رئيس التحرير: عادل صبري 09:07 صباحاً | الاثنين 19 نوفمبر 2018 م | 10 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

بعد عام من تعويم الجنيه| «الدواء».. مأساة وتجارة دفع ثمنها الفقراء

بعد عام من تعويم الجنيه| «الدواء».. مأساة وتجارة دفع ثمنها الفقراء

أخبار مصر

طابور من المرضى في انتظار صرف الدواء أمام صيدلية حكومية

بعد عام من تعويم الجنيه| «الدواء».. مأساة وتجارة دفع ثمنها الفقراء

أحمد الشاعر - هند غنيم 13 نوفمبر 2017 10:30

سيدة في العقد الخامس من عمرها، استعدت لعبور الطريق، إلى إحدى الصيدليات الحكومية، التابعة للشركة المصرية لصناعة الأدوية، تحمل في يمينها كيسًا به روشته طبية وعددًا من علب الأدوية، وتتكأ على عكاز بشمالها.

 

تنجح السيدة زينب الخميسي، في المرور إلى الصيدلية، لتتفاجأ بطابور طويل من المرضى في انتظار صرف «الدواء»، تبادر السيدة بسؤال أقرانها الواقفين بعرض الطريق «الأنسولين جه؟» .. حد يرد عليا «الأنسولين موجود ولا ناقص»، لكن يبدو أنَّ الجميع هنا ينتظر الإجابة على نفس السؤال.

 

تخترق «زينب» الصفوف لتبلغ الشباك وتكرر سؤالها للموظف مرة أخرى، فيجيب «استريحي شوية يا حاجة لسة»، فتبادر السيدة بالقول إنها على استعداد لدفع ضعف ثمن الدواء شرط الحصول عليه، إلا أنَّ محاولتها لم تفلح فالإجابة لاتزال قاطعة، وتدور أحاديث بين المرضى بأن زيادة الأسعار التي أعقبت تعويم الجنيه، أثرت بشكل واضح على توافر الأدوية خاصة أدوية الأورام والأمراض المزمنة.

 

سعيد بدري، مريض سكري، يبلغ من العمر 62 عامًا، يقول: "أنا واقف في الطابور كدا من الساعة 7 الصبح مستتني أصرف الدواء، وساعات بفضل واقف لحد الساعة 2 الظهر، وأيام تانية ربنا بيسهل على طول".

 

وأضاف "بدري" أنه يأتي من «المرج» حتى وسط البلد، ليتمكن من صرف العلاج، ويكرر هذه الرحلة مرتين شهريًا، معلقًا: "الصيدلية دي نضيفة، وساعات كتير بنلاقي فيها أي دواء ناقص من الصيدليات اللي بره، لكن عيبها الوحيد إن بعد التعويم بقى تأخير في توريد الأدوية وسعرها زاد".

 

 

وفي العام الماضي، وعلى خلفية قرار البنك المركزي بتعويم الجنيه، قلصت الشركة المصرية لصناعة وتجارة الأدوية، حصص كل صيدلية، من أدوية الأمراض المزمنة، بحسب ما قرره كريم كرم المتحدث باسم الشركة، هذا القرار الذي اقتدت به شركات أدوية أخرى، ما دفع خبراء إلى الشعور بالقلق إزاء عدم القدرة على تغطية احتياجات المرضى من الدواء ما يشكل خطورة بالغة على صحتهم.

 

يقول عمرو البطراوي، صيدلي، إنه يشعر بتخوف شديد منذ تحرير سعر صرف الجنيه، خاصة أنَّ الدواء يعد من السلع الرئيسية والأولية لدى كل الناس بحد وصفه، ومن الخطر التلاعب في أسعارها حيث إنَّ عددًا كبيرًا من المصريين يعانون من أمراض مزمنة كالسكر والضغط وفيروس سي وغيرها.

 

وأضاف "البطراوي" لـ "مصر العربية" أنه يحاول توفير كل الأدوية بصيدليته، لكن شركات الأدوية خفضت من الكميات التي كانت تورد للصيدليات، مشيرًا إلى ما زاد الأمر سوءًا أن بعض أصحاب مخازن الأدوية، استغلوا الأزمة وباعوا كميات هائلة من الأدوية بأسعار مرتفعة في السوق السوداء.

 

 

وأكد عدد من الخبراء أنَّ المنظومة الصحية بكافة أجزائها تأثرت بشكل سلبي عقب مرور عام على قرار تحرير سعر صرف الجنيه سواء فيما يتعلق بالخدمة الطبية ونقص الأطباء والمستلزمات في المستشفيات الحكومية، أو اختفاء عدد كبير من الأدوية وتدهور أحوال سوق الدواء المصري وبشكل خاص شركات قطاع الأعمال، الأمر الذى أدّى إلى زيادة الأعباء على كاهل المريض المصري أكثر من أي وقت مضى.

 

(نقص الدواء يهدد صحة المرضى)

 

وقال محمود فؤاد المدير التنفيذي للمركز المصري لحماية الحق في الدواء، إنه قد مرّ عام علي قرار الحكومة المصرية بتحرير أسعار الصرف والذي تحمل ملايين المرضى جميع أعبائه بالإضافة إلى أنه عصف بكافة حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والصحية.

 

وأضاف "فؤاد" لـ"مصر العربية"، أنَّ الأمر قد بدى كارثيًا خاصة في النصف الأول من العام، أما بالنسبة للنصف الآخر فقد ظهرت بارقة أمل يلوح من بعيد، فمنذ عام لم يكد يمر سوى أسابيع قليلة على قيام الحكومة المصرية برفع أسعار أصناف أدوية بنِسَب مختلفة وصلت ما بين ٣٠ إلى ٥٠ ٪‏ حتى قامت بعدها بتحرير أسعار الصرف مما جعل المريض المصري يعاني الأمرّين وظلّ إلى الآن يبحث عن الأصناف الحيوية والاستراتيجية والتي تشكل خطرًا على الحياة حيال نقصها .

 

وأكمل "فؤاد" أنَّ هذا جاء بالإضافة إلى اختفاء متعددة من المستلزمات الطبية، وذلك بعد رصد المركز المصري إغلاق عدد من المستشفيات الجامعية العيادات الخارجية أمام الجمهور في محافظات "سوهاج وأسيوط ومستشفى القلب جامعة "عين شمس" بسبب اختفاء المستلزمات والأدوية في وقتٍ سابقٍ بعد صدور القرار مباشرة، وأرسل عدد كبير من المحافظين استغاثات للمسؤولين الأعلى لإنقاذ الوقف المتدهور.

 

واستطرد مدير الحق في الدواء، أن عددًا كبيرًا من مراكز الغسيل الكلوي اعتذرت للمرضي وغلقت أبوابها في "القاهرة والفيوم والمنوفية والغربية " نتيجة زيادة أسعار الفلاتر عقب قرار التعويم، كما زادت قوائم نقص الأدوية التي لا يوجد لها مثائل أو بدائل إلى أكثر من ٥٥ صنفًا في سابقة لم تحدث من قبلكما، حيث وصل النقص بالاسم التجاري لأكثر من ١٤٠٠ صنف من إجمالي ١٣٥٠٠ صنف مسجلين بالجمهورية.

 

وأوضح "فؤاد" أنَّ الأوضاع المزرية أدَّت لدفع صناعة الأدوية ثمنًا باهظًا بعد تحرير سعر الصرف بسبب اعتماد الصناعة في ٩٥٪‏ من مدخلتها على الاستيراد من الخارج، بسبب عدم استطاعة الشركات العامة والخاصة الاستثمارية والأجنبية بتوفير المادة الخام بسبب نظام التسعير الإجباري الذي طبق في مصر منتصف الخمسينيات.

 



(طابور من المرضى ينتظرون صرف الدواء)

 

وأشار "فؤاد" إلى أن المريض أصبح عليه البحث في المحافظات لتجميع الروشتة الخاصة به في بحث بدون جدوى ووصل الأمر فى بعض الأحيان لإطلاق استغاثات من داخل المعاهد والمستشفيات الكبرى يتم بشكل يومي، وقد قامت أجهزة الإعلام المختلفة بحملات مستمرة لحث المجتمع المدني على توفير التبرعات لإنقاذ المرضي، ففِي أكتوبر من العام ٢٠١٦ قامت رئاسة الجمهورية بتوفير ١٦٠ مليون دولار من البنك المركزي، وقامت بالتعاقد الفوري على شراء احتياجات مرضى "أمراض الدم، والأورام المتخلفة، والهرمونات الخاصة بالسيدات، وألبان الأطفال" وذلك بعد وصول الأمر إلى عدم وجود مخزون لهذه الأدوية، وفِي الوقت الذى فشلت فيه أجهزة وزارة الصحة المتخلفة من التنبؤ بالأزمة أو المساهمة في حلها، لافتقاد وزارة الصحة السياسات طويلة الأمد أو مستقبلية.

 

وبيّن "فؤاد"، أنه على صعيد آخر ظهرت في الآونة الأخيرة ١٥ مستشفى تم بناؤها بمواصفات عالمية سوف تحدث طفرة كبيرة، إن تمكنت وزارة الصحة من توفير الأطباء وفرق التمريض اللازمة للتشغيل وقضت علي النقص الواضح في تخصصات "التخدير، والأوعية، والجراحة"، مؤكدًا أنّ ظلال هذه الأزمة أدّت لقيام الحكومة بعد توجيهات الرئاسة بفتح ملف صناعه الدواء بشكل عام لم يحدث سابقًا.

 

ولفت "فؤاد" إلى قيام الحكومة بعدة تحركات على جبهات مختلفة وعقد اتفاقات لبناء عددٍ من المصانع وخطوط الإنتاج للدخول في تصنيع بعض الأصناف ذات الاحتياجات الضرورية التي لا غنى عنها مثل "مصنع مشتقات الدم، والسرنجات ذاتية التدمير، والبدء في تصنيع أدوية الأورام وهى خطوة جريئة لم تحدث مسبقًا، وتحت ظل ضغوط رهيبة استخدمتها شركات الأدوية خاصة الأجنبية وبعد قيام شركات مصرية في تقليل طاقة المصانع الإنتاجية لفرض مزيدٍ من الضغوط على الحكومة للي ذراعها لرفع الأسعار الذي كان طلب ملح وضروري لها، وهو القرار الذي تأخرت الحكومة في اتخاذه لفترة طويلة، مشيرًا إلى أنّ 20% من الأدوية المسجلة في مصر تحركت أسعارها بنِسَب مختلفة للمرة الثانية خلال عام واحد.

 

وتعليقًا على هذا الموضوع قال الدكتور " خالد أمين" الأمين العام المساعد لنقابة أطباء الجيزة، إنَّ تحرير سعر الصرف أثر بشكل سلبى على أسعار المستلزمات الطبية، وذلك لخضوعها لفكرة العرض والطلب مما أدى لنقصها فى المستشفيات الحكومية بشكل مبالغ فيه.

 

وأضاف "أمين" لـ مصر العربية، أنه كان يتوجب على الحكومة العمل على توفير احتياجاتها من مستلزمات طبية وخاصة مستلزمات وأدوية الطوارئ ”بسعر الدولار القديم وذلك قبل اتخاذ القرار حتى يكون هناك تأمين لحماية المريض المصري من مواجهة نقص المستلزمات التى نتج عن تحرير سعر صرف الدولار لأنَّ الغالبية العظمى من هذا المستلزمات مستوردة فى الأساس.

 

وأشار "أمين" إلى أنَّ المريض الفقير دفع ثمن هذا القرار نتيجة لعدم وجود علاج بالمستشفيات الحكومية، والنقص الحاد فى الأدوية الذى تشهده البلد بعد هذا القرار، مؤكدًا على أنّ الحكومة لم تدرس تبعيات قرار تحرير سعر الصرف قبل تطبيقه وهو أسوأ ما فى الموضوع وهو غياب الاستراتيجية طويلة الأمد ووضع حلول بديلة لمعالجة الأزمات.

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان