رئيس التحرير: عادل صبري 09:44 صباحاً | الأحد 19 أغسطس 2018 م | 07 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

فورين بوليسي: الملك وداعش، العلاقات الأمريكية السعودية بين التحديات والمحفزات

فورين بوليسي: الملك وداعش، العلاقات الأمريكية السعودية بين التحديات والمحفزات

متابعات

فورين بوليسي: الملك وداعش، العلاقات الأمريكية السعودية بين التحديات والمحفزات

فورين بوليسي: الملك وداعش، العلاقات الأمريكية السعودية بين التحديات والمحفزات

جاء الملك سلمان إلى واشنطن ملتمسا التعاون على الصعيد العسكري وفي مجال مكافحة الإرهاب. ولكن هل تصمد العلاقات الأمريكية السعودية في مواجهة رعاية آل سعود للراديكالية الإسلامية حول العالم؟

دانيال بينجامين 20 أكتوبر 2015 05:37

عندما قام الملك السعودي سلمان بأولى زياراته إلى واشنطن منذ صعوده إلى العرش في يناير، كانت أهدافه بسيطة. أراد الحاكم، ذي الـ79 عاما، أن يعالج، بشكل مؤقت، النزاعات التي أرَّقت العلاقات الأمريكية السعودية لسنوات، وأن يحصل من إدارة الرئيس باراك أوباما على مكافأة دعم الرياض الفاتر للاتفاق النووي مع إيران. ومع حرص البيت الأبيض على الحفاظ على الزخم تجاه الاتفاق النووي بعد حصوله على أصوات أعضاء مجلس الشيوخ اللازمة لوقف الرفض الجمهوري للاتفاق، كان توقيت الملك سلمان ممتازا – إلا أن ذلك لم يمحُ ذكرى عدم حضوره في مؤتمر كامب ديفيد لقادة الخليج في مايو.

 

يمثل العلاج المؤقت للخلافات أحد الفنون الأجمل والأكثر إفادة للدبلوماسية. مع قلق السعوديين بشأن التقارب المحتمل في العلاقات الأمريكية مع إيران، والخلافات الحادة بشأن سوريا، ومصر، والعراق، وحمام الدم الطائفي الأوسع في الشرق الأوسط، عملت الزيارة بشكل قوي في مصلحة العلاقة الأكثر انفصاما بين واشنطن والرياض – ربما العلاقة الثنائية الأكثر تعقيدا التي حظيت بها الولايات المتحدة مع أي دولة. أحاطت بالزيارة أجواء إيجابية إلى حد كافٍ، لدرجة تناول القليلين للتناقضات التي يبدو أنها تُنهِك العلاقات بين الولايات المتحدة وصديقتها القديمة في الخليج.

 

أسهب أحد المعلقين، توماس فريدمان، في الحديث عن التنافر الشديد في العلاقة في عمود نشر بصحيفة "نيويورك تايمز" قبل وصول الملك سلمان. إثر غضبه بسبب جنرال جاهل متقاعد بالقوات الجوية، عارض الاتفاق النووي على أساس أن إيران كانت الراعي الرسمي للراديكالية الإسلامية في العالم، تعجب فريدمان قائلا: "لم يؤدِّ شيء إلى تآكل استقرار وتحديث العالم العربي، والعالم الإسلامي على نحو أكبر، أكثر مما فعلت مليارات الدولارات التي استثمرها السعوديون منذ السبعينات في محو التعددية في الإسلام واستبدالها بالتشدد، ومناهضة الحداثة والمرأة والغرب، والصورة الوهابية من الإسلام المناهضة للتعددية".

 

يبدو حديث فريدمان في محله عند قوله إن الإسهام السعودي في التطرف الإسلامي قد فاق إسهام إيران. صحيح أن جهود إيران الهادفة إلى تجاوز الطائفية وأن تصبح رائدة لاتجاه رفض الراديكالية كانت في حالة يرثى لها منذ الربيع العربي وارتفاع التوترات الطائفية بسبب الحرب الأهلية السورية. ورغم أن سوء الحكم المنهجي يعتبر أخطر أمراض العالم العربي، إلا أن النشر السعودي النشط للوهابية – التي بدأت كرد فعل أمام الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979 – كان محوريا في ظهور التطرف العنيف، من إندونيسيا إلى مالي.

 

مثلت الوهابية فصيلة غازية مدمرة في النظام البيئي الإسلامي الضخم – إنها أشبه ببلح البحر المخطط، وحشرة الزاعجة المنقطة بالأبيض، وحفار الدردار القرمزي مجتمعين في كائن واحد. فكانت العواقب وخيمة: يربط خط واضح من السببية بشكل مباشر بين عمليات الذبح في العراق الواقعة تحت سيطرة الدولة الإسلامية، ومأساة 11 سبتمبر، والدعوة الدينية السعودية، والمساجد الراديكالية والمنظمات غير الحكومية المتطرفة التي نشرتها المملكة.

 

يعتبر تفسير فريدمان لسبب عدم تحدي الولايات المتحدة أبدًا للرياض فجًا – بكل ما تحمله الكلمة من معنى. حيث كتب: "لقد أدمنَّا نفطهم، والمدمنون لا يقولون الحقيقة أبدا لمن يشترون منهم المخدرات".

 

الأمر سهل للغاية: إن كان النفط هو المصلحة الأمريكية الحيوية الوحيدة التي تربط أمريكا بالمملكة، فإن التعامل مع تصدير التطرف سيصبح أسهل كثيرا. ولكن ما يغيب عن ذهن فريدمان، والجميع تقريبا، هو الأهمية المحورية المتزايدة للتعاون بصدد مكافحة الإرهاب في العلاقات الأمريكية السعودية. قد يحير ذلك العقول، ولكن عندما يتعلق الأمر بمكافحة الإرهاب على نحو تكتيكي – مثل كشف المؤامرات وإعاقتها – تصبح السعودية شريكا لا يقدر بثمن، بل أحد أفضل شركاء واشنطن.

 

بعد وقفة استدراك الواقع الواضحة التي مرت بها السعودية بعد تفجيرات مايو 2003 في الرياض، التي أودت بحياة 39 شخصًا؛ أصبحت العلاقات بين سلطات مكافحة الإرهاب الأمريكية ونظيراتها السعودية أكثر قربا وتعاونا وفاعلية. هناك سبب لكون وزير الداخلية السعودي، محمد بن نايف، الثاني في سلسلة تولي العرش ومهندس إستراتيجية مكافحة الإرهاب، القائد الأكثر تفضيلا لواشنطن في الرياض.

 

بدأ العصر الذهبي لذلك التعاون عام 2009، عندما كان التهديد الإرهابي ينمو بأخطر شكل في الحديقة الخلفية للمملكة، في اليمن. أدى التعاون السعودي في مكافحة الإرهاب خلال تلك الفترة إلى منع مئات القتلى الأمريكيين، بل ربما أكثر. بعض تلك الوقائع معروف، مثل مؤامرة إخفاء القنابل في خراطيش الطابعات على متن طائرات تابعة للولايات المتحدة. دون تلك النصائح، لأمكن إسقاط واحدة أو أكثر من تلك الطائرات. كما ساعدت عمليات أخرى الولايات المتحدة في الدفاع عن نفسها أمام نوع جديد من القنابل غير القابلة للكشف، التي قد تستخدم أيضا ضد الطائرات. أينما نجد أن السعوديين قد أخطأوا، لا بد أن نتذكر أنهم قد أدوا عملا رائعا في تلك الحالات.

 

يمتد التعاون ليتجاوز تلك الشؤون التآمرية السرية. فمنذ عام 2003، تحسن عمل الحكومة السعودية فيما يتعلق بتمويل مكافحة الإرهاب بشكل كبير، وتحظى جهودها في مجال إعادة تأهيل المتطرفين باعتراف دولي.

 

ومع ذلك، هناك تناقض استثنائي في ذلك الصدد. فبسبب كميات الأموال الكبيرة التي تتدفق من المؤسسة الدينية والمنظمات غير الحكومية الضخمة التابعة للسعودية إلى المعاهد التي تروج للإسلام على الصورة الوهابية – بوجهات نظرها الخبيثة تجاه الشيعة، واليهود، والمسيحيين، والغرب – تظل السعودية منبعا للتطرف الإسلامي. تذكي تلك التمويلات، إلى جانب المناهج الدراسية، والدعاة، ومقدمي البرامج التلفزيونية، والأدب الديني، وما شابههم، نيران الراديكالية في عشرات الدول، حتى إن لم يكونوا متورطين بشكل مباشر في أعمال عنف. وفي ذات الوقت، تنشط الاستخبارات السعودية حول العالم محاولة منع الإرهاب الذي ينبع من هذا النشاط.

 

يبدو الأمر مثيرا للجنون؟ بالتأكيد، ولكنه جنون نبع من اتفاق المملكة السياسي الأصلي بين محمد بن سعود، الجد الأكبر لآل سعود، ومحمد بن عبد الوهاب، مؤسس الوهابية، وهو داعية له جاذبية – الذي حشد القوات لانتزاع السيطرة على شبه الجزيرة العربية في منتصف القرن الثامن عشر. استطاعت العائلة الملكية أن تحكم شبه الجزيرة العربية طالما روجت للوهابية، واعتمدت الملكية على شيوخ الوهابية ليؤيدوا شرعيتها كخادمة للحرمين الشريفين منذ ذلك الحين. كلما واجهت الملكية تحديات لحكمها، ضخت المزيد من الأموال إلى المؤسسة الدعوية، بل وسافر بعض أعضائها إلى الخارج. وعلى نحو غير مفاجئ، أدت احتمالية اجتياح موجة ديموقراطية للمنطقة أثناء الربيع العربي إلى إنفاق المليارات.

 

إذن لماذا لم تضغط الولايات المتحدة على الرياض بشكل أكثر فاعلية لخفض الدعم المقدم للتطرف، الذي يؤثر بشكل واضح جدا على أمننا ومصالحنا العالمية؟

 

هناك أسباب عديدة. حيث يصعب الجدال أمام شكل التعاون في مجال مكافحة الإرهاب الذس قدمته الرياض. فلن يريد أي رئيس أن يخاطر بتنفير حكومة تساعد في تأمين الأرواح الأمريكية. وبينما ضغط بعض المسؤولين من أجل لفت انتباه السعوديين إلى تصدير التطرف، ينفر الكثيرون من بدء نقاش صارم قد لا يحقق أي نتائج. ففي النهاية، من غير المرجح أن يعيد السعوديون وضع تصور لدولتهم على حسابنا.

 

زادت الأمور تعقيدا إثر ما يمكن أن يطلق عليه "متلازمة المكتب السياسي"، كحال الاتحاد السوفيتي في الثمانينيات، وهي الحفنة القليلة من الحكام السعوديين المسنين المسموح لهم بفعل أي شيء – سواء أكان الملك أو الأمراء الأبرز القليلين – فهم إما يحتضرون وإما متحجرين فكريا للغاية عن أن يقنعوا أي شخص بتبني أسلوب مختلف جذريا.

 

إذن فأمام جميع التطورات التي جرت بعد 11 سبتمبر ومناخ التغاضي والتسامح السائد حاليا، لا تبدو التكهنات بالنسبة للعلاقات الأمريكية السعودية مشجعة. فأولويات البلدين ببساطة متباعدة للغاية.

 

بالنسبة للولايات المتحدة، تكمن الضرورات في تطبيق الاتفاق النووي مع إيران ووقف صعود الإسلام المتطرف – وفوق كل ذلك، احتواء وتقليص الدولة الإسلامية دون إرسال قوات برية أمريكية إلى المنطقة. أما بالنسبة للسعوديين، يتمثل الهدف الأسمى في وقف وصد ما يرونه كتقدمات إيرانية، خصوصا في اليمن وسوريا.

 

في اليمن، أصبحت الحملة السعودية ضد المتمردين الحوثيين مبادرة ترمز إلى السياسية الخارجية الجديدة الأكثر جراءة للرياض. وبينما أعلنت الولايات المتحدة دعمها المحدود للجهود السعودية – الذي مثل بشكل رئيسي جهودا للحفاظ على تحالفها مع المملكة، حيث كان ضروريا على خلفية المفاوضات النووية.

 

ولكن في الكواليس، لدى واشنطن مخاوف مزعجة حول جهود الحرب السعودية. فطلعات القصف تودي بحياة أعداد مروعة من المدنيين، وغرقت الدولة التي تحوم حول اليأس في أزمة إنسانية. تحاول الولايات المتحدة صقل الأهداف السعودية، ولكن المجازر تظل ضخمة، كما بلي الزعم السعودي بأن الحوثيين ليسوا سوى عملاء لإيران.

 

لا يعتبر ذلك سيئا لليمنيين وحدهم. بل سيئا للولايات المتحدة أيضا، فالتنظيمات الإرهابية المزدهرة في مناطق الصراع وجهاديو اليمن – خصوصا تنظيم القاعدة – يكسبون المزيد من الأراضي والنفوذ، بما أنهم لا يواجهون أي ضغوط سوى ضربات طائرات الدرون الأمريكية بين الحين والآخر.

 

في غضون ذلك بسوريا، لا يدعم السعوديون الدولة الإسلامية، ولكن سيسرهم أن يشهدوا إطاحة إسلاميين آخرين ببشار الأسد، وجعل دمشق مجددا عاصمة سنية. يتدفق الكثير من الأموال حاليا من الخليج العربي إلى جبهة النصرة، التنظيم التابع للقاعدة في سوريا. ومجددا، ينتفع المتطرفون من الفوضى.

 

بالنسبة لحرب التحالف تحت قيادة الولايات المتحدة ضد الدولة الإسلامية، كانت الإسهامات السعودية عند أدنى مستوى. حيث لم تنفذ السعودية حتى الآن أي مهام جوية في العراق، وفق الحسابات التي يوردها البنتاجون على موقعه. لا يبدو السبب المحدد لذلك واضحا، ربما لا يستطيع السعوديون طلب إذن من الحكومة العراقية الواقعة تحت الهيمنة الشيعية لعدم وجود سفارة سعودية في بغداد، أو ربما لا يمكنهم حمل أنفسهم على دعم حكومة بغداد. وفي سوريا، نفذت السعودية عددا ضئيلا جدا من إجمالي 119 ضربة جوية لم تنفذها الولايات المتحدة. باختصار، تعتقد الرياض أن مشكلة التطرف يمكن علاجها لاحقا – بعد أن تكسب الحرب في اليمن وسوريا، وترجع إيران مجددا إلى مكانها.

 

هل يمكن إصلاح أيا من ذلك؟ هل سينضم حلفاؤنا منذ سبعة عقود، حسبما يفضل المسؤولون الأمريكيون الإشارة إلى السعوديين، إلى الحرب ضد التطرف وليس فقط إلى النتيجة النهائية الإرهابية؟ لا تعتمدوا على ذلك، فقد تجنبت السعودية اتخاذ تلك الخطوات لعقود، وليس هناك سبب للاعتقاد بأن المملكة قد تغير مسارها الحالي خلال العقود القادمة.

 

ستظل الولايات المتحدة مثقلة بالضرورات التكتيكة التي تمنعها من معالجة الفوضى الأكبر. وبالتالي ستدبر واشنطون أمورها في سبيل تطلعها قدما للقضاء على التهديد الجهادي.

 

*دانيال بنجامين عمل كمنسق لمكافحة الإرهاب بوزارة الخارجية الأمريكية بين عامي 2009 و2012. ومدير مركز "جون سلوان ديكي" للتفاهم الدولي بكلية دارتموث.

 

المصدر | نشر في 10 سبتمبر 2015

 

*ترجمة فريق موقع راقب

 

اقرأ المزيد

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان