رئيس التحرير: عادل صبري 03:40 صباحاً | الخميس 18 أكتوبر 2018 م | 07 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

هل تفوز هيلاري كلينتون في مواجهة اليسار؟

هل تفوز هيلاري كلينتون في مواجهة اليسار؟

متابعات

هل تفوز هيلاري كلينتون في مواجهة اليسار؟

ذا ناشن

هل تفوز هيلاري كلينتون في مواجهة اليسار؟

قضت كلينتون عقودا باحثة عن ملاذ في الوسط. فهل سيحتضنها التقدميون الآن؟

ميشيل جولدبيرج 27 سبتمبر 2015 19:06

كشف موقع "باز فيد" سابقا من العام الحالي عن مقابلة تلفزيونية تعود إلى عام 1979 مع هيلاري كلينتون – كانت في حينها هيلاري رودام – أجريت معها مباشرة بعد أن أصبحت السيدة الأولى لولاية أركانساس. في مقطع الفيديو الذي مدته نصف ساعة، نرى امرأة شابة ترتدي نظارات فاق حجمها عيون كلينتون، هادئة وتبتسم مع استجوابها بدقة من جانب المقدم حول إن كانت متحررة بشدة، أو نسوية للغاية، أو مركزة تماما في مسارها الوظيفي لتتلائم مع دورها الجديد.

 

يقول المقدم لها إنها على الأرجح تفقد زوجها أصواتا عبر إبقائها على اسمها الأخير. (قبل أن تتخلى عنه لاحقا وتغيره). يقول المقدم: "أنت لست مواطنة أصلية". ويتابع: "لقد تلقيت تعليمك في الجامعات الشرقية المتحررة. وعمرك أقل من 40 عاما. وليس لديك أي أبناء... وتمارسين المحاماة". (ولكنها طمئنته أنها وبيل يخططان للإنجاب، وأضافت أن "عمري ليس 40 عاما، ولكني أتطلع إلى حل تلك المشكلة مع تقدمي في السن"). وبعد حوالي 20 دقيقة من ذلك النوع من الحديث، يسأل المقدم كلينتون حول ما تجده جذابا بشأن ولاية أركانساس – وهو مكان انتقلت إليه على مضض من أجل تعزيز مسار زوجها السياسي، حسبما أوضح مدونو سيرتها الذاتية.

 

ويشير المقدم إلى أن الغرباء يتذمرون حول "أننا غير تقدميين نهائيا هنا، وأننا لسنا تقدميين بالمقارنة بالحال في الشمال". لتبدو كلينتون أخيرا حريصة على تقديم نفسها ببراعة، وترد بصب جام غضبها على أمريكا الحضرية، حيث قالت: "أتعلم، إن كان التقدم أن تتخلف عن سداد التزاماتك المالية حتى تفلس مدينتك، أو إن كان التقدم أن تحظى بمعدل مرتفع للجريمة لدرجة أن السكان لا يجازفون بالخروج من منازلهم، أو إن كان التقدم أن تعيش في مدينة لا تستطيع تنفس هوائها، حسنا، فأتمنى أن نظل غير تقدميين، وأتمنى ألا نصل إلى مرحلة يكون فيها ذلك تعريفنا للتقدم".

 

يمثل ذلك التحول تقدما سنلاحظه مرار وتكرار خلال مدة تزيد عن عقدين. خلال النصف الأول من حياتها السياسية، رسم موقف هيلاري كلينتون باستمرار على أنها تنتمي إلى أقصى اليسار – ونسوية للغاية – لدرجة تهديدها للاستمرارية السياسية لزوجها. وفي أي وقت كانت تلك الاستمرارية محل شك، كانت هيلاري تبالغ في تصحيح موقفها، محاولة إقناع التوجه الصحفي المتشكك بأنها لم تكن تحررية على نحو وثيق كما بدت. وفي النهاية، أصبحت استراتيجية التثليث – أي استخدام اليسار كغطاء لإثبات حسن نواياها – شبه انعكاسية.

 

إلا أنه في السنوات الأخيرة تحول السياق السياسي الأمريكي. حيث تحول الجنوب الأبيض إلى الحزب الجمهوري بقوة – وهو أمر حدث في عهد إدارة بيل كلينتون – وأصبح الحزب الديموقراطي أكثر اعتمادا على أصوات النساء، وغير البيض، ومن يرفعون شعار "التحرر" بفخر. يعني ذلك أن الانتخابات أصبحت متعلقة بشكل أقل بالمصوتين المتأرجحين بالمقارنة بتحول القاعدة التصويتية. وفي غضون ذلك، أثبتت السياسات التي دعمت في السابق من قبل اجماع وسطي معتد بنفسه – بدء برفع القيود عن "وال ستريت" وحتى المغامرات العسكرية في الشرق الأوسط – فشلها، حيث دفعت مركز الجاذبية في الحزب الديموقراطي إلى اليسار. ولذلك أصبحت استراتيجية التثليث مما عفا عليه الزمن.

 

يعني ذلك أنه، وفي مفارقة تاريخية، تحتاج هيلاري كلينتون الآن إلى إقناع التقدميين بأنها ما اعتقد سابقا على نطاق واسع أنها هي. فهي مترشحة للرئاسة كنسوية تقدمية، وهو أمر كان ليعتبر خياليا تماما عندما دخلت إلى الحياة العامة. في خطاب هام عن الاقتصاد في شهر يوليو، أكدت كلينتون على أهمية مساواة المرأة بشكل لم يؤته من قبل أي مرشح بارز، حيث تحدثت عن مساواة الأجور، والحق في رعاية الأطفال، والجدولة العادلة كمفاتيح للنمو الاقتصادي. كما ستجعل الإجازة مدفوعة الأجر القضية المميزة لحملتها. "أنا مدركة تماما أنه تم تجاهل تلك التحديات لفترة طويلة جدا من قبل البعض بوصفها "مشكلات نسائية"، إلا أن تلك الأيام قد ولت"، حسبما علقت.

 

كانت تلك النبرة مثيرة. إلا أنه بعد قضاء عقود عديدة في محاولة القضاء على اشتهارها بالتحررية، حققت كلينتون رقما قياسيا يجده الكثيرون في اليسار مثيرا للاضطراب، إن لم يكن لا يغتفر. حيث يشير النمو المتوحش لحملة بيرني ساندرز إلى أن جزء كبيرا من القاعدة الشعبية غير راض عنها. يرجح بشكل شبه مؤكد أنها ستكون المرشحة الديموقراطية، ولكن "العامل المجهول هو الحماس، والذي سيمثل تحديا حقيقيا"، وفق رشاد روبنسون، المدير التنفيذي لمنظمة "كولور أوف تشاينج"، المنظمة المعنية بالحقوق المدنية على الإنترنت. وتابع: "سيكون السؤال بالنسبة لنا جميعا هو: كيف ستتناول هيلاري قضايا اليسار؟"

 

أيا كان ما تقوله كلينتون، سيظل البعض غير مقتنعين. لكن في محاولة للتودد إلى المصوتين التقدميين، لا تتبنى كلينتون مواقف جديدة، بل تعود إلى مواقفها الأصلية. "أظن أن سجلها التقدمي وجذورها التقدمية قوية للغاية"، وفق العضوة بالكونجرس جان شاكوسكي، وهي شخصية تقدمية شجاعة دعمت باراك أوباما منذ ثمان سنوات ولكنها الآن داعمة متحمسة لكلينتون. "لم تقرر فقط العودة إلى جذورها، ولكن التوقيت اختلف. إنها لحظة تقدمية، حسبما أعتقد". يبقى أن نرى إن كانت كلينتون، بعد أداء جميع المناورات الفكرية اللازمة لتسلق السياسات الأمريكية خلال فترة مختلفة تماما، قادرة على استغلال تلك اللحظة.

 

لم تكن هيلاري كلينتون راديكالية أبدا، ولكنها قضت سنوات تكوينها سياسيا على اليسار. لقد كتبت أطروحتها الجامعية عن المنظم سول ألينسكي، الذي كتبت له سابقا (في رسالة كشف عنها الموقع اليميني "واشنطن فري بيكون"): "كلما رأيت أماكن مثل كلية الحقوق بجامعة "يال" والأشخاص الذين يترددون عليها، كلما أصبحت مقتنعة بأن لدينا العمل الجاد والمرح لأداء لكثير من العمل في المستقبل – ذلك إن كان الالتزام بمجتمع حر ومفتوح سيعني أكثر من الفصاحة والاحباط". خلال دراستها بكلية الحقوق، تدربت كلينتون في شركة "تريوهافت، ووكر، وبيرنشتاين"، وهي شركة محاماة راديكالية شمل عملائها حركة "النمور السوداء".

 

وفي كتاب كارل بيرنشتاين، "امرأة مسؤولة"، الذي صدر عام 2007 ويحكي قصة حياة كلينتون، يقتبس برنشتاين عن روبيرت تريوهافت، أول شريك بارز بالشركة، قوله إن كلينتون كانت "متعاطفة مع جميع قضايا اليسار، وقد كان هناك انقسام حاد في تلك الفترة. وكنا لا زلنا غير بعيدين جدا عن حقبة ماكارثي". وبعد التخرج، تجنبت كلينتون شركة المحاماة لتعمل لصالح صندوق "ماريات رايت إديلمان" للدفاع عن الأطفال، حيث ركزت على احتياجات المزارعين المهاجرين.

 

بعد سنوات، عندما التحقت كلينتون بشركة محاماة، كان ذلك لتوفر لعائلتها بعض الاستقرار الاقتصادي وسط تقلبات الحياة المهنية لزوجها، والذي اعتبرته وسيلة لتحقيق نوع التغيير التقدمي الذي تاقت له طويلا. وحتى في تلك الفترة، ظلت مشاركة على الصعيد الاجتماعي، حيث عينها الرئيس جيمي كارتر رئيسة لمنظمة "ليجال سيرفسيس كوربوراشن"، المنظمة المحاصرة سياسيا التي تقدم خدمات قانونية مجانية للمتهمين الفقراء. وكانت أول امرأة تتقلد هذا المنصب.

 

عندما أصبح زوجها رئيسا، كانت هيلاري متموضعة بقوة على يسار الساحة السياسية للإدارة. خلال الفترة الرئاسية الأولى لبيل كلينتون، انقسم البيت الأبيض بين من يريدون وضع الأولوية لإصلاحات الرعاية الصحية، مثل هيلاري، والمتشددين فيما يتعلق بالعجز الاقتصادي، مثل روبيرت روبين، الرئيس المشارك السابق لشركة "جولدمان ساشز"، الذي اهتم إلى أقصى درجة بموازنة الميزانية. وعند مرحلة ما، يصف بيرنشتاين حديثها بغضب عن زوجها قائلا: "لم يتم انتخابك لتنفذ اقتصاديات "وال ستريت"".

 

عندما أدلت كلينتون بشهادتها بشأن الرعاية الصحية أمام الكونجرس عام 1993، فتنت عاطفتها المنضبطة كاتب العمود بصحيفة "نيويورك تايمز"، ماورين دوود، والذي سيصبح لاحقا أحد أكثر منتقديها بلا هوادة. "براعتها في ظهورها المتعاقب اليوم أمام لجنتين بالكونجرس حمل شعورا بالتعجب"، حسبما كتب دوود. ولكن الروح القيادية للسيدة الأولى كانت بعيدة عن التقدير واسع النطاق في الأيام الأولى لإدارة كلينتون. وفي سيرتها الذاتية "خيارات هيلاري"، يقتبس كايل شيشي مقارنة بين ديك موريس، خبير استطلاعات الرأي المرتزق الذي عمل مع كلينتون في أركانساس، وخبيرها الاستراتيجي، جيمس كارفيل، حول خططها للرعاية الصحية:

 

"متحيرا، ذهب إلى جيمس كارفيل وقال: "ما خطب كل ذلك التحرر؟""

 

فانفجر كارفيل: "هؤلاء التحرريون الملاعين قد ملأوا المكان!". وتابع: "إنهم مثل الأضرار الناجمة عن الماء. يتسربون إلى الداخل".

 

بعد أن ذهبت محاولات كلينتون بصدد إصلاح العناية الصحية أدراج الرياح، حصل الوسطيون على الصعيد الاقتصادي على المكانة العليا في البيت الأبيض. وتعرضت هيلاري للوم على نطاق واسع بسبب انتخابات التجديد النصفي الكارثية عام 1994، التي فاز فيها الجمهوريون، بقيادة نيوت جينجريتش، بمجلس النواب لأول مرة منذ 40 عاما. "رأيي أن هيلاري كلينتون قد دمرت الحزب الديموقراطي"، حسبما أخبر لورانس أودونيل، المساعد السابق للسيناتور باتريك موينيهان والمقدم التلفزيوني الحالي، بيرنشتاين.

 

إثر كونها محطمة شخصيا، ألقت هيلاري بنفسها في أحضان استراتيجية التثليث الخاصة بزوجها، وهي كلمة تستخدمها باستحسان في مذكراتها، "التاريخ الحي". حتى أنها جلبت موريس إلى البيت الأبيض، رغم حقيقة أنه، خلال انتخابات التجديد النصفي، كان يعمل لحساب الجمهوريين. وكتبت هيلاري: "كان تخصص موريس يعرف المصوتين المتأرجحين الذين تأرجحوا بين الحزبين". وقد كرس آل كلينتون أنفسهم لكسب أصوات هؤلاء المصوتين مجددا.

 

في مذكراته، "في عالم ضبابي"، يصف روبرت روبين محادثة دارت بينه وبين هيلاري وحليفها الفكري، وزير العمالة روبيرت ريتش، بعد انتخابات التجديد النصفي. وفق روبن، اعتقد ريتش أن القاعدة الديموقراطية قد تم إفقادها حماستها وأقرت موقفا اقتصاديا أكثر شعبية. إلا أن روبن بهت أمام نبرة مثل "الرعاية الاجتماعية للشركات"، قائلا إن ذلك "سيؤثر سلبا على الثقة في الأعمال" وسيكون غير فعال سياسيا. كما أورد إن هيلاري اتفقت معه، حيث قالت لريتش: "استطلاعات الرأي والاستخبارات السياسية التي لدينا تقول إن الأشخاص الذي نحتاج إلى الوصول إليهم لا يستجيبون بشكل جيد لذلك النوع من النهج الشعبوي".

 

كان ذلك نموذجا مثاليا. ففي مواجهة الانتقادات العامة المهينة لكونها يسارية للغاية، تراجعت هيلاري إلى الوسط الأكثر أمانا. "تتواجد تلك الصفة الإنسانية، عندما تكون مواجها لصراع وتحدي إلى تلك الدرجة، فتعود إلى الفريق الأكثر محافظة"، حسبما قال موظف سابق بالبيت الأبيض في عهد كلينتون. وتابع: "ما كان له دور فعال بالنسبة لها كشخصية سياسية كان أيضا آلية صمود لها كإنسانة. لقد تم القضاء على هويتها بشكل معلن مرتين" – الأولى خلال حملة عام 1992، ثم أثناء فضيحة مونيكا لوينسكي. "إنها تستثمر بشدة في التقدمية الأمريكية كامرأة شابة"، وفق الموظف، "ما يؤدي لهزيمتها بشكل ما".

 

لا يعني ذلك أن كلينتون قد تخلت عن التقدمية بشكل تام. حيث تعلق ميلاني فيرفير، الرئيسة السابقة لطاقم موظفيها، بأنه بعد فشل إصلاح الرعاية الصحية، ناشدت هيلاري زوجها توسيع التغطية للأطفال، وهو ما فعله عبر برنامج التأمين الصحي الحكومي للأطفال، والذي تم تمريره عام 1997. وظلت هيلاري قوية بشكل خاص في المشكلات المتعلقة بالنساء.

 

في عام 1995، بصفتها رئيسة الوفد الأمريكي في مؤتمر الأمم المتحدة الرابع للمرأة، الذي أقيم في بكين، ألقت كلينتون خطابا اعتبر على نطاق واسع كلحظة فاصلة في تاريخ الحركة العالمية لحقوق المرأة. "بعد عشرين عاما، يمكنك أن ترى أنه قد أحدث بالفعل نقلة ضخمة في نظرتنا للجنسانية والتنمية"، وفق هيذر هورلبيرت، كاتبة خطابات سابقة بالبيت الأبيض ووزارة الخارجية وعملت كمستشارة لكلينتون عندما كانت سيناتورة. "حدث تغير مثير في مدى تركيز التنمية على النساء وصحتهن والإنجاب".

 

إلا أنه على الصعيد المحلى توقفت كلينتون عن المخاطرة. رغم عدم رضيها عن إصلاح الرعاية الاجتماعية، إلا أنها لم تعارض توقيع زوجها له، حيث يقول بيرنشتاين: "لقد قبلت بالقرار باعتباره حتميا". كذلك لم تحاول إبعاد نفسها عنه لاحقا، ففي دورتها بمجلس الشيوخ عام 2000، جعلت دعمها واضحا لعقوبة الإعدام، ولتقييدات الرعاية الاجتماعية، وللميزانية المتوازنة.

 

إلا أنه منذ أصبحت كلينتون سيناتورة وحظيت بالفرصة لبناء هويتها السياسية، تحركت إلى اليسار مجددا. فوفق نظام ترتيب الأصوات "دي دبليو نومينا"، الذي يستخدمه الباحثون السياسيون، تعتبر كلينتون أحد السيناتورات الأكثر تحررا عندما تكون جميع تصويتاتها مجدولة، ومتوجهة باستمرار إلى يسار باراك أوباما، وجو بايدن، وجون كيري. لقد صوتت ضد اتفاقية أمريكا الوسطى للتجارة الحرة، والتي دعمها زوجها بشكل معلن، بالإضافة إلى مشروع قانون بوش للطاقة، والذي اشتمل على خفض للضرائب بقيمة 14,5 مليار دولار لصناعة الطاقة، والذي صوت أوباما لصالحه. كما حاولت تدشين لجنة على غرار لجنة 11 سبتمبر للتحقيق في الاستجابة الفيدرالية أمام إعصار كاترينا.

 

"أظن أنها تمتعت بسجل رائع في مجلس الشيوخ"، حسبما يرى لاري كوهين، الرئيس المتقاعد مؤخرا لاتحاد عمال الاتصالات الأمريكيين، الذي يتطوع في حملة المرشح ساندرز. ووفق واد راتكه، مؤسس "أكرون"، جمعية تنظيم المجتمع المحلي المنحلة حاليا، عندما كانت كلينتون في مجلس الشيوخ، "ما كنا لنتمنى وجود صديقة أفضل في ظل وجود أي مشكلة تمس "أركون" في نيويورك". لقد ناصرت برامج الإسكان الخاصة بالجمعية ودافعت عن قانون إعادة الاستثمار في المجتمع المحلي، وهو قانون صدر عام 1977 يشجع البنوك على تقديم قروض لسكان المناطق منخفضة الدخل، بينما تعرض القانون لهجوم من قبل الجمهوريين.

 

إلا أنه بالنسبة لأغلب اليسار، طغى تصويت كلينتون لصالح الحرب في العراق، وهو أكثر موقف بالغت في تصحيحه، على سجلها التقدمي في معظمه بمجلس الشيوخ. لا يزال مراقبوها يتناقشون حول إن كان ذلك التصويت يعود إلى مبدأ مضلل أم إلى النفعية السياسية. وعلى الأغلب يعود ذلك التصويت إلى السببين، فلكينتون أكثر تشددا من الديموقراطيين الآخرين، ولكنها عادة ما تستجيب للضغوط السياسية. "بالفعل أظن أنه هناك قدر جيد من الفكر" وراء ذلك التصويت، وفق رشيد خالدي، أستاذ دراسات الشرق الأوسط بجامعة "كولومبيا"، والذي ألف مؤخرا كتاب "أزمة الجذور: الحرب الباردة والهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط. وتابع: "وعلى الجانب الآخر، تعتبر كلينتون بشكل رئيسي ناشطة سياسية، فقد تنطلق مع الريح، ولكن داخل حدود حزبها".

 

يسهل النسيان الآن، ولكن عندما ترشحت هيلاري للرئاسة لأول مرة، كان أغلب برنامجها على يسار أوباما، وتحديدا على صعيد القضايا الاقتصادية المحلية. لقد دعت إلى تدشين منصب بدرجة وزير "مكرس بشكل منفرد وكامل لإنهاء الفقر كما نعرفه، والذي سيركز انتباه أمتنا على تلك المشكلة ولن يتركها أبدا". كما كانت خطتها للعناية الصحية واسعة النطاق بشكل أكبر من الخطة التي اقترحها أوباما في البداية. "قدمنا خطابا بولاية أيوا في نوفمبر 2007 يدعو إلى تنظيم المشتقات المالية"، حسبما أوضحت نيرا تاندين، التي عملت في حملة هيلاري الرئاسية وترأس الآن مركز التقدم الأمريكي. وتابعت: "لم يتناول أحد تلك المشكلات".

 

إلا أن كارثة العراق لاحقتها – ورغم أن التصويت لصالحها كان خطأ كارثيا، إلا أنها لم تمنع كلينتون عن التثليث في سبيل الظهور بمظهر القوية. ففي مواجهة ترشيح أوباما للمتمردين، ارتدت كلينتون إلى تكتيكات على أسلوب ديك موريس، مظهرة متحديها بمظهر الضعيف والراديكالي وساعية إلى إعادة تقديم نفسها كبطلة للنوع المحدد من الرجال البيض ذوي الياقات الزرقاء الذين احتقروها خلال فترة رئاسة زوجها. تتمثل نقطة سوداء محددة في مقابلة لها مع صحيفة "يو إس إيه توداي"، والتي قالت فيها إن "الدعم الذي يحظى به السيناتور أوباما بين الأمريكيين العاملين، والمجتهدين، والأمريكيين البيض، عاد مجددا للهبوط".

 

تلك هي هيلاري كلينتون التي يتذكرها الكثير من نشطاء اليوم الشباب. "لا يمكننا ادعاء أن ذلك لم يحدث"، وفق رشاد روبنسون. رغم أنها قد عالجت بعض جروح تلك الحملة عندما أصبحت وزيرة خارجية أوباما، ويضيف، "لا أظن أن الأمر يتعلق بمشاعر الضغينة – بل بعدد الموقعين على قطار الحب".

 

بالتأكيد، خلال فترتها في منصب وزيرة الخارجية، نفرت كلينتون اليسار بطرق أخرى. فقد كانت داعمة رئيسية للتدخل الأمريكي في ليبيا، وإن كانت نجحت في مسعاها، لكانت الولايات المتحدة أكثر تورطا في الحرب في سوريا. كما دعمت تصعيدا للحرب في أفغانستان. "لهيلاري كلينتون عدة مزايا"، حسبما قال خوان كول، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط بجامعة متشيجان. ويتابع: "أظن أنها ستناصر العمال بصورة كبيرة، أظن أنها ستكون جيدة في التعامل مع العديد من المشكلات المحلية التي يهتم بها التقدميون. ولكن بالنسبة للسياسة الخارجية، لقد كانت متشددة، وفي ذلك الصدد، كانت أكثر تشددا من الرئيس أوباما، الذي أدى تشدده إلى تخييب آمال الكثير من التقدميين".

 

إلا أن تشددها لا يمثل القصة الكاملة. فعندما كانت وزيرة للخارجية، جلبت كلينتون بعض الانتباه إلى مشكلات المرأة العالمية التي عنيت بها كسيدة أولى. وفي الأمم المتحدة، قادت الضغوط من أجل إقرار قرار مجلس الأمن رقم 1888، الذي يلزم الأمم المتحدة باتخاذ خطوات لحماية النساء والأطفال من العنف الجنسي في الحروب. كما حرصت على تمثيل مخاوف المرأة في المؤتمرات التي غابت عنها تلك المخاوف عادة. تصف فيرفير، التي عملت سفيرة أمريكية لقضايا المرأة تحت قيادة كلينتون، كيف أنها وضعت مشاركة المرأة الاقتصادية على جدول الأعمال في منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي، بمشاركة 21 دولة. "هناك جوانب تقدمية للفاية في سجل سياساتها الخارجية، وقد فعلت أمورا لم يتمكن أحد آخر من فعلها"، وفق هوربورت، "أظن أنه يتم نسيان ذلك".

 

علاوة على ذلك، دافعت كلينتون عن الاتفاق النووي للرئيس أوباما مع إيران، وهي قضية السياسة الخارجية الأبرز اليوم، رغم الشكوك حول بعض المانحين المناصرين لإسرائيل، وتحديدا الملياردير حاييم سابان. "يجب نسب الفضل لها"، حسبما قال خالدي، "يمثل سابات أحد أكبر ممولي الحملة المناهضة للاتفاق الإيراني، وقد اتخذت موقفا واضحا بشأن ذلك".

 

بالفعل، يجب أن تؤدي معظم المواقف التي تبنتها في حملة ترشحها الحالية إلى إسعاد التقدميين، فقد كانت كلينتون بشكل عام أكثر تحررا عما كانت عليه في 2008، بل أكثر تحررا من أوباما في نفس العام. وبعد خسارتها الحارقة منذ ثمان سنوات، تبدو كلينتون مدركة تماما لكيفية تغير السياسات الأمريكية منذ التسعينيات. "يتطلب مسار الفوز من المرشحين الرئاسيين الديموقراطيين فهم أن مركز السلطة في البلاد لم يعد متمركزا في "وسطية" الطريق الثالث"، حسبما ترى آنا جالاند، المديرة التنفيذية لمنظمة "موف أون.أورج" المعنية بالعمل المدني، والتي تمثل أحد أجنحة عملاقة التنظيم التقدمي التي أنشئت في الأساس لمعارضة توجيه اتهام لبيل كلينتون. وتابعت: "أصبح مركز الجاذبية السياسية حاليا مركزا شعبويا للجاذبية، ويحتاج الجميع إلى إدراك ذلك. أظن أن حملتها ذكية وسيدركون ذلك".

 

لن تلقى تقدمية كلينتون التي بعثت من جديد قبول الجميع. فقد وجه لها بيل ماكيبين، مؤسس المنظمة الناشطة في مجال البيئة "350. أورج"، انتقادا لاذعا بسبب سجلها فيما يتعلق بالبيئة أثناء ترأسها لوزارة الخارجية. حيث قال: "على أفضل تقدير، لقد أساءت إدارة مشكلة "كيستون"، والتي أصبحت أكبر قضيئة بيئية في العقود الأخيرة في الولايات المتحدة". قالت كلينتون سابقا إنها كانت "ميالة" إلى الموافقة على خط الأنابيب، ولكن بعدما أصبحت مرشحة رئاسية رفضت أن تتخذ موقفا بشأنه. ويشير ماكيبين إلى أنها عندما كانت وزيرة للخارجية حاولت تشجيع التكسير خارج الولايات المتحدة، وكذلك في مؤتمر كوبنهاجن للتغيرات المناخية عام 2009 عندما تعرض المؤتمر لـ"انهار كامل" أمام عينيها ولم يحقق أبدا أهدافه الملزمة فيما يتعلق بخفض الانبعاثات.

 

يضيف ماكيبين إن جميع جماعات الضغط تقريبا التي تجمع التبرعات لكلينتون لديها الآن علاقات بصناعة الوقود الأحفوري. "إن كنت ستتعامل مع التغير المناخي، فلا سبيل لتجنب مواجهة صناعة الوقود الأحفوري في مرحلة ما"، حسب قوله، "لا يمثل ذلك أمرا يمكنك فيه أن ترضي الجميع في النهاية، لأنها يجب علينا أن نتخلى عن كميات كبيرة من الفحم، والغاز، والنفط تحت الأرض. يعلم الجمهوريون ذلك، ولذلك ينوي الأخوين كوتش استثمار كميات هائلة من الأموال في الحملة".

 

ومع ذلك، في أحد الخطابات العامة في تلك الحملة، دعت كلينتون إلى إبعاد المال عن السياسة – "بشكل نهائي، حتى وإن تطلب ذلك تعديل الدستور" – كما تعهدت بتعيين قضاة بالمحكمة العليا سيبطلون عمل منظمة "سيتزن يونايتد". وحتى يحدث ذلك، حسبما يقول المدافعون عن كلينتون، يستحيل إدارة حملة سياسية فعالة دون زراعة حلفاء أقوياء وجمع الكثير من الأموال. وبالفعل، كلينتون بعيدة وراء الجمهوريين في ذلك الصدد، فأكبر لجنة عمل سياسي تدعم كلينتون، وهي "برايورتيز يو إس إيه أكشن"، قد جمعت 15,7 مليون دولار، بينما جمعت لجنة جيب بوش 103 مليون دولار، وجمعت لجنة سكوت ووكر 20 مليون دولار.

 

وحتى ريك بيري، حسبما تشير "إيه بي"، الذي لم يتأهل لأول مناظرة جمهورية، قد جمع تبرعات أكثر من كلينتون. "ليس هناك رياء في قول إنه يمكنك أن تدير حملة وفق القواعد العامة مع قول إنك تريد تغيير النظام"، وفق لورانس ليسيج، الأستاذ بجامعة هارفارد الذي دشن عدد من الحملات في إطار جهود للإصلاح المالي، لصحيفة "نيويورك تايمز" عن جمع كلينتون للتبرعات.

 

إذن فهل هيلاري كلينتون مكروهة بشكل فريد أو خاص لأنها تريد أخذ أموال "وال ستريت" و"كيه ستريت"؟ في النهاية، تتمثل أكثر صفة تترتبط بها في أنها "براجماتية". على سبيل المثال، تصفها إلين شيسلير، وهي صديقة قديمة لعائلة كلينتون ومديرة مبادرة تعزيز النساء والفتيات بمعهد روزفيلت، بأنها "تقدمية حقيقية، من حيث تفكيرها، وبراجماتية أيضا، من حيث فهمها لضرورات ومتطلبات المضي قدما في ظل نظام حزبين أو حكومة فيدرالية".

 

بعدة أشكال، يتعلق الجدل التقدمي الدائر حول هيلاري كلينتون بالكامل بحدود تلك البراجماتية: فما حجم المساومات التي يمكن للنوايا الطيبة أن تؤتيها؟ ومتى تصبح الواقعية قبولا راضيا بالوضع القائم؟ بينما يرفض كوهين، من جانبه، وصف كلينتون بالبراجماتية. بل يفضل كلمة "عملية"، حيث يقول: "يؤمن البراجماتيون بحل المشكلات. وعادة ما يخبرنا العمليون لماذا لا يمكننا حل المشكلات التي نهتم بشدة بشأنها".

 

يسهل المبالغة في وصف مدى انتشار ذلك النوع من خيبة الأمل تجاه كلينتون. فقد وجدت احصائية أصدرتها مؤخرا شركة "استطلاعات رأي السياسة العامة" أنه بينما يؤيدها 69 بالمئة من الديموقراطيين، يؤيدها 82 بالمئة ممن يصفون أنفسهم بأنهم "متحررون للغاية". ولكن يوجد خوف يسري بين العديد من النشطاء حول أن تاريخ كلينتون الطويل من التموضع الحذر قد صعب على القاعدة الشعبية أن تحشد الكثير من الحماس. "سيمثل ذلك انبساطا للكثيرين – وهو الاعتقاد بأن ذلك هو المكان الصحيح لوهب الـ20 دولار خاصتهم، وأنهم يجب أن يتطوعوا وأن يجروا مكالمات هاتفية"، حسبما يلاحظ راتكه، "فليس هناك أي حماس أو إثارة".

 

تشير سارو جايارامان، إحدى مؤسسي "مراكز مطعم الفرص"، وهي منظمة تسعى إلى تطبيق أجور عادلة لعمال المطاعم، إلى أن غياب الشغف ينبع من استياء أوسع بسبب السياسات الانتخابية، على الأقل بين الأشخاص الذين تمثلهم جايارامان. "الطاقة الحقيقية في قطاعي لا تتمحور حول الانتخابات الرئاسية مطلقا"، حسبما ترى، "وليست متعلقة بالتصويت نهائيا، حاليا يبدو الأمر كلحظة من الاضطراب الاجتماعي. يشعر العامة بأنهم صورتهم من التمثيل الديموقراطي هي النزول إلى الشوارع، واتخاذ إجراءات. صراحة، لا يبدو أن الأشخاص الذين أمثلهم لا يزالوا متحمسين لبيرني ساندرز".

 

معظم أفراد دائرة جايارامان الإنتخابية من الإناث، وإن كانوا منفصلين بالفعل مثلما ترى، فإنها أنباء سيئة لحملة كلينتون، والتي ستحتاج إلى نساء الطبقة العاملة ونساء غير البيض للنهوض بشكل جماعي. (أظهر استطلاع للرأي أجري مؤخرا بواسطة "وال ستريت جورنال" و"إن بي سي نيوز" أنه بينما يؤيد 66 بالمئة من الأمريكيين السود كلينتون، يؤيدها 34 بالمئة فقط من النساء البيض).

 

إلا أن جايارامان أكثر تفاؤلا تجاه حملة كلينتون من كوهين – ويعود ذلك إلى حد كبير إلى وجود فارق كبير جدا يجعل رئاسة كلينتون أمرا غير معتاد نهائيا. فمما يصنع الفارق، وفق جايارامان، أن كلينتون امرأة. وقد قادها ذلك إلى الاهتمام بقضايا الطبقة العاملة التي يتجنبها الآخرون، مثل أزمة موظفي الإكراميات، الذين يعتبر ثلثيهم من النساء. "في كل مرة ارتفع فيها الحد الأدنى للأجور في 43 ولاية في أنحاء البلاد، تم تجاهل عمال الإكرامية تماما وظلوا عند حد 2 دولار"، وفق جايارامان، "ما يعني أن المدافعين عن الحد الأدنى للأجور أنفسهم – في اليسار – قد تخلوا عن نصف النساء المعنيات بالمشكلة في كل مرة ارتفع فيها الحد الأدنى".

 

لا تتخلى كلينتون عن هؤلاء النساء، على الأقل في خطابها. "حقيقة أنها امرأة، وحقيقة أن المساواة بين الجنسين وعدم تساوي الدخل ستكونان اثنتان من القضايا الرئيسية للحملة – تجعلان أزمة أجور عمال الإكراميات ملائمة بالفعل في سياق هاتين القضيتين"، وفق جايارامان.

 

منذ ستة عشر عاما، كتبت الراحلة باربرا أولسن، التي شغلت منصب كبيرة مستشاري التحقيق لإحدى لجان مجلس النواب التي حققت بشأن آل كلينتون في التسعينيات، كتاب "مشكلات كبيرة: القصة المتكشفة عن هيلاري رودام كلينتون". وفي الكتاب، حذرت أولسون قائلة: "هيلاري امرأة تنشط بفعل الطموح المتواصل. ذلك الطموح هو جعل العالم يقبل الأفكار التي تبنتها في ملاذات لاهوت التحرر، والنسوية الراديكالية، واليسار المتشدد". كانت تلك كلمات شخص متعصب مصاب بجنون الاضطهاد. إلا أنه في حال، بعد كل تلك السنوات، تم انتخاب كلينتون على أساس برنامج مناصر لرعاية الأطفال، والرعاية الصحية، والإجازة العائلية، فإن ذلك سيمثل انتصارا تاريخيا هاما على ردة فعل اليمين التي لاحقتها معظم حياتها. يبقى أن نرى إن كان ذلك الانتصار كافيا أم لا لتحقيق النهوض اليوم.

 

*ميشيل جولدبيرج كاتبة مساهمة بارزة بموقع "نايشن".

 

المصدر | نشر في 25 أغسطس 2015

 

*ترجمة فريق موقع راقب

 

اقرأ المزيد

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان