رئيس التحرير: عادل صبري 04:55 صباحاً | السبت 18 أغسطس 2018 م | 06 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

كارنيجي: ما الذي سيعقب صيف سوريا الحار؟

كارنيجي: ما الذي سيعقب صيف سوريا الحار؟

متابعات

كارنيجي: ما الذي سيعقب صيف سوريا الحار؟

كارنيجي: ما الذي سيعقب صيف سوريا الحار؟

مارك بيريني 18 أكتوبر 2015 17:57

شهد شهر أغسطس تطوراتٍ مهمة في الصراع السوري. حيث سمحت تركيا للولايات المتحدة باستخدام قواعدها الجوية في صراعها ضد التنظيم المتشدد المعروف باسم الدولة الإسلامية، وأطلقت إيران مبادراتٍ دبلوماسيةٍ جديدة في بيروت ودمشق، وعقدت روسيا محادثاتٍ مع بلدان الخليج والولايات المتحدة. خلف ضباب الحرب، وتعقيدات السياسات المحلية، وأسرار الدبلوماسية، ما هي أساسيات إيقاف نزيف الدم في سوريا؟

 

رغم تلك البيئة التي تتطور سريعا، فإن الطريق نحو اتفاقيةٍ سياسية يظل طويلا ووعرا، حيث تتباعد أولويات الأطراف الفاعلة بشدة. لكن هناك ثلاث أساسيات قائمة في الوقت الحالي:

 

تغيراتٌ في ساحة معركة مفتتة

 

لأكثر من أربع سنوات، مخلصا لتاريخه الممتد لعقود من الحكم السلطوي، أظهر نظام الأسد قدرة غير محدودة على ممارسة العنف. لكن رغم أن السلطة في يد عائلة الأسد وعددٍ صغير من الحلفاء العلويين في أغلبهم – من ضمنهم عائلة مخلوف التي تنحدر منها والدة الرئيس بشار الأسد – فإنهم يعتمدون بصورةٍ كبيرة على هيكلٍ ضخم من الفصائل الحليفة، والموالين من حزب البعث، ومؤسسات الدولة والمؤسسات العسكرية ليظلوا في السلطة.

 

القوات المسلحة السورية منهكة وقد خسرت أراضي مؤخرا. لكن الجيش يظل مرنًا، بفضل إعادة التزويد المستمرة من روسيا، والدعم الإيراني القوي (والذي يشمل قادة عسكريين وآلاف المقاتلين على الأرض)، ومساعدة آلاف المقاتلين من الميليشيات الشيعية الموالية لإيران مثل حزب الله اللبناني. كما هو متوقع، تمسك نظام الأسد بالمنطقتين الوحيدتين اللتين يهتم بهما: منطقة اللاذقية-طرطوس على الساحل، مهد العلويين وعائلة الأسد، ودمشق، العاصمة. في المقابل، لم يهتم النظام على الإطلاق بالأكراد، الذين يتركزون على الحدود مع تركيا.

 

في عمليةٍ مستقبلية للانتقال السياسي، حسب ذلك المنطق، من الممكن تصور أن النظام سوف يقبل بتقييد سلطته السياسية على ممر اللاذقية-دمشق، بينما سوف يحكم خليط من الترتيبات الإدارية بقية البلاد. الوجود المشترك للقوى الإدارية والعسكرية الكردية والبعثية في منطقة القامشلي-الحسكة هو مثالٌ جيد لذلك.

 

المتنافسون على السلطة في سوريا

 

لذا فإن السؤال هو، مَن مِن الأطراف الفاعلة سوف يهيمن على ساحة المعركة بينما يتشكل ذلك الانقسام الداخلي لسوريا؟

 

الأكراد السوريين هم الابتكار الحقيقي لتلك الحرب الأهلية. يقودهم الآن مجموعات مرتبطة بالتنظيم المسلح المعروف باسم حزب العمال الكردستاني، من ضمنهم وحدات حماية الشعب. تحت تهديد التطهير العرقي من قِبَل تنظيم الدولة الإسلامية، أثبتت وحدات حماية الشعب كونها القوة الوحيدة القادرة على تحقيق نجاح حقيقي على الأرض، على الأقل عندما يتوفر لها إسناد جوي قريب من الولايات المتحدة. ورغم أن وحدات حماية الشعب قد تجنبت مهاجمة غرب نهر الفرات (لأن تركيا قد رفضت توسعا كرديا في ذلك الاتجاه وأذعنت لها واشنطن)، فإن الأكراد السوريين قد فرضوا أنفسهم كقوةٍ سياسية وعسكرية يجب وضعها في الاعتبار في أي اتفاقية سياسية – وإن كانت تركز بشكل أساسي على مناطقهم.

 

في المقابل، أثبتت ما تسمى قوات المعارضة المعتدلة التي درّبها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في تركيا كونها فشلًا ذريعًا، إن لم تكن مزحة مأساوية. حتى الآن، أنتج برنامج تدريب جديد تابع للبنتاجون حوالي 60 مقاتلا فقط، من إجمالي 15,000 يستهدف البرنامج تخريجهم على مدار ثلاث سنوات، والعديد منهم أسرتهم القاعدة بمجرد أن وطأت أقدامهم سوريا. قد يكون الأمر أنه في أرضِ تحالفاتٍ متحولة وغير مستقرة؛ فإن اختيار متمردين معتدلين هو مهمة مستحيلة. ورغم أن تركيا والسعودية تدعمان المشروع، فإنه قد يثبت كونه استثمارا فاشلا من وجهة نظر أمريكية.

 

لكن مجموعة متنوعة من الإسلاميين السنة ومجموعات المتمردين الأخرى المناهضة للأسد والتي لا تدعمها الولايات المتحدة مباشرةً بالضرورة وإنما في حالاتٍ عديدة ترتبط بالسعودية وقطر وتركيا أو حلفاء آخرين للولايات المتحدة، يظل لها وجودٌ قوي على الأرض.

 

على خلاف وحدات حماية الشعب وتنظيم الدولة الإسلامية حتى الآن، المقيدين بالصحراء الشرقية لسوريا إلى حدٍ كبير، فإن تلك المجموعات تقاتل نظام الأسد في الأجزاء الغربية كثيفة السكان لسوريا، ويشمل ذلك القتال في المدن الكبيرة مثل دمشق وحلب. سوف يعتمد الكثير على كيف سيختار الفاعلون الإقليميين التعامل مع تلك القوى المتفاوتة، والتي تتراوح ما بين المجموعات السنية المحافظة ذات النكهة الإسلامية الخفيفة التي تقاتل تحت راية الجيش السوري الحر في جنوب سوريا وأماكن أخرى، إلى الجماعات الإسلامية المتشددة مثل أحرار الشام وجبهة النصرة الموالية لتنظيم القاعدة.

 

اللعبة الإقليمية

 

خلال سنوات الصراع الأربع، استمرت روسيا في إعادة تزويد النظام بالذخيرة وقطع الغيار، مبقية إياه طافيا. منذ بداية حكم حزب البعث عام 1963، كان هناك علاقة سياسية قوية وتحالفا عسكريا بين البلدين. لا شك في أن موسكو عازمة على الإبقاء على تلك الرابطة، لكنها أيضا قلقة بشأن تورط جهاديين شيشانيين مع تنظيمي الدولة الإسلامية والقاعدة، وهو الأمر الذي قد يكون له عواقب خطيرة على الداخل الروسي.

 

بدلا من ذلك قد يكون الشريك الإقليمي الأكثر ابتكارا هو طهران. هناك الكثير من التكهنات حول خطة سلام وزير الشؤون الخارجية الإيراني جواد ظريف لسوريا، لكن الحذر في محله لسببٍ بسيط: سوف تصر طهران على ممارسة القيادة في "الهلال الشيعي" الذي يربط طهران وبغداد ودمشق وحزب الله في لبنان والاستمرار في نقل الأسلحة والصواريخ إلى حزب الله من خلال مطارات دمشق. لذا فإن أيا ما كانت التوقعات، سوف تستمر طهران في احتياج حليف في دمشق، حتى إن لم يكن الأسد نفسه. إيران عائدة إلى الساحة الدولية بعد توقيع الاتفاق النووي، لكنها ليست عائدة إلى التواضع. سوف ترغب في استخدام أوراق اللعب الخاصة بها.

 

من جانبها حصلت الولايات المتحدة للتو على حق استخدام ثلاث قواعد جوية تركية. من منظورٍ عسكريٍ ضيق، فإن هذا يشكل تحولا كبيرا نحو فعاليةٍ أكبر (رحلات طيران أقصر إلى شمال سوريا، إمكانية تسيير دوريات استعداد فوق أرضٍ حليفة، وزمن رحلات كلي أقل)، وتقليل التكلفة (بسبب المسافات الأقصر وعمليات إعادة تزود بالوقود جوا أقل)، وأمانٍ أكثر (مهام بحث وإنقاذ من أرضٍ حليفة). قد تكون طائرات التحالف التي تعمل من تركيا قادرة على اعتراض وصول تنظيم الدولة الإسلامية إلى بوابته الرئيسية للعالم الخارجي: جنوب تركيا. لكن بقدر أهمية ذلك، فإنه لا يضمن هزيمة التنظيم. من المهم بنفس القدر إقناع أو دفع تركيا إلى القيام بدورها في إغلاق حدودها المتبقية مع التنظيم.

 

لكن أنقرة ما زالت تركز فقط على حزب العمال الكردستاني، والذي ظل يحارب الحكومة التركية منذ أواخر السبعينات. استهدفت الحملة الجوية التركية الجديدة في معظمها المواقع الكردية بدلا من تنظيم الدولة الإسلامية. يرجع هذا جزئيا إلى عدم ارتياح القيادة التركية بشأن سيطرة القوات الكردية على أراضٍ في شمال سوريا، عقب انتصار وحدات حماية الشعب في كوباني في ربيع هذا العام وتوحيد اثنين من بين الكانتونات الكردية الثلاثة، لكن سياساتٍ محلية تماما تلعب أيضا دورا.

 

في السابع من يوليو 2015، جعلت المكاسب الانتخابية لحزب الشعوب الديمقراطي، والذي تقول الحكومة أنه مرتبط بحزب العمال الكردستاني، الأكراد العائق الرئيسي في طريق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نحو نظامٍ رئاسي تنفيذيٍ للغاية. الأمر المثير للقلق أنه يبدو أن الرئيس الآن يدع حساباته السياسية تقود السياسة الخارجية لتركيا. الدفاع عن نفسها ضد الإرهاب هو هدفٌ مشروع لتركيا، لكن عندما تستبدل القيادة التركية فجأةً أعواما من ضبط النفس وعملية سلام كردية بعملية عسكرية شاملة، فإنها تجلب مخاطر مرتفعة على البلاد ككل وشعورا ملحوظا بعدم الارتياح لحلفاء أنقرة.

 

الخطوط المراوغة لتسوية

 

في السياق الإقليمي، أصبح إصرار تركيا والسعودية المستمر على مغادرة الأسد شيئا من قبيل الموقف المعزول. فقد خلق توترا جديدا بين أنقرة وطهران، وبينما تدعي الولايات المتحدة والحكومات الأوروبية الالتزام بعزل الأسد، فإن أولويتهم الأولى هي احتواء وتقويض تنظيم الدولة الإسلامية.

 

هنا، الاستنتاج النهائي مباشر على نحوٍ كاف: لن يتم التوصل إلى اتفاقيةٍ مستدامة بشأن مستقبل سوريا بدون موافقة روسية وإيرانية، وهو ما يعني، بدون الحفاظ على جزءٍ كبير من الهيكل الإداري والعسكري السوري، إن لم يكن إبقاء الأسد نفسه على المدى القصير. سوف يكون على جميع الأطراف الفاعلة، ومن ضمنهم الأوروبيون، تعديل سياساتهم الأولية إذا كانوا يريدون تحقيق اتفاق بشأن مستقبل سوريا. السؤال هو ما إذا كانوا سيكونون قادرين على إقناع حلفائهم السوريين والإقليميين بمثل تلك الإستراتيجية، وما إذا كانت إيران يمكن أن تصبح محاورا موثوقا في الحياة السياسية بالمنطقة.

 

المصدر | نشر في 27 أغسطس 2015

 

*ترجمة فريق موقع راقب

 

اقرأ المزيد

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان