رئيس التحرير: عادل صبري 11:51 صباحاً | الاثنين 17 ديسمبر 2018 م | 08 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

الوقف.. حق للأعمال الخيرية أم لمشروعات «السيسي» الجديدة؟

الوقف.. حق للأعمال الخيرية أم لمشروعات «السيسي» الجديدة؟

أخبار مصر

جانب من اجتماع الرئيس السيسي ورئيس المخابرات والرقابة الإدارية ووزير الأوقاف

الوقف.. حق للأعمال الخيرية أم لمشروعات «السيسي» الجديدة؟

فادي الصاوي 28 ديسمبر 2017 13:28

"مال عام أم خاص؟.. يجوز مخالفة شروطه لتعظيم المصلحة أم لا ؟" هكذا شغلت قضية الوقف في مصر بال الكثيرين بعد اجتماع الرئيس عبد الفتاح السيسي بوزير الأوقاف محمد مختار جمعة ورئيس هيئة الرقابة الإدارية ورئيس المخابرات العامة ورئيس هيئة الأوقاف لبحث سبل الاستفادة من أموال الأوقاف وأصولها.

 

واعتبر بعض علماء الأزهر وأساتذة العلوم السياسية، أنَّ الوقف حق للأعمال الخيرية وليس لمشروعات «السيسي» الجديدة، وأنَّ قيام الأوقاف ببيع واستبدال إجراء باطل شرعًا ومخالفة صريحة لنصوص السنة النبوية، موضحين أنَّ عين الشيء الموقوف لا يجوز بيعه ولا هبته ولا توريثه، وأن منافعه تكون للموقوف عليهم.

 

وعقب الاجتماع الرئيس قال السفير بسام راضي، المتحدث باسم رئاسة الجمهورية، إنَّ قيمة أصول هيئة الأوقاف المصرية من مبانٍ وأراضٍ ومدارس وأشياء كثيرة جدًا تبلغ مئات المليارات، الأمر الذى يتطلب ضوابط ومتابعة وفق الإطار العام الذى يشدد عليه الرئيس عبد الفتاح السيسى من حيث حسن إدارة أصول الدولة والمال العام وحسن استغلاله لدرجة قصوى تصب فى صالح الشعب المصرى.

 

وأضاف "راضي"، في تصريح إعلامي أنَّ الاتجاه العام فى سياسة الدولة تجاه استغلال المال العام هو النفع للمواطنين من خلال حسن استغلاله وإدارته بشكل استثماري يعود على خزينة الدولة ويصل إلى المواطنين.

 

الصدقة التي بدأت للخير وانتهت في جيوب رجال الأعمال

وفي تعليقه على تصريحات الرئاسة قال الدكتور حازم حافظ أستاذ العلوم السياسية، إنَّ الفساد المالي والإداري يرتع في منظومة الأوقاف الإسلامية كما لا يرتع في أي مرفق آخر من المرافق، وأن مكافحة هذا الفساد قد تأخرت لعقود طويلة لأسباب مفهومة وغير معلنة! ... لكن يبقي التساؤل مشروعًا عن رؤية الرئيس لممتلكات الأوقاف، وعن علاقة هذه الممتلكات بالسلطة التنفيذية وبمشروعاتها المسماة بالقومية!!

 

وأضاف حافظ في مقال له نشره على صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعى فيس بوك: "وفقًا لمعلوماتي المتواضعة، فإنَّ أصول الأوقاف تنقسم إلى "أوقاف أهلية"، الهدف منها الإنفاق على ورثة الواقف عبر الأجيال المتتابعة، حتى يبقى اسمه وفضله حاضرين لدى ذريته جيلًا بعد جيل، ثم هناك "الأوقاف الخيرية" التى يوقفها الواقف على عمل خيرى معين، مثل الإنفاق على المدارس والكتاتيب، أو البيمارستانات (أي المستشفيات)، أو رعاية الفقراء، أو حتى على الرفق بالحيوانات ... إلخ، ولم نسمع أبداً أنَّ واقفاً قد أوقف وقفاً للإنفاق منه على الدولة أو على مشاريعها الصغرى أو الكبرى".

 

وتابع: "أموال الأوقاف- كما نرى- ليست "مالاً عاماً" كما يظن أو يذهب بنا السيد الرئيس، وإنما هي أموال خاصة، لكنها فى حكم المال العام من حيث خضوعها لرقابة السلطة العامة حماية لها من السرقة والتبديد وإنفاقها في غير الغرض الموقوفة من أجله، ولا يعقل بأي حال من الأحوال ولا هو مقبول شرعًا وقانونًا ومنطقيًا أن يقوم الرئيس بالحديث عن "حق الدولة" فيها - بالمعنى الضيق لمصطلح الدولة - ولا أن يتم توجيه هذه الأموال لتمويل مشاريع سيادته الكبرى لبناء فنادق يتكلف الواحد منها نحو مليار جنيه لينزل بها علية القوم".

 

وأوضح أستاذ العلوم السياسية أن منظومة الأوقاف -كمنظومات أخرى كثيرة فى مصر لها صلة بأموال المصريين- إنما تحتاج إصلاحات جذرية، ورقابة محاسبية صارمة؛ لكن ذلك لا يكون بوضع يد الرئيس على هذه الأموال باعتبارها "حقاً للدولة" - التى يريدها أن تكون دولته بحكم الأمر الواقع - ولا بتوجيه هذه الأموال لتمويل مشاريعه التى يعجز عن الوفاء بالتزاماتها المالية.

 

وأكد حافظ في مقاله أن منظومة الأوقاف تحتاج إصلاحات إدارية وتشريعية تطمئن المصريين على أموالهم وأموال أجدادهم الموقوفة للإنفاق على أمور لا علاقة لها بما يدور فى رأس الرئيس ورؤوس المستفيدين معه من مشاريعه "القومية الكبرى".

 

هكذا حافظ الوزير على الوقف 

وزارة الأوقاف، في عهد الدكتور محمد مختار جمعة حركت بعض المياه الراكدة فيما يتعلق بقضية الوقف؛ حيث قامت ببعض الإجراءات للحفاظ على هذه الأموال والأصول منها توقيع  بروتوكول تعاون مع المحافظين لضمان دعمهم في تنمية الوقف واسترداده، كما تعاونت الوزارة مع هيئة الإصلاح الزراعي لفض الاشتباك واستعادة كل طرف أرضه من الآخر، فضلًا عن التنسيق بين الوزارة وهيئة المساحة لمسح كل الأراضي، ورسم خرائط جديدة برقم قومي لكل قطعة.

 

لم تقتصر جهود الأوقاف عند هذا الحد بل وقعت بروتوكول تعاون مع وزارة الاتصالات لعمل خريطة إلكترونية للوقف، وتمكنت من حصر 40 ألف مخالفة يجرى إزالتها، وفتحت الباب لتقنين عقود الإيجار من الباطن للتعاقد معها مباشرة وطرد المستغلين، وعمل لائحة مالية جديدة للانتفاع بالوقف والتعاقد بقيمة أعلى، وبيع القطع الصغيرة بمزاد علني بقيمة حد أدنى سعر سوقي وشراء بديل أكبر بالعائد  وقصر البيع على الضرورة أو الأصول غير المنتجة أو ما تقتضيه مصلحة النفع العام كبناء المدارس أو المستشفيات أو المرافق العامة، كما عثرت على أطلس يضم خرائط أوقاف بوجه بحري ووجه قبلي يوثق حقها في مقاضاة المعتدين.

 

 رفض أزهري 

بعض علماء الأزهر اعترضوا على قيام الأوقاف ببيع بعض أراضي الوقف أو استبدالها بأخرى، حيث قالت الدكتورة فتحية الحنفي، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر، إن الوقف هو حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بمنع التصرف في رقبته على مصرف مباح موجود، أي أن هناك شخص يملك عين من الأعيان كعقارات أو أراضي زراعية أو أشياء منقولة كالخيول أو البقر والجاموس أو الأغنام، فإن هذا الشخص يملك الرقبة أي العين ثم يوقف ريع هذه الأشياء لجهة معينة كالفقراء أو طلبة العلم خاصة العلم الشرعي أو في سبيل الله أو أي جهات خيرية.

 

وأشارت إلى أن الوقف مباح ومشروع لقول الله تعالي " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون"، وقال رسول الله - صلي الله عليه وسلم- فيما رواه مسلم: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له "، والصدقة الجارية هي الوقف أما غيره من الصدقات ليست جارية كما قال الرافعي وغيره من العلماء.

 

وأضافت: "أن عمر رضي الله عنه أصاب أرضا بخيبر، فقال يا رسول الله ما تأمرني فيها؟ فقال إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، فتصدق بها عمر علي أن لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث"، وهو أول وقف في الإسلام، وقال جابر رضي الله عنه: ما بقي أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم له مقدرة إلا وقف وقفا".

 

وشددت على أن عين الشيء الموقوف لا يجوز بيعه ولا هبته ولا توريثه وأن منافعه وما تغله يكون للموقوف عليهم بما يعود بالنفع على المجتمع لأن منافع الوقف تعد مصدرا من مصادر الدخل القومي.

 

وطالبت رجال الأعمال بأن يوقفوا جزءً من أموالهم الخاصة كي يعود نفعها على الطبقة الكادحة من أفراد الشعب ويعد نوعا من المشاركة المجتمعية.

 

ووافقها الرأي الدكتور عبد الفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، وقال: "إن العلماء اتفقوا على عدم جواز بيع الوقف أو استبداله بغيره حتى ولو كان هذا الوقف لا يغل الريع المرصد من أجله، وإنما يجب على القائمين علية إصلاحه وترميمه حتى يعود إلى سابق حاله، بحيث يؤدى الغلة التي تبتغى منه طالما كان هذا الوقف يمكن أن يدر هذه الغلة بعد إصلاحه، أو ترميمه، وهذا أمر متفق علية بين جميع الائمة ولم يذكر أن أحدا منهم باع الوقف أو استبداله بغيره حتى ولو كان هذا الوقف المستبدل أكثر إدرارا للريع من السابق.

 

وشدد إدريس على ضرورة مراعاة شروط الواقف بالنسبة لوقفه، لأن من القواعد المقررة في الشرع ان شرط الواقف له من التقدير والاحترام كنص الشارع سواء بسواء، مضيفًا: "فإن الواقف حين رصد مال الوقف لم يكن يدور بخلده أن يباع هذا الوقف تحت أي ظرف، وفى أي حالة.

 

وأكد أن الإقدام على بيع الوقف هو مخالفة صريحة لشرط الواقف ومخالفة لنصوص السنة، التي ورد فيها قول رسول الله - صلى الله علية وسلم-  لعمر حين قال له يا رسول الله إني أصبت أرضا بخيبر، ولم أصب مالا قط هو أنفس عندي منه، فما تأمرني به، قال إن شئت حبست أصلها وتصدقت بثمرها على ألا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يورث ولا يوهب، وإنما تنفق ثمرة"، لافتا إلى أن هذا النص الصريح يدل على أن الوقف لا يباع، والإقدام على بيعه مخالفة لصريح السنة الصحيحة.

 

تعظيم المصلحة

فى المقابل يرى بعض العلماء منهم شيخ الإسلام ابن تيمية جواز صرف الوقف في ما هو أكثر مصلحة ولو خالف شرط الواقف.

 

وقالت أمانة الفتوى بدار الإفتاء المصرية، إنه يجوز تغيير صفة الوقف بقدر ما تندفع به الحاجة، والتي تُقدَّر بقدرها، إذا تأكد لناظر الوقف المخوَّل شرعًا بالنظر في مصالحه -وزارة الأوقاف- عدم القدرة على الحفاظ عليه.

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان