رئيس التحرير: عادل صبري 06:25 صباحاً | الأربعاء 21 نوفمبر 2018 م | 12 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

ماذا فعل الإعلام ليغضب السيسي؟

ماذا فعل الإعلام ليغضب السيسي؟

أسامة الرشيدي 09 نوفمبر 2015 16:16

"ميصحش كدة" كانت الجملة الأبرز في خطاب السيسي الأخير الذي ألقاه في الندوة التثقيفية للقوات المسلحة، تعليقا على ما سماه "هجوم الإعلام" وانتقاده للسلبيات.
 

استشهد السيسي في حديثه بكلام "خالد أبو بكر" المحامي الذي تحول إلى إعلامي يقدم برامج التوك شو، عن جلوسه مع شركة سيمنز وتركه الإسكندرية تغرق، معتبرا ذلك لا يصح.
 

ليست تلك المرة الأولى التي ينتقد فيها السيسي الإعلام المصري رغم كل ما يبديه من تأييد ودعم مطلق، فسبق أن هاجم تغطية الإعلام لأزمة انقطاع الكهرباء في سبتمبر من العام الماضي، عندما خرج مانشيت جريدة التحرير بعنوان "الحكومة منورة" يومها أدرك المتابعون أن السيسي لن يسمح حتى بانتقاد الحكومة كما كان يحدث في عهد مبارك، على اعتبار أن انتقاد الحكومة يشكل هجوما غير مباشر عليه كونه من عين هذه الحكومة، فما بالنا بمن يتهكم على السيسي نفسه؟
 

وصلت الرسالة سريعا للإعلاميين، فوجدنا صاحب الشأن "خالد أبو بكر" يجتهد ما وسعه للإشادة بالخطاب، قائلا إنه "يعتبر من أنجح الخطابات التي جاءت من السيسي حيث به الكثير من المعاني التي تصل وتمس قلوب المصريين في الشارع" وأنه أعطي للشعب المصري في خطابه جرعة كبيرة من الأمل والتفاؤل، متجاهلا إشارة السيسي إليه.
 

أما ردود الأفعال الكوميدية فجاءت من المذيعين: سيد علي ومحمد مصطفى شردي، حيث تبرؤ الأول من خالد أبو بكر واعتبره دخيلا على مهنة الإعلام وأنه منتحل لصفة إعلامي. أما شردي فيبدو أنه قد أصابه الذعر من اتهام الرئيس للإعلام، ووجدناه ينتفض في برنامجه موجها "أقوى رسالة للرئيس السيسي" كما وصفتها صفحة القناة التي يعمل بها على يوتيوب، وإذا بنا نجد أن هذه الرسالة "القوية" تتبرأ من انتقاد السيسي، وتؤكد للسيسي أنهم لا ينتقدوه، بل إنهم يتعرضون للشتائم بسبب دفاعهم عنه!
 

نفس الموقف اتخذه مذيعون آخرون في قناة المحور التي يعمل بها شردي، ووجدنا ظاهرة غريبة هي أن الإعلاميين ينتقدون الإعلاميين، فنجد "إعلاميا" يقول إن الإعلاميين مخطئون ويهدفون إلى إسقاط السيسي!
 

لكن ما الذي قام به الإعلام المصري غير جملة خالد أبو بكر وجعلت السيسي يغضب؟ لنراجع ونحلل تغطية الصحف والفضائيات لكارثة الإسكندرية الأولى أواخر أكتوبر الماضي، والثانية أوائل نوفمبر الحالي، لنكتشف كيف أدت هذه التغطية إلى أن يقول السيسي "ميصحش كدة".

 

المحافظ
 

في بداية الكارثة، اتجه اللوم إلى محافظ الإسكندرية هاني المسيري، وانصبت الانتقادات كلها عليه بحجة أنه فشل في حماية المحافظة من السيول، مطالبة برحيله، وهو ما تحقق فعلا بعد تقديمه استقالته.


إدانة العوامل الطبيعية
 

إلا أن البعض حاول تبرئة المحافظ، ملقيا اللوم على العوامل الطبيعية!
 

هذا ما احتوى عليه تقرير لصحيفة اليوم السابع، كتبه "دندراوي الهواري" الملقب بتوفيق عكاشة الصحافة المصرية، وصاحب الرقم القياسي في المقالات الكوميدية.
 

قال الهواري في تقريره إن هناك تقرير لرئيس الوزراء شريف إسماعيل، حدد الأسباب التى أدت إلى وقوع الأزمة، منها هطول الأمطار بشكل متواصل لمدة 9 ساعات بمعدلات غير مسبوقة. لكن الهواري أضاف من عنده في الختام جملة عجيبة حيث قال (هذه الشهادة، فسرها خبراء ومراقبون بأنها تبرئة لساحة محافظ الإسكندرية هانى المسيرى، وإدانة للعوامل الطبيعية). ولم يوضح من هم هؤلاء الخبراء والمراقبين المزعومين.
 

وفي مقال آخر لنفس الكاتب حاول تبرئة المسيري أيضا بإلقاء المسئولية على وزير الإسكان ومدير مديرية الصرف الصحي بالإسكندرية
 

الحكومة
 

هي الشماعة التي يعلق عليها الإعلام مسئولية الكوارث منذ عهد المخلوع مبارك وطبقته أيضا في هذه الأزمة، فظهرت مانشيتات الصحف الخاصة ملقية اللوم على الحكومة وفشلها، وتكرر نفس الأمر في المرة الثانية التي تعرضت فيها الإسكندرية والبحيرة ومحافظات أخرى للغرق، حيث اختفى الحديث عن لوم المحافظين بعد أن تحول الأمر إلى كارثة قومية.
 

بتحصل في أحسن العائلات
 

لم تتركز هذه السياسة في الإعلام، وإنما في شبكات التواصل الاجتماعي، حيث قام بعض أنصار السيسي المتحمسين بنشر صور قديمة أو مفبركة لمدن غارقة في أوروبا على اعتبار أن ما حدث في مصر يحدث في كل دول العالم، وللتأكيد على أن المنتقدين مخطئون لأن أحدا في تلك الدول المتقدمة لم يطالب بإقالة المحافظ أو رئيس الحكومة أو يهاجم رئيس الدولة. واتضح أن معظم هذه الصور قديمة أو مفبركة.
 

من ذلك مثلا صور لكارثة طبيعية مزعومة في هيوستن بولاية تكساس الأمريكية، وقد علق بعض المتابعين مؤكدين أن الصور قديمة وتعود للسبعينيات من القرن العشرين، كما أن هذه الصور على فرض صحتها تتعلق بأعاصير هائلة وليست مجرد أمطار عادية مثلما حدث في الإسكندرية، ولا يقوم الإعلام الأمريكي في هذه الحالة بعرض صور أعاصير في دول أخرى للدلالة على أن ذلك يحدث في جميع دول العالم.
 

صور أخرى نشرها أحد المستخدمين لما قال إنها أمطار في إيطاليا، وشخص ثالث نشر آثار الأمطار في إنجلترا (كلها حدثت في نفس اليوم الذي حدثت فيه كارثة الإسكندرية، سبحان الله) لكن الصور الأخيرة اتضح أنها مركبة أصلا وغير حقيقية.

وقد رد البعض بخصوص صور ولاية تكساس بصورة أخرى للشوارع بعد ساعتين فقط من توقف هطول الأمطار التي استمرت لثلاثة أيام متواصلة، وظهرت في حالة نظيفة بعد التخلص من المياه.
 

الجيش المنقذ
 

الوجه الآخر لتحميل الحكومة المسئولية، هو اعتبار الجيش هو الحامي والمنقذ بعد تدخله لنجدة المواطنين، حيث ركزت الصحف والفضائيات على تدخل الجيش لإنقاذ الموقف وجهوده لسحب المياه من الشوارع وإعادة فتح الطرق والأنفاق والكباري.
 

وكانت صحف أخرى قد استبقت الكارثة بأيام وتحدثت عن "الحكومة البطيئة" التي قرر السيسي أن يسحب منها 6 ملفات ويسندها لجهات سيادية (الجيش والمخابرات).
 

هذا التلميع وجد صداه لدى أنصار الجنرال على مواقع التواصل، وقامت إحدى الصفحات المؤيدة له بطرح سؤال حول إمكانية قيام الجيش بإدارة كافة مؤسسات الدولة، رغم أن كافة رؤساء الأحياء في الإسكندرية ينتمون إلى الجيش بالفعل. كما تجاهل الإعلام أن الغرق طال طريق القاهرة- الإسكندرية الصحراوي، الذي قام الجيش بتطويره قبل ذلك بتكلفة نحو مليار ونصف المليار جنيه، وتم افتتاحه في يونيو 2014 ورفع تكلفة العبور عبر بوابات القاهرة والإسكندرية، وتحدثت الصحف وقتها عن كيف أصبح الطريق عالميا.
 

أزمة ضمير
 

"كلنا فاسدون" كان هذا شعار البعض ممن يحاول تعميم المسئولية وإرجاعها للعوامل الأخلاقية، من نوعية غياب الضمير والإهمال لدى الشعب المصري بكامله، وأن ما حدث نتيجة طبيعية لانعدام الأخلاق.
 

في نفس الإطار حاول الإعلام تحويل دفة الحديث من الكارثة إلى "الضابط أبو كرش" الذي التقطت له صورة بجوار الشوارع الغارقة في مشهد معبر عن حال البلاد، والتي تسببت في موجة سخرية واسعة على مواقع التواصل.
 

نسج الإعلام أساطيره حول الرجل، فقالوا إن سمنته المفرطة سببها عملية جراحية قام بها، وأنه كان أحد أبطال التايكوندو قبل ذلك، وأن أسرته تعيش في أزمة نفسية بعد نشر صورته. رغم أن العديد من المواطنين ماتوا نتيجة السيول، ولم يكلف أحد من هؤلاء الأخلاقيين نفسه بالحديث عنهم أو عن الضرر النفسي الذي أصاب أسر المتوفين. ومعظم هؤلاء أيضا من مؤيدي السيسي الذي قتل الآلاف ولم يجدوا في ذلك مشكلة أخلاقية.
 

تواترت بعد ذلك الأنباء والتعليقات عن حقيقة الضابط، فإذا به ضابط مرور معروف بفساده ومشهور باسم "أنبوبة" وأنه سمين منذ شبابه.
 

لا تخرج قبل أن تقول سبحان الله
 

وجدت صحيفة اليوم السابع في الكارثة فرصة لتذكيرنا بآيات الله وقدرته والكون العظيم الواسع الذي يحيط بنا، ونشرت صورا للأمطار والبرق والرعد مع آيات من سورة الرعد "هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال* ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء".
 

الاستغلال السياسي
 

مع انعدام نسبة الإقبال في الانتخابات البرلمانية، بررت لجنة الانتخابات ذلك باتهام الأمطار والطقس السيء في التسبب بضعف الإقبال في جولة الإعادة، وكأن الجولة الأولى شهدت إقبالا كبيرا قبل أن تعطله الأمطار.

وعلى كل حال اتخذ النظام قراره بإتمام الانتخابات مهما يكن، وقد عبر المذيع أحمد موسى عن ذلك قائلا إن البرلمان تشكل بالفعل و"إقبالكم مش فارق معانا" على حد قوله.
 

شاهد ماذا حدث لإسرائيل بعد سخريتها من مصر
 

تقمصت صحيفة الوطن دور الواعظ الديني الذي يبشر بغضب الله الذي يتنزل على الكفار، ونشرت خبرا عن الأمطار الغزيرة التي أصابت إسرائيل وتسببت في انقطاع الكهرباء عن 20 ألف منزل، مضيفة أن هذا حدث بعد يوم واحد من سخرية صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية من كارثة الإسكندرية!
 

تفترض الصحيفة إذن أن غضب الطبيعة الذي أصاب إسرائيل إنما هو عقاب على سخريتها من مصر، إذن ماذا نقول عن كوارث السيول في محافظات مصر المتكررة؟ إذا اتبعنا نفس القياس فهو غضب من الله عز وجل أيضا. كما أن هذه الطريقة لا تليق بصحيفة من المفترض أنها محترفة، إذ أن هذا الأسلوب تتبعه صفحات الفيس بوك التي تريد استقطاب الزوار، فتنشر فيديو مثلا بعنوان "سخر من خلق الله فشاهد ماذا حدث له".
 

الشعب المصري
 

حان دور إلقاء المسئولية على الشعب المصري، فقال أحد أهالي قرية "عفونة" التي أغرقتها الأمطار، إن رئيس الوزراء "شريف إسماعيل" اتهم الأهالي بالتسبب في سقوط الأمطار! لأنهم يشعلون نيران ينتج عنها دخان يتسبب في سقوط الأمطار.

ولم يخرج المتحدث باسم مجلس الوزراء عما قاله إسماعيل، بعد أن اشتكى أحد المواطنين من غرق بيته للمرة الثانية، فقال له المتحدث إنه المسئول لأنه لم يأخذ حذره.
 

الإخوان
 

أخيرا جاء الحديث عن جماعة الإخوان المسلمين، وهو حديث تأخر كثيرا حتى ظهر يوم الجمعة 6 نوفمبر عن طريق وزارة الداخلية.
 

فقد أعلنت الوزارة عن إلقاء القبض على خلية إخوانية من 17 شخصا بتهمة سد مصارف ومواسير الصرف الصحي بالإسكندرية. وهو كلام مطابق لما يقوله المدعو "سامح أبو عرايس" الذي أعلن قبل ذلك أنه يعبد الإله حورس!
 

إذا كان الإخوان مسئولين عن كارثة الإسكندرية، فهل هم مسئولون أيضا عن نفس الكارثة في المحافظات الأخرى! طبعا لا حاجة للحديث إلى أن الإخوان هم الشماعة الجاهزة لأي كارثة، حتى إن المذيع وائل الابراشي عندما قرر مهاجمة السبكي المنتج السينمائي، لم يجد سوى أن يصفه بأنه يساند الإخوان، رغم أن أفلامه أبعد ما تكون عن أي التزام أخلاقي أو ديني، لكنها الشماعة.
 

وطبعا لم تكذب وسائل الإعلام خبرا، وأفردت مساحات واسعة لتبني بيان الداخلية واعتباره الحقيقة المطلقة.
 

لكن ما يدعو إلى التفاؤل هو رد فعل المعلقين على خبر القبض على الخلية الإخوانية المزعومة، فمعظمها لا يصدق الخبر ويسخر منه بشدة ومن تدني مستوى الكذب والتلفيق، حتى إن العديد من البوستات الساخرة على فيسبوك سبقت إعلان الداخلية بأشهر طويلة، عندما توقعت أن يتهم الإخوان بالمسئولية عن مشكلة الصرف الصحي.
 

ونختم مع تعليق للمتألق دائما "مصطفى بكري" الذي قال إن منتقدي السيسي يريدون هدم الدولة وخروج الشعب في ثورة ضده (وكأن الخروج في ثورة جريمة) وصرح أيضا موجها حديثه للإعلاميين: لو مش عاجبكم اختاروا شعب تاني وعيشوا معاه. ومن جانبي أقترح على بكري حلا أسهل بكثير، فطالما لم يعجبنا السيسي فلنختر رئيسا آخر بدلا من البحث عن شعب آخر، أليس هذا أسهل بكثير؟

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان