رئيس التحرير: عادل صبري 11:50 صباحاً | الجمعة 21 سبتمبر 2018 م | 10 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

بالفيديو..من داخل مستشفى العباسية.. غاب الأهل وحضر "السيسي"

بالفيديو..من داخل مستشفى العباسية.. غاب الأهل وحضر السيسي

أخبار مصر

ماجدة.. مريضة بمستشفى العباسية للصحة النفسية

بالفيديو..من داخل مستشفى العباسية.. غاب الأهل وحضر "السيسي"

بسمة الجزار 13 نوفمبر 2014 09:28

عنابر متوجة بأسياخ حديدية متشحة بالبؤس والغربة واللاوعي، ينظر من خلف نوافذها أناس كانوا بالأمس عقلاء القوم، لولا كلمة القدر التي ألقاها عليهم ليعيشوا ما تبقى من عمرهم في غياهب المرض النفسي، فيأتي كل يوم عليهم وهو لا يحمل معه سوى مرارة انتظار المجهول، والخوف من مجتمع جردت منه الإنسانية والشفقة، ينعتهم بالجنون تارةً وبالعار تارةً أخرى.

هنا يغيب العقل والمنطق لتكون الهيمنة للخيال والغموض، هنا غرباء اختلفت أسماؤهم وأسرارهم بينما تشابهت أحوالهم ومصائرهم، هنا عقول الطفولة تنبت بأجساد الكبار، هنا البعيد قريب بلا مسافة، هنا مستشفى العباسية للصحة النفسية.

بلهفة الغرقان للنجاة يبحثون في وجوه زائري المستشفى وأهالي ذويهم عساهم يلمحون أحدا يعرفونه ليبعث فيهم أمل الحياة من جديد، مشهد يتكرر كل يوم بلا زيادة ولا نقصان، اللهم رقق قلب حبيب أو قريب ليتذكر أن خلف هذه الجدران ذا صلة رحم بحاجة للزيارة بعدما انقطع الرجاء في أهاليهم وخابت الظنون.

"هؤلاء المرضى لم يجدوا من يحنو عليهم".. قد تتشابه هذه الكلمات مع مقولة رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي في أحد خطاباته مرددًا: "هذا الشعب لم يجد من يحنو عليه"، لكنه لم يدرك وقتها أن هناك من هم أحق بهذا الحنان وأولى بالرعاية والاهتمام.

يبدو أنه لم يعد كافيًا عليهم المرض لتفتح عليهم نيران عدوان ثلاثي الأطراف، أولها مجتمع يطلق اسم "مستشفى المجانين" على أكبر صرح يضم قرابة الـ 1285 مريضا، وثانيها إعلام مُصّر على اتخاذ فيلم "إسماعيل ياسين في مستشفى المجانين" نموذجًا حرفيًا للمريض النفسي، أما آخرها فهم أهالي المرضى الذين يشعرون أنهم "وصمة عار" و"جرسة" يجب التبرؤ والتخلص منها بلا رحمة أو هوادة.

"مصر العربية" سلطت الضوء على معاناة إنسانية تتكرر يوميا مع مئات المرضى من فاقدي الأهلية ومعدومي المأوى والعائل داخل أروقة مستشفى العباسية، والتقت ببعضهم وأبت الرحيل عن المستشفى إلا بالاستماع إلى أنّاتهم وأحلامهم علّها تكون طوق نجاتهم، وأداة تغير عقلية مجتمعنا، وجرس إنذار يُوقظ ضمائرنا النائمة.

ماجدة تترجى ابنها: تعالى خُدني من هنا

تجلس على سريرها كعروس في ليلة زفافها مزينة بـ"إكسسوارات" وطلاء أظافر ومساحيق تجميل، تغلب على وجهها الحمرة، بشعر منمق وجلباب نظيف، تمد إليك يدها لتسلم عليك بضحكة طفلة تكسوها البراءة وخفة الدم، إنها ماجدة حسن مصطفى الجندي، إحدى نزيلات قسم سابع.

شاهد الفيديو:

تُصر ماجدة عندما تسألها عن اسمها أن تقوله كاملًا حتى يستقر في ذهنك ولا تنساه أبدًا، وتستكمل: "أنا كنت ساكنة في منشأة ناصر"، وتستجمع قواها محاولة تذكر ما تسعى لتنساه عن سبب دخولها المستشفى: "بقالي كتير هنا.. أمي جابتني عشان عندي صرع.. أصل أنا ضربت أمي ولما ضربتها كتفت إيدي ورجلي والدكتور حسن قالها وديها العباسية.. عشان لما كنت صغيرة أمي جابت لإخواتي عصير وأنا لأ.. بأقولها هاتيلي عصير قالتلي لما أبوك يقبض مرضتش تجيبلي روحت ضربتها".

عمرها يزيد على 50 عامًا ورغم ذلك لا تزال كالطفلة  تلمع عيناها بالدمع حينما تتذكر سيرة أمها: أمي من العيد الكبير مجاتليش.. جابتلي في العيد رقاق ولحمة وسكر وشاي وادتني 20 جنيه، وقالتلي هعمل إشاعة على دماغي وقلبي ومجاتليش من ساعتها، وابني مبيجليش ولا بيسأل فيا خالص".

قد ترى بأفلام الدراما قسوة قلب وعقوق الأبناء لأمهاتهم، ولكن عندما يتجسد ذلك في الحقيقة تكاد تكذب أذنيك فيما تسمعه: "ابني بقاله كتير مجاليش.. أنا معايا واد مات غرقان وهو صغير والتاني متجوز ومخلف ماجدة وملك وبيسافر يشتغل نجار مسلح في شرم الشيخ والسويس، بس بقاله كتير مجاليش، وأنا نفسي أشوفه وأخرج معاه من هنا".

وتستطرد بنظرة بائسة: "جالي آخر مرة في رمضان وجابلي هدوم وشبشب ومن ساعتها مجاش عشان شغال"، معلقة على كونها جدة لطفلين بابتسامة حزينة: لما بيجيلي بيجبهم معاه.. هما شبهي وهو كمان شبهي بالظبط وهم بيقولولي يا ستي وأنا روحت قعدت معاه هناك.. لما العلاج خلص جابني هنا تاني.. نفسي أخرج عشان أشوفه بقالي كتير مشوفتوش.. عايزة أروح عشان أشوفه.. ابعتيله قوليله تعالى خدها يارب يخليكي.. دا هو اللي بيجيبلي حاجات ومحشي وأكل وكل حاجة وعايزاه يجيبلي تليفون وراديو".

وعن صورة رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي الملصقة فوق سريرها قالت: "دا السيسي أه عرفاه  ماسك البلد.. الأول كان ماسك حسني مبارك خد كل الفلوس بتاعت الدولة وخد كل حاجة وضيع الناس وموّت مصر.. وبعدها جه مسك محمد مرسي مرضيوش بمرسي وطلعوه وجابوا السيسي.. بيقولوا مخلي البلد حلوة.. السادات وجمال عبدالناصر برضو حلوين ما كلهم من بلدي من المنوفية".

وفي ختام حديث "مصر العربية" مع ماجدة لم يكن بوسعها سوى تكرار رسالة أخيرة إلى ابنها الغائب الحاضر: " أنا عايزة أروح.. أنت قوليله هي ماجدة عايزة تروح معاك يعني تيجي تزورها وتروح معاك".  

زينب لـ"السيسي": عايزة سلامتك وتكون كويس مع الشعب

"اسمي زينب.. سني كبير.. دخلت هنا من زمان بقالي كذا سنة، كتير أوي"، هكذا قدمت زينب نفسها تلك العجوز المسنة التي خط الشيب رأسها وامتلأ وجهها النحيف بتجاعيد تنطق بمآسيها ولكن لا أحد يسمع.

شاهد الفيديو:

إذا سألتها من أدخلكِ المستشفى ترد بصوت مبحوح ممزوج بالقهر: أخويا دخلني المستشفى عشان تعبت بحالة نفسية.. كنت متجوزة ومخلفة بنت صغيرة عندها سنة ونص توفت وهي طفلة وزعلت عليها وعلى والدتي ووالدي ودخل علي العيا.. وكنت عايشة مع أخوي على طول ولما تعبت جابني المستشفى.

مين بيجي يزورك هنا؟ كان ذلك سؤالي لها الذي ردت عليه قائلة: مراة أخوي بتيجي تزورني كل شهر وبتجيبلي اللي أنا عايزاه ونفسي فيه عشان أخوي تعبان.. لما جاتلي الشهر اللي فات قولتلها ابقي هاتيلي إخواتي البنات معاكي عشان آخر مرة زاروني من قيمة سنة فاتت.

وحتى لا تغرق في ذكريات قد تزيد همَها همًا سألتها: نفسك تخرجي من هنا؟ فقالت عن قناعة وثبات: حابة القاعدة هنا وبحب أبلة نشوى وأبلة نجلاء أوي خالص وبحب أبلة هالة وأبلة منى بحبهم كلهم.

وبسؤالها: بتعملي أيه من أول ما بتصحي لحد ما تنامي؟ حكت زينب عن برنامج يومها الذي قد يراه الكثير منّا روتينيًا إلا هي، فتجده مليئًا بتجارب ومغامرات تخلصها من وحدتها وتشغلها عن التفكير فيما يؤرقها ويحزن قلبها: أول ما بصحى بنزل من على سريري باروّقه وأسويه وبعدها بقعد على الكرسي عند التليفزيون وبروح عند المكتبة وبيقولولي ارسمي أي حاجة برسمها ولما برجع باقعد في القسم كويسة.

إيه رأيك في الأكل والشرب اللي هنا؟ استفسار بديهي كان لابد منه عندما ترى جسدها النحيل ووجهها الشاحب الذي ينّم على سوء تغذية، فتقول: كله حلو.. بناكل مرة بطاطس مرة كوسة كام مرة مكرونة كام مرة رز.. وهما بيجيبوا نفس الأكل للعيانين كلها.

واستكمالًا للحوار الذي لا تريد إنهاءه: نفسك في إيه؟ فترد زينب: مش نفسي في حاجة.. عايزة أخرج بس أخوي بيقولي لأ ومراته بتقولي لأ مش راضية.

وعن السيسي، كان رأيها: دا الريس الجديد حلو كويس .. كلامه كله حلو وخطابه كويس، وبسؤالها: بتطلبي إيه من السيسي؟ قالت: عايزة سلامته ويكون كويس مع الشعب.. مش عايزة حاجة منه لي.

مستشفى العباسية يستقبل 6529 مريضًا شهريًا

من جانبه، أضاف الدكتور سامح حجاج، نائب مدير المستشفى، أن إجمالي عدد المرضى المحجوزين بالمستشفى بلغ 1285 حالة علاوة على استقبال 6529 مريضًا شهريًا بمعدل 300 حالة يوميًا، موضحًا أن خروج المرضى بلغ 339 منهم 221 حالة تحسن، باعتباره أكبر مستشفى للطب النفسي في مصر، إلا أنه يعاني عجزًا بعدد الكوادر الطبية المتواجدة به نظرًا لتدني الرواتب والحوافز المادية التي تجذب العنصر البشري للعمل به.

التمريض ينفي ضرب المرضى: هنبقى إحنا والدنيا عليهم!

وأفادت نشوى رفاعي، ممرضة ورئيسة قسم سابع بمستشفى العباسية، أن القسم به 26 مريضة، أقدم حالة تدعى عزيزة زاخر دخلت المستشفى منذ 26 عامًا، مشيرة إلى أن معظم المرضى ليس لهم أهل، فضلًا على أن بعضهم يرفض أهلهم استلامهم رغم تحسن حالتهم وتأهلهم للخروج من المستشفى، معتبرين إياهم وصمة عار في تاريخهم أو سمعة أسرتهم، على حد وصفها .

وشددت على أنه غالبًا لا توجد مشاكل بين المرضى وبعضهم نظرًا لأنهم "غلابة جدًا" والقليل يرضيهم ويفرحهم لكن في بعض الأحيان تقع مشاجرات بين مريض وآخر على ملابس بعضهم البعض، ولكن سرعان ما يتصالحون ويتحدثون مرة أخرى كأن شيئا لم يكن.

وقالت: أسعى أنا والفريق المعاون أن أكسب ود وحب المرضى وليس عدواتهم أو كراهيتهم لنا حتى ينعكس ذلك على علاقتهم بالمكان وحبهم للعيش فيه، وأيضًا على استجابتهم للعلاج، ذلك يتطلب مننا التعامل معهم بحذر وحيطة حتى يلبوا تعليماتنا بالنظافة الشخصية من استحمام وتغيير ملابسهم من وقت لآخر، وكذا ترتيب الأسرة لكي يعتمدوا على أنفسهم ويشعروا بتحسن حالتهم.

وأوضحت أن أصعب حالة انتقلت لهذا القسم من قسم آخر منذ أيام، حيث وجدت صعوبة في التعامل مع نزلاء القسم لما يتسمون به من هدوء وسكينة وحميمية بين بعضهم البعض، في حين أن هذه الحالة تشعر بالغربة بينهم لأنها لا تعرفهم من قبل، وبالتالي تلجأ إلى "جر شكلهم" بخطف أغراضهم والاشتباك معهم، ولكن مع الوقت ستعتاد عليهم وتصاحبهم.

"عمرها ما بتحصل"، كان ذلك رد نشوى على سؤالها هل معاملة الممرضة للمريض النفسي ما زالت قاسية وحادة؟ مضيفة: الناس برة واخدة فكرة عن الممرضة أنها تضرب المرضى وتعاقبهم بقسوة، ولكن دا مش صح ومبيحصلش، ولما بيغلطوا أو بيتخانقوا مفيش عقاب ومينفعش أعاقبهم لكن بأقعد الاتنين وبحاول أصالحهم وأراضيهم.. هنبقى إحنا والدنيا عليهم؟ لأ صعب أوي.

شاهد الفيديو:

مدير التأهيل النفسي: رفض المجتمع للمرضى أبرز مشاكلنا

في سياق متصل، صرح الدكتور مصطفى قاسم، مدير وحدة التأهيل النفسي بالمستشفى، بأن علاج المريض النفسي ينقسم إلى شقين، الأول هو العلاج الدوائي منذ دخول المريض للمستشفى ضد الهلاوس والأعراض النشطة والضلالات الذهنية، والثاني والأهم هو تأهيله من خلال تعليمه بعض السلوكيات المكتسبة والكلام والتفكير واستعادة الثقة بالذات والمجتمع من جديد والتعامل مع الآخرين.

وأضاف لـ"مصر العربية" أن الوحدة تعمل أيضًا على تعليم المرضى بعض الهوايات والحرف والأنشطة الإبداعية مثل الرسم والفنون الغنائية والمسرحية، موضحًا أن هناك فريقا مسرحيا يضم 15 مريضا يعمل حاليًا بمسرحية "عفريت لكل مواطن" مدتها ساعة ونصف، وبالتنسيق مع جمعية (احلم) عرضت المسرحية بجامعة عين شمس وفي نهاية نوفمبر الجاري ستعرض بمسرح المستشفى، وهو ما سينعكس على ثقة المريض بنفسه وبقدرته الإبداعية إلى جانب تغيير الصورة الذهنية للمريض النفسي لدى المجتمع والناس.

وأوضح قاسم أن الوحدة تستقبل 200 مريض يوميًا من مختلف الأقسام، مؤكدا أن المرض النفسي على عكس الشائع فهو قابل للعلاج ومن الممكن أن تتحسن حالة المريض، ولابد أن يتعلم المجتمع كيف يتقبل هؤلاء المرضى بدلًا من التعامل معه على أنه "مجنون" حتى بعد تعافيه وخروجه من المستشفى، وهو ما يعيق عمله وزواجه وتعليمه، مطالبًا مؤسسات المجتمع ووسائل الإعلام بتغيير الصورة الذهنية السلبية عن المريض النفسي.  

أبرز مشاكل المرضى هي اجتماعية تتعلق برفض المجتمع التعامل مع المرضى بعد خروجهم من المستشفى، وهو ما نسعى لحله بالتعاون مع بعض الجمعيات أهلية مثل رسالة واحلم وصناع الحياة وشط الخير، ذلك لإخراج مواطن صالح للمجتمع.

وتابع: ومن خلال خدمة طب المجتمع المجانية تتواصل المستشفى من خلال فريق طبي مع المرضى في منازلهم، ولكن نظرًا لقلة الموارد المالية والكوادر الطبية فإن العدد المستهدف من هذه الخدمة ضئيل يتراوح بين 50 و80 مريضا شهريًا، مشددًا على أنه علاج مباشر للمريض تزداد فيه نسب الشفاء مقارنة بالعلاج داخل المستشفى.

واستطرد مدير وحدة التأهيل النفسي: وبالتنسيق مع وزارة التضامن الاجتماعي تم تخصيص مركز بحلوان لاستضافة بعض المرضى المتعافين ممن ليس لهم أهل أو أقاربهم يرفضون استلامهم، كمأوى آمن لهم مما سيوفر أسرّة داخل المستشفى لغيرهم من المرضى المحتاجين للخدمة الصحية على أن يتم نقلهم خلال الأسابيع المقبلة.

وفيما يخص ضمان حماية المريض من اعتداءات أعضاء الفريق الطبي عليه، قال إن زمن الاعتداء على المرضى لفظيًا أو بدنيًا قد انتهى منذ 10 أعوام وبصدور قانون الصحة النفسية عام 2008، فبمقتضاه يُحول الممرض أو الطبيب المعتدي للنيابة العامة، إلى جانب الدور الذي تلعبه لجنة حقوق المرضى والهيئات الرقابية على المستشفى.

اقرأ أيضًا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان