي أخت تقرأ على نحو غير مقنع وتأخذ نقاط حوار فاترة. وقد دعا كروكر ردودها بأنها "تفتقر إلى الأسس الموضوعية"، وهدد باستدعاء وثائق وزارة الخارجية بشأن عملية التصنيف؛ عند نقطة ما، تساءل السيناتور بن كاردين (من ماريلاند) بصوت عال عن إذا ما الكونغرس يجب أن يحصل على إشراف مباشر على قرار رفع البلدان من التصنيف الثالث. وفي 13 أغسطس، بعث السناتور ماركو روبيو (من ولاية فلوريدا) برسالة يطلب فيها جميع المسودات الخاصة بكوبا في تقرير الاتجار بالبشر ليرى دور التدخل السياسي في عملية صناعة التقرير.

 

ويشير تقرير صحفي لفورين بوليسي أنه، ردًا على ذلك، دعا وزير الخارجية كيري لاجتماع وهدد بإطلاق النار على أي شخص يقوم بتسريب أية معلومات. وبدلًا من تدوير العربات، من الأهمية بمكان أن يتعلم كبار الموظفين في وزارة الخارجية والمكاتب الإقليمية من هذه اللحظة. لقد أضعفت التصنيفات والمشاحنات اللاحقة من قيادة الولايات المتحدة في مكافحة الاتجار بالبشر. في تايلاند، تدعى الصحيفة الرائدة في البلاد أن التقرير "تزيفي" في حال ما إذا كان يمكن أن تتم ترقية ماليزيا بينما تظل تايلند عند التصنيف الثالث. حتى المسؤول السابق بوزارة الخارجية المسؤول عن تجميع تقرير الاتجار بالبشر قال إن مثل هذا يستغرق سنة واحدة فقط لتقويض مصداقيته.

 

هناك فرصة لجعل الأمور تسير في نصابها الصحيح. على وزارة الخارجية والسفارات في جميع أنحاء العالم زيادة دبلوماسيتهم وتوعية الحكومات التي هي عرضة للتخفيض أو تلك التي تقبع حاليًا في أدنى المستويات. وهم بحاجة إلى إظهار أن الولايات المتحدة جادة في محاربة الاتجار بالبشر من خلال توفير التمويل الكافي لمساعدة البرنامج في تعزيز نقاط ضعف البلدان في الوقت الذي يتم فيه إرسال رسالة قوية إلى تلك البلدان التي تمت ترقيتها هذا العام وأنها تحتاج إلى أن تحقق المزيد من التقدم.

 

بزيادة الاهتمام والدبلوماسية على طول هذه الخطوط، لا سيما في البلدان التي أعطيت ترقيات غير مبررة أو ظلت في ترتيبها للعام السابق على الرغم من الجهود المتعثرة، يمكن أن يكون لذلك تأثير حقيقي على الملايين من الناس. إن دبلوماسية كيري الشخصية في ماليزيا، في وقت سابق من هذا الشهر، تعدّ بداية جيدة، ولكن يجب أن تستمر وتُدوَّل في بلدان أخرى.

 

كذلك لدى الكونغرس دور ليقوم به. يجب على مجلس الشيوخ التحرك بسرعة في سبتمبر للموافقة على كوبدج كسفير جديد لوزارة الخارجية الأميركية لمكتب مراقبة ومكافحة الاتجار بالبشر. هناك ميل طبيعي لعرقلة هذه التعيينات في مثل هذه الحالات، ولكن هذا من شأنه أن يقوِّض الجهود المبذولة لإحياء سلامة تقرير الاتجار بالبشر.

 

وعلاوة على ذلك، على الرغم من أن إصلاحًا تشريعيًا واسع النطاق لقانون حماية ضحايا الاتجار بالبشر قد يكون سابقًا لأوانه، يجب على الكونغرس توضيح اللغة المدرجة في القانون، والتي تقول بأن البلاد لا تُصَّعد في قائمة المراقبة إلى التصنيف الثاني لمجرد تقديم التزامات ما. في شهادتها أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، ادَّعت سيوال أن ماليزيا وغيرها قد قدَّمت التزامات لمعالجة هذه القضية، وبالتالي كسبت أو حافظت على مواقعها في قائمة المراقبة.

 

بالاستعانة بمؤلف ساعد في ذلك الحكم، لم يكن القصد من اللغة توفير أساس لبلد ما حتى يبقى على قائمة المراقبة. بدلًا من ذلك، كان من المفترض أن يكون ذلك تحذيرًا إلى وزارة الخارجية بأن الالتزامات وحدها لا تكفي لتبرير الترقية. قد يكون على الكونغرس توضيح أنه يجب عدم استخدام تلك النية كشرط لترقيات لا مبرر لها مرة أخرى.

 

قد يستغرق الأمر سنوات للتراجع عن الأضرار الناجمة عن تقرير الاتجار بالبشر هذا العام. وحتى الآن، ستتم إعادة بناء سلامة التقرير، و، في الواقع، ووزارة الخارجية في الوقت المناسب. إن ذلك التقرير رمادي المظهر الذي جاء عبر المكاتب قبل 14 عامًا يمتلك سلطة. والوثيقة المتعمقة والأنيقة التي تأتي كل صيف ستستمر في التأثير على الأصدقاء والخصوم على السواء. لكن كبار مسؤولي وزارة الخارجية والكونغرس بحاجة إلى النهوض لأجله ولاستمرار قيادة الولايات المتحدة في مكافحة الاتجار بالبشر. إن ذلك التقرير مهم للحكومات، ومهم للضحايا والناجين، وبالغ الأهمية بالنسبة إلينا، نحن الذين نعتقد أن سياسات حقوق الإنسان والسياسة التجارية يمكن أن تُمارسا معًا من أجل تحسين أحوال الجميع.

 

المصدر | نشر في 31 أغسطس 2015

 

*ترجمة فريق موقع راقب

 

اقرأ المزيد

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان