رئيس التحرير: عادل صبري 03:01 صباحاً | الثلاثاء 19 فبراير 2019 م | 13 جمادى الثانية 1440 هـ | الـقـاهـره 14° مطر مطر

لهذه الأسباب| «أكلة الغلابة» في أزمة .. أرقام خطيرة والمخزون يكفي شهرين

لهذه الأسباب| «أكلة الغلابة» في أزمة .. أرقام خطيرة والمخزون يكفي شهرين

أخبار مصر

ازمة الفول

لهذه الأسباب| «أكلة الغلابة» في أزمة .. أرقام خطيرة والمخزون يكفي شهرين

أحلام حسنين 02 فبراير 2019 18:40

يقف الشاب الثلاثيني ممسكًا بقطعة قماش صغيرة يطارد بها الذباب الذي يلتف حول بضاعته المعروضة على العربة تنتظر زبائنها،  فبعد أن كانوا يقبلون عليها بكثرة، يشترون منها أقل القليل، فقط ما يسدّون به بعض الجوع الذي يلازمهم في الساعات الأولى من الصباح.. هكذا هو حالة «لطفي» صاحب عربة فول بحي «دار السلام».

 

"الناس كانت بتيجي تشتري بالـ 4 سندوشات فول، وفي اللي بيشتري كيسين كل واحد بـ 2 و3 جنيه محوج، غير الطعمية، دلوقتي هما سندوشين وكيس بـ 2 جنيه".. كلمات بسيطة اختصر بها صاحب عربة الفول حال زبائنه بعد الغلاء المتزايد لأسعار "الفول".

 

بينما يواصل "لطفي" حديثه وصلت إحدى زبائنه، فقاطعته قائلة: "ما انتوا اللي بتغلوا علينا كل حاجة، والله الواحد بقى يقوم نص بطن عشان العيال تشبع"، فيرد بائع الفول: "واحنا ما لنا الحاجة بتيجي علينا غالية نعملكم ايه".

 

جدال البائع والزبائن

 

سجال وجدال استمر قرابة الـ 10 دقائق كل منهم يلقي بالمسؤولية على الآخر، الزبونة تحمل البائع الغلاء وهو يحمل الشعب  بأكمله المسؤولية؛ لأنه يقبل بالغلاء ثم يحمل الباعة الذنب في حين أنه يشتريها من التجار بالغلاء، لينهي الجدال مع زبونته بـ"كبشة" فول إضافية في الكيس، فتهللت المرأة ثم مزاحته وانصرفت.

 

يقول "لطفي" الذي ترك محافظته بني سويف قبل 8 أعوام وجاء إلى القاهرة طلبًا للرزق: إنه كان يكسب الكثير من  بيع "الفول والطعمية" لدرجة أنه كان يستعين بـ 3 شباب مساعدين له، وجميعهم يتقاضون يومية ينفقون منها على أسرهم، أما الآن فاكتفى بنفسه بعدما قل الرزق.

 

"الشعب دا لو مفطرش فول يحصله حاجة، لو أكلوه خراف على الصبح ميحسش أنه فطر، دلوقتي يجي يبص على العربية ويمشي".. يقولها  لطفي ويواصل: "الكمية اللي بيبعها  دلوقتي بـ 2 جنيه كنت بيبعها  بنص جنيه، قرص الطعمية الكبير المحشي كان بربع جنيه دلوقتي بجنيه، مين هيشتري في الغلاء، حتى الفول والطعمية الناس مبقتش لاقيهم".

 

 

تقول نادية محمد، ربة منزل: إنها تشتري بـ 4 جنيهات فول فقط يوميًا، وهم 3 أفراد كبار، وحين يجتمع بقية أفراد أسرتها في اليوم العائلي تشتري بـ 8 جنيهات، بخلاف الطعمية بـ "6 جنيهات". مضيفة: "الواحد مش عارف يعمل ايه حتى الفول اللقمة الوحيدة اللي بتسندنا طول النهار بنجبها بالغلاء".

 

ارتفاع الأسعار 

ذلك المشهد ربما يتكرر كثيرًا في الصباح ليس فقط مع "لطفي"، ولكن ربما  مع غيره من بائعي الفول، لاسيما بعد  ارتفاع سعر الفول البلدي، في الفترة الأخيرة، ليتراوح سعر الكيلو الواحد بين 30 و32 جنيهًا، و14 و17  جنيهًا للمستورد.


ووفقًا لتقرير صادر من الغرفة التجارية بالقاهرة، فإنَّ أسعار الفول المستورد ارتفعت بنحو 4 آلاف جنيه في الطن، و"البلدي" بنحو 4 آلاف و500 جنيه، خلال 5 أشهر، بسبب تراجع الإنتاج العالمي والجفاف، مما أدَّى إلى انخفاض المعروض منه، وتراجع المساحة المزروعة من الفول البلدي، وتناقص المساحة خلال الخمسة عشر عامًا الماضية بنسبة 70%.

ولكن لماذا  أصبح هذا حال "أكلة الغلابة"، وإلى متى تستمر هذه الأزمة"؟، وكيف يمكن حلها؟ تساؤلات نحاول أن نجيب عليها في التقرير التالي.

 

سبب أزمة الفول

 

بداية يقول حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين: إن "الفول" حاليًا يواجه أزمة شديدة لعدة أسباب، ترجع في الأساس إلى إحجام الفلاح عن زراعته لأنه لم يعد مجديًا بالنسبة له، نتيجة ارتفاع تكلفة مستلزمات الإنتاج من "تقاوي، وأدوية ومبيدات، فضلًا عن انتشار "الهالوك"، وعدم وجود تدخل من الدولة لحل مشاكل الفلاحين.

 

"الهالوك" هو نبات طفيلي، يُعرف بـ"شيطان البرسيم" و"عشب الثيران" و"أسد العدس"،  يتطفل إجباريًا على المحاصيل لاسيما البقولية منها مثل "الفول" ويهلكه، وهو يهدد نحو 120 ألف فدان مزروعة بنبات الفول.

 

يوضح أبو صدام لـ"مصر العربية" أنه من المقرر بدء حصاد "الفول" آخر شهر أبريل القادم، وحتى الآن الحكومة لم تتحرك لأزمة الفلاحين، فالسعر متدنٍّ جدًا مقارنة بإنتاجه، والحكومة تترك تحديد السعر للتجار، والتاجر يتحكم كيفما يشاء ومن ثم لا يكسب الفلاح من زراعته للفول، فيحجم عنه ويستبدله بزراعات أخرى مثل "البرسيم".

 

قديمًا كانت الدولة تتبع ما يُعرف بـ"الدورة الزراعية"، بحسب نقيب الفلاحين؛ إذ تلزم الأرض بزراعة محصول بعينه في كل موسم، ولكن منذ 7 أو 8 أعوام ألغت هذا النظام، وأصبح الفلاح حر في أرض يزرع ما يشاء، وفي ظل تفتيت الرقعة الزراعية، أصبح من لديه نص أو ربع فدان يستثمره في زراعة المحاصيل التي تجدي له نفعا ويكسب من ورائها، وليس التي تعود عليه بخسارة مثل "الفول".

 

وعن سبب ارتفاع الأسعار أرجعها أحمد الباشا، رئيس شعبة الحاصلات الزراعية بغرفة القاهرة التجارية، إلى زيادة الطن عالميًا، نتيجة زيادة الطلب وانخفاض المعروض.

 

وأشار الباشا، في تصريحات صحفية، إلى أن مصر تستورد 95 % من احتياجاتها، وأن سعر طن الفول سجل ٣٠ الف جنيه مقارنة بـــ ٢٨ ألف جنيه بزيادة ٢٠٠٠ جنيه للفول البلدى وبلغ ١٧ ألف جنيه مقارنة بـ١٦ ألف جنيه بزيادة ١٠٠٠ جنيه للفول المستورد.

 

أحمد الباشا إدريس، رئيس شعبة البقوليات والحاصلات الزراعية بغرفة القاهرة التجارية أنّ هناك ارتفاعًا في أسعار الفول خلال الفترة الحالية تصل إلى 10% في الأسواق، ووصلت أسعار الفول بعد الزيادات إلى 16.600 جنيه للطن في أسواق الجملة.

وأضاف أنّ هناك نقصًا في كميات الفول المستوردة من الدول الخارجية، مثل: أستراليا، والتي تعرضت للجفاف على مدار الفترة الماضية، ما أدّى إلى إحجام المزارعين عن زراعة الفول مرة أخرى.

 

شهرين فقط

 

بحسب تقرير حكومي، تداولته المواقع الإخبارية، فإنّ الفجوة في سلعة الفول 706 آلاف طن، وأن المخزون الاستراتيجي من الفول يكفي شهرين، هي 140 ألف طن، لتفادي الأزمات في السلعة، طالب التقرير بتدبير 846 ألف طن على مدار 10 أشهر.

 

 

تلك الأزمة أثارت تساؤلات حول دور الدولة متمثلة في وزارة الزراعة وكيفية مواجهتها، لتوفير  الفول "أكلة الغلابة"؟

 

دور الدولة؟

وعند دور الدولة لمواجهة أزمة الفول قال حسين أو صدام، نقيب الفلاحين، إن الدولة لم تفعل شيئا حتى الآن، متسائلا :"ماذا فعلت الدولة لحل أزمة القطن؟، وماذا فعلت في أزمة الفول؟".

 

ويضيف أبو صدام لـ"مصر العربية" أنه لا يمكن إلقاء اللوم على الفلاح فهو يواجه كل شيء بمفرده دون أن تساعده الدولة في أي شيء، إذ كان  لازما عليها أن تتدخل من ذي قبل، بدلا من أن تقول الآن إن الأسعار مرتفعة.

 

 

وأشار إلى أنه كان على الدولة أن تتفق مع الفلاحين منذ شهر أغسطس على أن تمدهم بأدوية لمقاومة "الهالوك" وتتفق معهم على شراء المحصول بسعر محدّد، وتوفر له مستلزمات الإنتاج بأسعار معقولة، حتى يضمن الفلاح أن زراعته للفول تجني له مكاسب وليس الخسارة.

 

ولكن بحسب تقرير الإدارة المركزية لشئون مديريات الزراعة التابع لقطاع الخدمات والمتابعة الزراعية بوزارة الزراعة، الصادر أمس الأول، مساحات الفول البلدي  ارتفعت إلى 71 ألفًا و861 فدانًا حتى الآن، بالإضافة إلى تكثيف اللجان الدورية لمتابعة جميع المحاصيل الشتوية وتقديم جميع البرامج الإرشادية وحل مشاكل المزارعين لزيادة الإنتاجية.


وقال محمد يوسف، رئيس الإدارة المركزية لشئون مديريات الزراعة: إن هناك متابعة دورية لجميع مديريات الزراعة بالمحافظات لصرف المقررات السمادية لجميع الزراعات الشتوية، من خلال صرف الأسمدة للمساحات المنزرعة قمح تحت مسئولية مشرف الحوض رئيس الوحدة الزراعية، مع الالتزام بكافة ضوابط صرف الأسمدة للموسم الشتوي الحالي، بالإضافة إلى عمل برامج إرشادية للمزارعين.

 

تراجع الاكتفاء الذاتي..أرقام خطيرة

 

كشفت أزمة الفول الحالية عن أرقام تشير إلى أن زراعة الفول في مصر دخلت دائرة الخطر، فبحسب تقرير الغرفة التجارية بالقاهرة، فإن معدل الاكتفاء الذاتي من الفول تراجع من 99% إلى 30% فقط.

 

وأصبحت مصر تستورد بين 85% و90% من استهلاكها للفول سنويا، وتنتج نحو 10% فقط من استهلاكها، بما يكفي لمدة شهرين، بحسب تصريح سابق لأحمد الباشا إدريس، رئيس شعبة الغلال في غرفة القاهرة التجارية.

 

وتستورد مصر  الفول من الصين وأستراليا وإنجلترا وفرنسا وروسيا، وتجاوز الـ4 آلاف جنيه للطن المستورد، ليباع بـ11 ألف جنيه، مقابل 7 آلاف جنيه في السابق، و"البلدي" يباع بـ15 ألف جنيه، مقابل 10.5 ألف جنيه، بينما يصل إلى 14 جنيهًا لكيلو المستورد، و17 جنيهًا لكيلو البلدي.

 

وبحب تصريحات لوزير الزراعة السابق، عبد المنعم البنا، ترجع إلى مايو 2017، فأن مصر تستورد فولا بنحو 125 مليون دولار سنويا.

 

وقد كشف تقرير صادر عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، أن واردات مصر من الفول خلال شهر يناير 2018 فقط، قدرت بنحو 34.7 مليون دولار، مقابل 13.2 مليون دولار واردات فى شهر يناير 2018.

 

المساحات المنزرعة 

يأتي ذلك في ظل التراجع الكبير الذي تشهده مصر في إنتاج الفول بمختلف أنواع، إذ بلغت المساحة المنزرعة من محصول الفول خلال عام 2016 نحو 88 ألف فدان، بإنتاجية لم تتجاوز 142 ألف طن، مقابل 221 ألف فدان أنتجت نحو 413 ألف طن عام 2005، وهذا ما أكده تقرير  الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء فى شهر أكتوبر 2018.

 

متى نكتفي ذاتيًا؟

بحسب رؤية نقيب الفلاحين حسين  أبو صدام، فإن اكتفاء مصر ذاتيا من الفول يتطلب زراعة 350 ألف فدان، لافتا إلى أنه قبل  أعوام كانت مصر لديها اكتفاء ذاتي من الفول، إذ كان لديها ما يكفيها مما يطعم الإنسان والعلف للمواشي، أما الآن فنستورده، وهو ما وضع البلاد والفلاح وكل المصريين "الغلابة" الذين يعتبرونه وجبة رئيسية في كارثة حقيقية.

 

ولكن تتمثل المشكلة، بحسب تصريح أبو صدام لـ"مصر العربية" إلى أن كمية التقاوي الموجودة فى مصر تكفي فقط 30% من المساحة المنزرعة، بينما تحتاج البلاد إلى زراعة 400 ألف فدان.

 

وبالعودة إلى الوراء تجد أن مصر، حسبما ذكرت تقارير صحفية، فإن البلاد كانت تزرع 400 ألف فدان من الفول البلدي عام 1991، ولكنها أخذت في الانهيار تدريجيا نتيجة إصابة المحصول بالأمراض والحشرات، ما جعل الفلاح يحجم عن زراعته، وسار الاتجاه للاعتماد على الاستيراد من الخارج.

 

الاستيراد لمصلحة من؟

 

ولكن في هذا السياق يقول حسين أبو صدام نقيب الفلاحين، إن البعض لديه مصلحة في استمرار أزمة عدم زراعة الفول، لأنه يريد الاستيراد من الخارج بما يعود عليه بالنفع، محذرا من  أن ذلك سيتؤدي إلى كوارث في المستقبل.

 

الحل؟

يرى نقيب الفلاحين أن حل مشكلة الفول يكمن في نظام الزراعة التعاقدية، وهو أن تتفق الدولة متمثلة في وزارة الزراعة مع الفلاح قبل موسم الزراعة الذي يبدأ في شهري سبتمبر وأكتوبر، على زراعة المحصول بكميات محددة تشتريها منها، على أن توفر له "التقاوي" بسعر محدد، وتقدم له برنامج لمقاومة "الهالوك"، وبرنامج لتسمين الفول".

 

وتابع أبو صدام" لما الفلاحي يلاقي الدولة موفرله كل حاجة وضامن أنه هيبيع محصوله بسعر كويس والمحصول مش هيبوظ بسبب الهالوك هيزرع ويبقى عندنا اكتفاء ذاتي، لو مكسبش منه لا هو هيزرع ولا  غيره".

 

واستطرد:"الدولة سايبة الفلاح في مهب الريح، هو هيخسر والدولة هتخسر، دلوقتي بيستسهلوا الاستيراد لكن دي كارثة أننا نستورد حتى الفول بعد ما كان عندنا اكتفاء ذاتي"".

 

واختتم نقيب الفلاحين حديثه عن أزمة الفول قائلا :" اما بقى الناس الغلابة اللي عايشة على الفول، فاحنا لينا رب".

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان