رئيس التحرير: عادل صبري 02:22 مساءً | الأحد 23 سبتمبر 2018 م | 12 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

بعد خسارة الأرجنتين: هل ينتهي زمن اليسار في أمريكا اللاتينية؟

بعد خسارة الأرجنتين: هل ينتهي زمن اليسار في أمريكا اللاتينية؟

تحليلات

الليبرالي ماوريسيو ماكري الرئيس الجديد للأرجنتين

بعد خسارة الأرجنتين: هل ينتهي زمن اليسار في أمريكا اللاتينية؟

فريق العمل 24 نوفمبر 2015 14:09

على طريقتها في الاحتفال بالانتصارات الكروية، احتفلت بيونيس أيريس بفوز عمدتها السابق المحبوب ماوريسيو ماكري بالانتخابات الرئاسية متفوقا على مرشح الجبهة البيرونية، وعضو حزب العدالة الحاكم سابقا، دانييل سكيولي. كان يمكن أن يمر الحدث دون كبير اهتمام، لولا أن انتصار ماكري، رجل الأعمال الليبرالي، والذي وعد بإصلاحات اقتصادية ضمن حملته الانتخابية ووصفه منافسه بأنه "مرشح الرأسمالية المتوحشة"، مثل عودة قوية لليمين لإدارة واحد من أكبر اقتصادات أمريكا اللاتينية التي وفرت على مدى العقد الماضي معقلا لليسار بعد تفكك الاتحاد السوفيتي واشتراكيات شرق أوروبا.

ماوريسيو ماكري ابن لرجل الأعمال ذي الأصل الإيطالي فرانكو ماكري، درس الهندسة، وعمل لاحقا مديرا لمجموعة شركات ضمن مجموعة ماكري الاقتصادية. ترأس ماكري نادي بوكا جونيورز أشهر الأندية الأرجنتينية بين عامي 1995 و 2007 حيث حقق للنادي إنجازات كبيرة، قبل أن يتركه متجها إلى السياسة حيث أسس حزبه "المقترح الجمهوري" حيث صار عمدة للعاصمة بيونيس آيريس. ماكري متزوج من عارضة الأزياء ذات الأصل العربي جوليانا عواضة، وهو كاثوليكي متدين.
 

الرئيس <a class=الأرجنتيني ماوريسيو ماكري" src="/images/ns/1206228573167c1759b261376f294ea36ce77fc7a5.jpg" style="width: 620px; height: 413px;" />
(ماوريسيو ماكري وزوجته وابنتهما)

 

أنهى ماكري بانتصاره اثنا عشر عاما من حكم آل كيتشنر. وعلى الرغم من أنه وصف بأنه ليس ليبراليا متطرفا، إلا أن فوزه يمثل عودة قوية للرأسمالية في الأرجنتين.
 

البداية كانت في ساو باولو

بينما كانت الأنظمة الاشتراكية تزوي في شمال وشرق الوجه اليابس من الكرة الأرضية، وفرت أمريكا اللاتينية معقلا ليسار قوي له رؤية جديدة ووثيق الصلة. ففي عام 1990، دعا حزب العمال البرازيلي القوى اليسارية والاشتراكية في أمريكا اللاتينية إلى لقاء انعقد في ساو باولو لمناقشة المشهد العالمي الجديد بعد سقوط حائط البرلين الذي مثل أيكونة القطبية الثنائية بين الشرق الاشتراكي والغرب الليبرالي، وفي سياق أزمة الاتحاد السوفيتي. تكررت اللقاءات بشكل شبه سنوي وزادت نسبة المشاركين، وعرفت تلك المجموعة من الأحزاب والحركات بـ "منتدى ساو باولو" حيث تشكلت لها ملامح فكرية مميزة دعمت وصفها بالـ "يسار جديد".
 

منتدى ساو باولو
(اللقاء الثامن عشر لمنتدى ساو باولو في كراكاس)
 

تبني الديموقراطية ورفض جدل الثورة أو الإصلاح الشائع في الماركسية الكلاسيكية كان أبرز ملامح اليسار الجديد في أمريكا اللاتينية، في استعادة لتراث اليسار اللاتيني الديموقراطي الذي مثله الرئيس التشيلي سلفادور ألندي قبل انقلاب الجيش المدعوم من قبل الولايات المتحدة عليه. رفض اليسار اللاتيني العنف كأداة للتغيير، كما رفض الاعتماد على العمال والفلاحين وحدهم كقوى للتغيير، ودعا إلى تحالف عريض يضم مجموعات تغيير أخرى كالحركات البيئية والنسوية والسكان الأصليين بل والحركات الدينية ذات الميول الاشتراكية.

تنتمي الأحزاب والحركات الحاكمة في معظم بلدان الأمريكتين لمنتدى ساو باولو، ويمكن تصنيف اليسار اللاتيني مع ذلك إلى محورين رئيسيين:
الأول: محور اليسار الأيديولوجي والذي تتزعمه فنزويلا.
الثاني: محور يسار الوسط بقيادة البرازيل.
 

فنزويلا: بقية الماركسية الكلاسيكية

بعد صعوده إلى السلطة في عام 1999، واعتمادا على الثروة النفطية لبلاده التي نجح في السيطرة عليها بعد معارك حاسمة مع معارضيه، حاول هوجو تشافيز رئيس فنزويلا الراحل تكوين تحالف قوي لليسار في أمريكا اللاتينية. فبعد أن قوبلت المبادرة الأمريكية بإنشاء منطقة تجارة حرة للأمريكتين في 2005 برفض حاسم من قبل أغلب الدول اللاتينية، طرح شافيز مشروعه الذي أطلق عليه الحلف البوليفاري لشعوب أمريكا الاتينية المعروف اختصارا بـ (ALBA) للتعاون السياسي والاقتصادي بين دول القارة.

نجحت فنزيولا في أن تضم إلى مشروعها، فضلا عن كوبا ذات التاريخ الطويل من الشيوعية، بوليفيا التي شهدت في ديسمبر 2005 انتخاب إيفو مورالس، وهو يساري من السكان الأصليين، كرئيس للبلاد. كما يضم التحالف نيكارجوا التي يحكمها دانييل أورتيجا المدعوم من قبل حركة الساندينستا اليسارية الراديكالية، مع هندوراس والدومينيك. وفي عام 2009، انضمت الإكوادور إلى التحالف كخطوة ضمن ثورة الإصلاحات التي قادها رئيسها رفاييل كوريا.
 

مجموعة (الألبا) في <a class=أمريكا اللاتينية" src="/images/ns/202467720046f284bca8baacb334fae7bfece205e8.jpg" style="width: 620px; height: 349px;" />
(قمة من قمم ALBA يتوسطها الرئيس الراحل شافيز وبجوار ميداوار خليفته لاحقا)

 

يمثل تحالف الألبا محورا يساريا أيديولوجيا متمركزا حول فنزويلا التي تحولت رسميا بعد انتخاب شافيز لفترة ثالثة في العام 2006 إلى دولة اشتراكية، وتغير اسمها إلى جمهورية فنزويلا البوليفارية.
 

يسار الوسط هو الحل

لم تكن سائر القارة في منأى عن حمّى اليسار، إذ أن  سنوات من إنهاك الاقتصادات اللاتينية بانقلابات عسكرية وسياسات اقتصادية غير مسئولة، كان من الطبيعي أن يفرز تعاطفا مع اليسار. كانت معدلات الفقر قد بلغت مستويات استثنائية، بل إن شعار المظاهرات الأرجنتينية عام 2001 "نريد أن نأكل!" وموجة سرقة السوبرماركت تنم عما هو أكثر من ذلك.

ففي البرازيل بلغ الدين الداخلي والخارجي أرقاما غير مسبوقة في 2002، نهاية الرئيس فرناندو هنريك كاردوسو الذي تبنى سياسات أقرب إلى الاقتصاد الحر، مما أدى إلى صعود مرشح حزب العمال لولا دا سيلفا إلى قمة السلطة في العام نفسه الذي أضحى لاحقا رائدا للنهضة البرازيلية. بل إن تشيلي التي لم تشهد نحو تلك الأزمات العاصفة شهدت صعودا لليسار منذ العام 2000 مع انتخاب ريكاردو لاجوس مرشح يسار الوسط.
 

الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا و ديلما روسيف
(الرئيس البرازيلي السابق لولا دا سيلفا يدعم خليفته ديلما روسيف)

 

تمثل البرازيل والأرجنتين وتشيلي ومعها دول أخرى كالأورجواي محورا يساريا كذلك بأمريكا اللاتينية، لكنه لا يتبنى الماركسية أيديولوجيا على غرار تحالف الألبا. فعلى الصعيد الاقتصادي تنتهج تلك الدول سياسات أقرب إلى رأسمالية الدولة منها إلى الاشتراكية الجذرية، كما يمتاز مشروعها بطابع أكثر إقليمية مقارنة بالخطاب العالمي لمحور فنزويلا ذي الطابع الماركسي الكلاسيكي.
 

صعود وسقوط البيرونية في الأرجنتين

تراجيديا عنيفة ربما يكون هو الوصف الأدق لتاريخ الأرجنتين المعاصرة الذي تلاعبت به الانقلابات العسكرية وسالت فيه الدماء على وقع معارك الجيش عديم المسئولية والمعارضة المتطرفة. فبعد أن عصف الركود العظيم في العشرينات بحكومة الاتحاد المدني المنتخبة تحت رئاسة يريجوين، سرعان ما تدخل الجيش ليطيح به عام 1930 ليبدأ ما عرف بـ "العقد الشائن" من تاريخ الأرجنتين حيث تلاعب الجيش بالسلطة وزوّر الانتخابات لصالح مرشحيه، الأمر الذي استمر إلى العام 1943 حيث أطاح انقلاب عسكري آخر، عرف بتمرد الكولونيلات، بالحكومة.

جاءت انتخابات 1946 بـ خوان دومينجو بيرون الذي كان وزيرا بعد انقلاب 43 وتمتع بشعبية واسعة بين العمال في الوصول إلى السلطة. يعتبر بيرون هو مؤسس الدولة الأرجنتينية حيث كان هو من أطلق برنامج التنمية الشاملة الذي يشبه برامج الأنظمة التحررية التي عرفتها دولنا العربية، خاصة مصر الناصرية، في حقبة ما بعد الاستعمار. فمتأثرا كزعماء الدول النامية في عصره بالفاشية، شجع بيرون التصنيع بقوة، كما عمل على رفع الأجور والقضاء على البطالة وتحسين شروط العمل، وسداد الديون الخارجية. تمتعت إيفتا زوجة بيرون كذلك بشعبية كبيرة ونجحت في دفع البرلمان للموافقة على إعطاء حق التصويت للمرأة عام 1947 كما عملت على نشر التأمين الاجتماعي قبل وفاتها عام 1952. وعلى الصعيد الخارجي حاول بيرون انتهاج سياسة وطنية بين المعسكرين الشرقي والغربي على غرار سياسة عدم الانحياز.
 

الرئيس <a class=الأرجنتيني خوان بيرون" src="/images/ns/1286191651088e93331e415148fa35e1e6c1274be.jpg" style="width: 400px; height: 542px;" />
(الرئيس خوان بيرون وزوجته إيفتا)

 

عرف ذلك التوجه بالبيرونية، الذي على الرغم من إنجازاته وشعبيته، إلا أنه عرف منذ بداية الخمسينات تعثرا نتيجة الإنفاق الزائد. سرعان ما تدخل الجيش للإطاحة ببيرون 1955 الذي رحل إلى المنفى في أسبانيا، وحظر البيرونية، لتدخل البلاد في دوامة من الفساد والعنف فيما أطلق عليه الحرب القذرة. وعلى الرغم من كل تلك المعارك التي خاضها بيرون وأصحاب النزعة البيرونية إلا أن البيرونية ظلت حية في بنية الدولة الأرجنتينية مستفيدة من نزعتها البيروقراطية.

فبعد أن أدت سياسات الاقتصاد الحر للرئيس كارلوس منعم (1989-1999) وخلفه فرناندو دي لاروا (1999-2001) إلى أزمة اقتصادية طاحنة، اضطر الكونجرس الأرجنتيني إلى عزل دي لاروا وانتخاب دوهالدي الذي نجح عبر سياساته النيو-كينزية في إنقاذ البلاد من أزمتها. إلا أن مقتل متظاهرين برصاص الشرطة اضطر دوهالدي إلى عقد انتخابات مبكرة، انسحب فيها كارلوس منعم من جولة الإعادة مع البيروني نستور كيرتشنر ليصبح الثاني رئيسا للأرجنتين بين 2003 و 2007، حيث حافظ على سياسات دوهالدي الاجتماعية. لاحقا حلت زوجة كيرتشنر كريستينا فرنانديز محله لتكون رئيسة الأرجنتين لفترتين متتاليتين بين 2007 و 2015.
 

رئيس <a class=الأرجنتين نستور كيرتشنر و كريستين فرنانديز" src="/images/ns/251946326f830a154163fe7528fddb473f5a2442.jpg" style="width: 600px; height: 337px;" />
(الرئيس نستور كيرتشنر وزوجته وخليفته كريستين فرنانديز)
 

هل يهدد ماكري سيطرة اليسار على أمريكا اللاتينية؟

يبدو واضحا أن اليسار الأيديولوجي متمثلا في تحالف الألبا بمعزل نسبيا عن تأثير مباشر لعودة اليمين في الأرجنتين، بينما تمثل تلك العودة نذيرا لأحزاب يسار الوسط الحاكمة في البرازيل وتشيلي.

فمنذ ترك لولا دا سيلفا سدة الحكم في البرازيل لعدم تمكنه من الترشح لفترة ثالثة على التوالي وفقا للدستور، لتحل محله مساعدته ديلما روسيف، تراجعت وتيرة النهضة الاقتصادية البرازيلية. بل إن السياسات الاجتماعية شهدت تراجعا أيضا أدى إلى تصاعد الاحتجاجات ضد روسيف في يونيو 2013. وعلى الرغم من أن روسيف قد نجحت مع ذلك في الحصول على فترة رئاسية ثانية، إلا أن ذلك جاء بصعوبة بعد جولة إعادة مع مرشح الوسط إيسيو نيفيز الذي حقق مفاجأة بالتقدم على مارينا دا سيلفا الناشطة البيئية المنشقة عن الحزب الحاكم، والتي كانت المرشحة لمنافسة روسيف في الإعادة. أي أن إنذارا بالتغيير كان قد دق في البرازيل في العام الماضي.

أما في تشيلي، فربما كانت شعبية الرئيسة ميشيل باشلي، إضافة إلى دستور تشيلي الذي يقضي بمنع الترشح لفترتين متتاليتين، وراء استعادة اليسار لمقعد الرئاسة من الليبرالي المحافظ بينرا. أي أن تشيلي قد تكون أيضا في طريقها إلى اليمين المحافظ.

وعد ماكري أثناء حملته الانتخابية بالابتعاد عن فنزويلا، والاقتراب أكثر من حلف الباسفيك الذي يضم بيرو وكولومبيا والمكسيك، وهي المجموعة الأبعد عن اليسار في أمريكا اللاتينية. كما وعد ماكري بتدعيم الحلف الاقتصادي مع البرازيل، وهو وعد ينم عن توقعات قوية بابتعاد البرازيل أكثر فأكثر عن سياسات الاقتصاد الاجتماعي.

 


اقرأ المزيد:

اليسار-الجديد-في-أوروبا-يحتاج-أن-يكون-راديكاليا-وأوروبيا" style="line-height: 1.6;">أنطونيو نيجري: اليسار الجديد في أوروبا يحتاج أن يكون راديكاليا، وأوروبيا!

النسوية-خادمة-للرأسمالية-وكيف-تعود-إلى-مسارها-الصحيح؟" style="line-height: 1.6;">نانسي فرازر: كيف أصبحت النسوية خادمة للرأسمالية وكيف تعود إلى مسارها الصحيح؟

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان