رئيس التحرير: عادل صبري 05:22 مساءً | الأحد 20 يناير 2019 م | 13 جمادى الأولى 1440 هـ | الـقـاهـره 14° غائم جزئياً غائم جزئياً

صراع الفتاوى حول الكريسماس.. بين تجريم التهنئة وتحليل الاحتفال

صراع الفتاوى حول الكريسماس.. بين تجريم التهنئة وتحليل الاحتفال

فادي الصاوي 27 ديسمبر 2018 19:44

على موعد لا تخطئه صراعات الفتوى، تجدد الجدل الفقهي حول مشروعية تهنئة المسيحيين بأعيادهم الدينية، لكنه تطور الوضع هذا العام من مجرد خلاف حول التهنئة إلى حكم الاحتفال والمشاركة في أعياد الميلاد وشراء شجرة الكريسماس، كل حسب نظرته لغير المسلمين وتقديره للحدث.

 

ورغم أن الفقهاء، حتى ذي الميول السلفية منهم، كانوا يعتبرون التهنئة نوعا من البر والإقساط لغير المسليمن خاصة إذا كان بينهم وبين المسلمين صلة رحم أو قرابة أو جوار أو زمالة أو غير ذلك من العلاقات الإنسانية؛ فإن الخلاف احتدم بين المعاصرين.

 

وفي عام 1904 تلقى الشيخ رشيد رضا رسالة من أحد المسلمين الصربيين الذين يسكنون في الجبل الأسود، قال فيها: معلوم عند جنابكم أننا تحت تصرف حكومة نصرانية وأن النصارى يزورننا يوم عيدنا للتهنئة بالعيد، ويطلبون منا مثل هذه الزيارة في أعيادهم، فهل نحن معذورون إذا زرناهم أم لا؟.

 

وجاء رد الشيخ رشيد رضا كالتالي: "إذا صح لنا أن نجامل من نحكمهم عملا بمكارم الأخلاق، أفلا يصح لنا أن نجامل من يحكموننا من غيرنا ونحن أحوج إلى مجاملتهم، لأجل مصالحنا؟"، موضحا أن هذا لا يعد من باب الضرورة لأنه مطلب لذاته مع حسن النية، وتجنب مشاركتهم في المحرمات كشرب الخمر مثلا.

 

ومع مرور الوقت وظهور التيار السلفي على السطح خرجت مئات الفتاوى التي تحرم التهنئة وتعتبرها خروجا عن الدين، حيث الشيخ أبو إسحاق الحويني في مقطع فيديو له: " يحرم على المسلم أن يشارك غير المسلم من الكافرين في أي عيد من الأعياد.. أنا أعدل معهم وأعاملهم بالقسطاس ولا أسرقهم ولا أظلهم، إنما الود والبر إنما يكون لأهل الإيمان فقط".

 

 وقال الشيخ برهامي نائب رئيس الدعوة السلفية في مقطع فيديو آخر: "إن تهنئة المسيحيين بأعيادهم الدينية كعيد الميلاد والقيامة مخالفة لتعاليم الدين الإسلامي لأنها تعني الاعتراف بمعتقداتهم المتمثلة في ولادة الرب وقتل وصلب المسيح، مشددا في الوقت ذاته على ضرورة الفصل بين العلاقات الاجتماعية والأمور المبنية على أمور اعتقادية، موضحا أنه يجوز تهنئتهم بالمناسبات الاجتماعية كالولادة والزواج، بالإضافة إلى التعزية وزيارة المريض.

 

 

وفي المقابل، فإنه في مثل هذا التوقيت من العام يحرص الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر والدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف والدكتور شوقي علام مفتى الجمهورية وغيرهم من قيادات المؤسسات الإسلامية على زيارة الكاتدرائية المرقسية بالعباسية لتقديم التهنئة للبابا ترواضروس الثاني بحلول عيد الميلاد المجيد، إلا أن مؤخرا تم تداول مقطع فيديو للدكتور أحمد طه ريان، أستاذ الفقه المقارن وعضو هيئة  كبار العلماء بالأزهر التي يترأسها الإمام الأكبر يفتي فيه بحرمة تهنئة المسيحيين بأعيادهم الدينية.

 

 وقال "ريان" في الفيديو ردا على سؤال أحد المواطنين حول القضية: "لا يجوز تهنئة النصارى أو اليهود بأعيادهم الدينية لأن التهنئة معناها تشجيعهم على الاستمرار على تلك الديانات، ولكن يمكن تهنئتهم بأعياد ميلادهم أو ميلاد أولادهم أو زواجهم".

 

ويعتبر رأي ريان مخالفا لرأى هيئة كبار العلماء المنتسب لها والتي أصدرت بيانا في يناير 2017 أكدت فيه أن تهنئة غير المسلمين بأعيادهم من البر الذي نص عليه الله تعالى: ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين)، وهي إنفاذ لوصايا رسولنا الكريم بأقباطنا :"الله الله في أقباط مصر فإن لهم رحما ونسبا".. "الله الله في أقباط مصر فإنكم ستظهرون عليهم فيكونون لكم عدة وأعوانا في سبيل الله".

 

وتساءلت الهيئة فى بيانها: "كيف تصور هؤلاء أن شريعة تجيز زواج أتباعها من الكتابيات والإنجاب منهن تحرم تهنئة أمهات أولادهم بأعيادهن؟!"، مطالبة أولئك المتصدين للإفتاء بالابتعاد عن إصدار ما يضر باللحمة الوطنية ويصادم تعاليم الشريعة الإسلامية ومقاصدها العامة.

 

ودعت الهيئة، عامة المسلمين إلى عدم الالتفات إلى تلك الأقوال غير المنضبطة وغير المتسقة مع قواعد شريعتنا السمحة.

 

وفى عام 2013 أوضحت دار الإفتاء المصرية أن تهنئة غير المسلمين من المواطنين الذين يعايشهم المسلم بأعيادهم لا مانع منها شرعًا، خاصة إذا كان بينهم وبين المسلمين صلة رحم أو قرابة أو جوار أو زمالة أو غير ذلك من العلاقات الإنسانية، وخاصة إذا كانوا يبادلونهم التهنئة في أعيادهم الإسلامية، وليس في ذلك إقرار لهم على شيء من عقائدهم التي يخالفون فيها عقيدة الإسلام، بل هي من البرِّ والإقساط الذي يحبه الله.

 

وفى عام 2016، أوضحت الإفتاء المصرية أن احتفال المسلمين بميلاد السيد المسيح أمرٌ مشروعٌ لا حرمة فيه؛ لأنه تعبيرٌ عن الفرح به، كما أن فيه تأسِّيًا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم القائل في حقه: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ».

 

وانتقل الخلاف بعد ذلك من حكم التهنئة إلى حكم مشاركتهم بالاحتفالات، وقالت سعاد صالح، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، إن الاحتفال بشجرة الكريسماس ليس حراماً، موضحة أن القرآن الكريم لم يتطرق لوسائل الاحتفال التى تكون فيها مشاركة بين الأديان، وذكرت أن هذه النوعية من الاحتفالات من أنواع الفرحة والبهجة مثل شم النشيم، فالاحتفالات ليست حرامًا طالما ليس فيها شرب خمر أو رقص عارى، ومجرد احتفال ظاهرى".

 

وبدوره رد المؤشر العالمي للفتوى التابع لدار الإفتاء المصرية أكثر من (3000) فتوى على مستوى العالم، تمثل القطاعات الرسمية وغير الرسمية بجانب التنظيمات الإرهابية، موضحًا أن الفتاوى الخاصة بالكريسماس تمثل (2%) من جملة الفتاوى المنشورة عالميًّا، في حين أنها تمثِّل (70%) من جملة الفتاوى الصادرة بحق المسيحيين على مستوى العالم.

 

وبتحليل فتاوى العينة المرصودة تبيَّن أن فتاوى المؤسسات الدينية الرسمية جاءت بنسبة (35%) من جملة هذه الفتاوى، في حين مثلَّت الفتاوى غير الرسمية نسبة (65%)؛ مما يُبين انشغال تلك التيارات بقضايا من شأنها إحداث خلل في نسيج الوطن الواحد.

 

وأكد المؤشر أن ارتفاع نسبة فتاوى الكريسماس غير الرسمية أدى لكثرة اضطرابها وتعدد تفريعاتها لخدمة أهداف ليست بالأساس دينية، حيث أوضح أن (80%) من فتاوى التيارات والتنظيمات غير الرسمية تحرِّم الاحتفال بالكريسماس، واحتلت فتاوى الإخوان والسلفيين أكثر من (40%) منها، في المقابل أجازت فتاوى المؤسسات الدينية الرسمية الاحتفال بالكريسماس وتهنئة المسيحيين بنسبة (95%).

 

وحول حكم الاحتفال بأعياد الكريسماس في الغرب، بيَّن المؤشر العالمي للفتوى أن (90%) من الفتاوى تُحرِّم الاحتفال بأعياد المسيحيين (بعكس أحكام التهنئة)، فيما أجازت (10%) منها الاحتفال والاحتفاء بمظاهر هذا المناسبات.

 

وذكر المؤشر أسباب تحريم الاحتفال الكريسماس فى الغرب، السبب الأول الاعتماد على فتاوى قديمة لــ"ابن تيمية" وإعادة نشرها في كل مناسبة، لا سيما على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث لا رقيب ولا حسيب، والسبب الثاني وهروب أعداد من الإخوان والسلفيين لبعض الدول الغربية، ونشر أيديولوجياتهم المتطرفة التي تدعو إلى العنف ونبذ الغير.

 

أما السبب الثالث فهو نزوح أعداد من اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين من دول مثل ليبيا وسوريا والعراق إلى دول أجنبية، حاملين معهم أفكارًا ومعتقدات خاطئة تغذي التطرف والإرهاب.

 

وأوصت وحدة الدراسات الاستراتيجية في نهاية تقريرها بتوسيع مساحة دائرة الانضباط الفقهي، وإنشاء نوافذ إعلامية بصورة أكبر للحديث عن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الخاصة بالجزية والتعامل مع غير المسلمين، وبيان بعض الإشكاليات الفقهية التي تثير اللغط، والمفاهيم الكلاسيكية الخاطئة، مثل: المفهوم الصحيح للجهاد، وفكرة التعايش بين المجتمع المسلم وغيره، والفتاوى والأحكام التي يتخذها البعض ذريعة لبعض الأفعال الإرهابية.

 

كما دعت إلى ضرورة مراعاة وتوحيد الأحكام الشرعية الخاصة بالأقليات المسلمة الذين يعيشون في مجتمع غير مسلم؛ تجنبًا لمعاناتهم وتصحيحًا لصورة الإسلام السمحة.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان