رئيس التحرير: عادل صبري 01:00 مساءً | الأربعاء 16 يناير 2019 م | 09 جمادى الأولى 1440 هـ | الـقـاهـره 17° غائم جزئياً غائم جزئياً

«الشهادة تحت المرتبة».. هؤلاء غيروا مهنتهم بحثًا عن «لقمة العيش»

من هندسة وإعلام وحقوق لـ «نجار ونقاش وأدوات تجميل»

«الشهادة تحت المرتبة».. هؤلاء غيروا مهنتهم بحثًا عن «لقمة العيش»

علي أحمد 09 يناير 2019 22:41

أن تغير خانة المهنة في البطاقة من مهندس مدني إلى "نجار مسلح" لم يعد الأمر غريبًا كما يبدو من ذي قبل، ربما تتعجب كيف لرجل انكب على المذاكرة في الثانوية العامة حتى حصل على مجموع يدخله كلية هندسة وبعد كل هذه الأعوام ينتهي به إلى "حرفي" كمن لا يحصل على شهادة قط، ولكنها "لقمة العيش" إذا ضاقت فلن تجدي المؤهلات العلمية نفعًا قط.

 

كان ذلك حال "حسام.م" في عقده الثاني، تخرج قبل 3 أعوام من كلية الهندسة، وهذا ما دونه في هويته الشخصية، وحين بحث عن عمل مناسب يتوافق مع شهادته وجد الطريق شاقا، حتى إنه كلما استيأس قرر أن يتخلى عن لقب "مهندس"، ولكن البعض كان يعنفه أتترك هذه المكانة الاجتماعية وتعمل "حرفي"، فكان يعود لرحلة البحث عن "البشمهندس".

 

"البشمهندس حسام..نجار مسلح"

 

بعد محاولات عثرة وجد "حسام" حسبما تروي شقيقته "أم حنان" لـ"مصر العربية" أنه وجد شركة يعمل بها "مهندسا" ولكن كان الراتب ضئيل وهو شاب يريد أن يتزوج ويؤسس بيتا وينفق على أسرة، وهذا الراتب لا يكفيه بمفرده، فقرر أن يتخلى عن كل أولئلك الذين يلومون عليه أنه يترك "الهندسة"، وراح يعمل بالحرفة التي تعلمها في صغره وهي "نجار مسلح".

 

تقول "أم حنان" إن شقيقها المهندس لم يجد عيبًا في أن يُقال عليه إنه "نجار" ولكن العيب أن يمد يده إلى أحد حتى يساعده في العيش، إذ تشير إلى أنها حين كتبت منشورًا في إحدى المجموعات على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" لتستعلم عن كيفية تغيير المهنة في بطاقة الرقم القومي من "مهندس مدني" إلى "نجار مسلح" وجدت تعليق تبوخه وكأنه فرط في شهادته برغبته.

 

"اللي يعرف المرتبات ضعيفة قد ايه والعيشة صعبة إزي مش هيقول عيب ومش عيب، هو معملش حاجة غلط"، هكذا دافعت "أم حنان" عما سلكه شقيقها من طريق اختار فيه أن يتخلى عن مؤهله العلمي الذي يطمح إليه الكثير، حتى أنها تؤكد أن "حسام" سعيد بحرفيته ومهنته الجديدة التي لا يخجل منها، ولكنه يبتعد عن الجميع حتى لا يسمع لوم من أحد.

 

لم يكن "حسام" وحده من غير مهنته بحثا عن لقمة العيش، فحين تبحث عن ذوي المؤهلات العليا كم منهم التحق بوظيفه تناسب شهادته تكاد أن كثيرون سلكوا طريقا آخر يلتمسون فيه "لقمة العيش" في ظل تدني الأجور وغلاء المعيشة، ولاسيما بعد موجة الغلاء التي أصابت كل شيء سواء الطعام أو الشراب أو الخدمات وأخيرا المواصلات أيضا.

 

ومنذ أن اتبعت الحكومة سياسية "التقشف" وبرنامج "الإصلاح الاقتصادي" الذي يقضي برفع الدعم عن الخدمات مثل المحروقات بمختلف أنواعها والكهرباء والمياه والصرف الصحي، فضلا عن "تعويم الجنيه" ومؤخرا ارتفاع أسعار تذكرة المترو من جنيه إلى 7 جنيهات لأكثر من 16 محطة، و5 جنيهات من 9 إلى 15 محطة، و3 جنيها من حطة إلى 9 محطات، ويعاني المواطنين أزمة من ارتفاع الأسعار.

 

"ريهام..تركت الهندسة واشتغلت دروس"

 

ريهام عادل، الفتاة العشرينية حاصلة على بكالوريوس هندسة، بعد سنوات من المشقة في البحث عن عمل يناسب شهادتها ومنتها، انتهى بها المطاف إلى أن تعطي "دروس خصوصية" في الرياضيات.

 

تقول ريهام:"أنا تعبت واتمرمطت خمس سنين في الكلية وقبلهم سنين كتير في التعليم، وكنت في الثانوية عشان أخد دروس بروح لمدرسين على بعد ساعة مواصلات رايح جاي، غير المصاريف في الدروس والكلية واللوح والأدوات والكورسات وبرامج التدريب، وبهدلة وضغط أعصاب".

 

بعد رحلة المعاناة هذه التي حاولت أن تختصرها ريهام حين راحت تبحث عن عمل يعوضها عن كل هذه المشقة سواء النفسية والمادية والعصبية، وجدت أن المرتب الذي ستحصل عليه 1200 جنيه، وهي خريجة دفعة 2016، أي في تلك الأعوام التي انخفضت فيها قيمة الجنيه إلى النصف.

 

تضيف ريهام:"أن الـ 1200 جنيه ليس في مكتب واحد فقط ولكنها سألت في العديد من المكاتب ووجدت أن ذلك متوسط المرتبات عند الجميع، وحتى يصل الراتب إلى 3000 جنيه يكون ذلك بعد 5 أعوام من العمل، وحينها ستكون بمثابة 300 جنيه".

 

وبحسبة بسيطة أشارت إليها "ريهام" عن المرتب وجدت أنها ربما تقترض من أسرتها لتنفق على العمل، إذ تحسب أن الأجرة وحدها من منزلها إلى عملها والعكس تصل إلى16 جنيه يوميا، أي نحو 350 جنيه بالإضافة إلى الطعام، فإذا اشترت "ساندوشين" بـ 5 جنيه فقط، يكلفها في الشهر 110 جنيه، أي مواصلات وفطار بـ 460 جنيه، من أصل الراتب 500 جنيه، وهو ما يعني أنه يتبقى معها 40 جنيه فقط، وذلك بخلاف أيام تضطر فيها إلى شراء عصائر في منتصف اليوم.

 

ولفتت ريهام إلى أن البعض يقبل بهذه المرتبات على أمل مضاعفتها في الأعوام التالية، ولكن حينها ستزيد أسعار المواصلات أيضا وكل الأشياء الأخرى، مستطردة:"أنا فهمت كده  من أولها ولقيت طريقي وغيرت مهنتي وبقيت مدرسة رياضة، وبردوه لقيت المرتبات 500 و600 جنيه، فأخدتها من قصيرها، واشتغلت دروس".


وتابعت "أنا مستحرمة وقفتي في المدرسة طول اليوم بالمرتب العظيم دا اللي هيطير في المواصلات أساسا، أنا اتمرمطت كتير، والشهادة والورق من يوم ما أخدته من الجامعة شلته تحت المرتبة، ودلوقتي معرفش فين مكانه". 

 

"سامح..نقاش بدل محامي"

 

"الله ينور ياسطى سامح.. سحبتك لسكينة المعجون سحبة معلم" كانت تلك أخر كلمات سمعها سامح فايز، خريج كلية الحقوق، من والده قبل وفاته، الذي كان يشجعه أن يعمل بغير شهادته، وهي "نقاش".

 

سرد "سامح" قصته على صفحته الشخصية على فيس بوك، يقول :"حين دخلت على والدي بجواب مكتب التنسيق في عام 2011 وأخبرته أن نتيجة التنسيق حقوق انتساب ومصاريفهها 500 جنيه سنويا، قال له والده بكل هدوء ..مفيش جامعة..احنا مش قد مصاريفها".

 

وتابع سامح:"فضلت اتحايل عليه واتشال واتحط وهو يقولي يابني دى مش لينا.. مكنتش فاهم يعني ايه مش لينا.. واضطريت اشتغل جنب الدراسة عشان اقدر أكمل..بشتغل عشان مش معايا ٥٠٠ جنيه مصاريف كلية! وأكتر من مرة نتيجتي تتحجب عشان ما دفعتش المصاريف.. ومرة أمن الكلية منعني أدخل المدرج لأني ما دفعتش المصاريف، وبسبب احراجي قدام زمايلي قعدت سنتين ما ادخلش المدرج".

 

وأردف :"ورغم ان القرار اتلغى سريعا، إلا أنه كان سبب إني في الامتحان كنت بتعمد أسيب الورقة فاضية كنوع من الرفض للمنظومة ككل، ودا كان سبب إنى أتأخرت في الكلية سبع سنين".

 

وأشار سامح إلى أنه في النهاية علم أن والده الذي يعمل سائق أتوبيس كان على حق حين كان يريده ألا يكمل تعليمه الجامعي، ففي نهاية المطاف يعمل حاليا "نقاش" رغم أنه حاصل على ليسانس حقوق، وذلك لأنه لم يكن لديه "واسطة" تجعله يعمل بشهادته العلمية، فلم يكن أمام سبيلا سوى "النقاشة".

 

"بكالوريوس إعلام..بتبيع ميكاب"

 

قبل نحو 6 أعوام حصلت الفتاة "أ.أ" على بكالوريوس كلية إعلام جامعة القاهرة، كانت تظن كغيرها من أبناء جيلها وكليتها أنها ستكون ذات يوم صحفية تعبر عن ذاتها وقضايا عصرهاوتبحث عن حقوق الغلابة، ولكن كل تلك الآمال تبخرت، وتجلس في منزلها ترتب أدوات التجميل لتبحث عن زاوية تصوير تزين بضاعتها لتعرضها على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

عملت "أ.أ" لفترة من الوقت ببعض الصحف والمواقع الإخبارية، تنقلت بين هذا وذاك، تترك المكان إما لضعف المرتبات التي تصل بين 500 و700 جنيه، وأحيانا 1200، أو لأن الموقع الذي تعمل به قرر أن يتخلى عن بعض المحررين لازدياد أعداد المحررين، فتكون ضحية لتقلبات سوق الصحافة في العمل الخاص.

 

وحتى حين استقرت "أ.أ" في أحد المواقع وتحملت كل الأعباء من أجل الاستقرار، جاءت حملة حجب المواقع، التي وصلت إلى حجب ما يزيد عن 500 موقع إلكتروني، أحدهم تعمل به "أ"، وبسبب الحجب تعرضت هذه المواقع لضائقة مالية قررت معها التخلي عن بعض المحررين كانت "أ" إحداهم.

 

أخيرا يأست "أ" من العمل بشهادتها، تخلت عن حلمها، قررت أن تبحث عن عمل آخر تكسب منه بعيدا عن "الصحافة" التي ضاقت إليها السبل، ولم تجد سوى أن تشتري بعض أدوات التجميل، وتعرضها على صفحة "فيس بوك" وتروج لبضاعتها، على أمل أن تنجح في هذا المشروع.

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان